مرّ حوالي أسبوع مُنذ بدء الهدنة في سوريا، السبت الماضي، 27 فبراير (شباط)، تلك الهدنة التي قابلتها مُعوقات أمام تحققها على أرض الواقع في الداخل السوري.

في هذا التقرير نستعرض معكم بالسرد والتحليل، ماهية الهدنة، وإلى أي مدى تحققت على أرض الواقع، بالاستعانة بإحصاءات يومية للقتلى على مدار أيام الهدنة، وتعليق أطراف الصراع داخليًا ودوليًا على الهدنة، ونقل مشاعر بعض السكان السوريين تجاهها.

1- ما هي أهم بنود الاتفاق الأمريكي – الروسي؟

في 22 فبراير (شباط ) الماضي، اتفق الجانبان الأمريكي والروسي، على هدنة لوقف إطلاق النار، على أن تبدأ من يوم السبت 27 فبراير (شباط)، وتستمر لأسبوعين قابلين للتمديد وتستهدف بعد ذلك -إن أمكن- وقف إطلاق النار طويل الأمد، قد يعقبه حل سياسي.

ولن تشمل الهدنة وقف إطلاق النار على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجبهة النصرة، وغيرها من الجماعات التي يصنفها مجلس الأمن الدولي، على أنها «إرهابية».

كما طالبت الهدنة من المعارضة وقف أي أعمال وصفتها بـ«العدائية» المُسلحة ضد الجيش النظامي السوري والفصائل التابعة له، في الوقت الذي نص فيه البيان المشترك على أنّ «الأعمال العسكرية التي تشمل غارات القوات المسلحة السورية، والقوات المسلحة الروسية والتحالف ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة، ستستمر على التنظيم (داعش) وجبهة النصرة وغيرهما من المجموعات التي يصنفها مجلس الأمن الدولي بالإرهابية».

وأبدى أطراف الصراع الداخلية والدولية للأزمة السورية، ترحيبهم السياسي بالاتفاق عند إعلانه، إلا أنّ الخطوة الأصعب تتمثل في إمكانية تحقيقه على أرض الواقع!

2- إلى أي مدى تحققت الهدنة على الأراضي السورية؟

خلال أسبوع مُنذ عقد الهدنة، شهدت سوريا انخفاضًا نسبيًا في إطلاق النار، الذي لم يتوقف بشكل كامل، واستمرت أيضًا الخروقات للهدنة. ويمكن وصف يوم الثالث من مارس (آذار) بأنه ربما يكون الأنجح، وقد لفت البيت الأبيض، مساء نفس اليوم إلى «عدم وجود انتهاكات كبيرة جديدة لهدنة سوريا في آخر 24 ساعة».

أما عن المرصد السوري لحقوق الإنسان – وهو الذي سنستشهد بإحصاءاته تباعًا خلال أيام الهدنة – فأفاد بأن حصيلة قتلى الثالث من مارس (آذار) كانت أصغر حصيلة يومية مُنذ 13 شهر، إذ قُتل 12 شخص بينهم ثمانية مواطنين، منهم ثلاثة أطفال، قضوا تحت التعذيب، وسقوط قذائف، وانفجارات، تورط في معظمها النظام السوري. أما عن الأربعة قتلى الآخرين، فكان منهم ثلاثة مقاتلين من الفصائل الإسلامية المسلحة، والأخير كان رجلا أعدمه تنظيم الدولة.

وهذا إحصاء يومي لعدد القتلى في سوريا خلال ستة أيام مُنذ بدء الهدنة، مختوم بعددٍ إجمالي للقتلى، اعتمدنا فيه بشكل أساسي على المرصد السوري لحقوق الإنسان، على أن يكون الرقم الموضوع بين الأقواس مُمثلا للحصيلة اليومية الكلية لعدد القتلى. وقد تبين مقتل 110 بسوريا في المتوسط اليومي!

الثالث من مارس (آذار): 12، بينهم: ثمانية مدنيين، وثلاثة مقاتلين معارضين، وحالة إعدامٍ واحدة على يد «تنظيم الدولة».

الثاني من مارس (آذار): 147، بينهم: 15 مقاتلًا من النظام والقوات الموالية له، و23 مقاتلا معارضًا، و10 مدنيين.

الأول من مارس (آذار): 82، بينهم: 18 من قوات النظام والقوات الموالية له ، و15 مقاتلا معارضًا، و 10 مدنيين.

29 فبراير (شباط): 137، بينهم: 31 من قوات النظام والقوات الموالية له، و68 عنصرًا من «تنظيم الدولة» بفعل التحالف، وثمانية مقاتلين معارضين، وسبعة مدنيين.

28 فبراير (شباط): 100، بينهم: 26 من قوات النظام، والقوات الموالية له، و41 عنصرًا من «تنظيم الدولة»، و11 مقاتلًا معارضًا، و17 مدنيًا.

27 فبراير (شباط): 183، بينهم: 10 من قوات النظام والقوات الموالية له ، و70 عنصرًا من «تنظيم الدولة»، و23 مقاتلًا معارضًا، و26 مدنيًا.

وبذلك تكون الحصيلة الكلية الإجمالية للأيام الستة 661 قتيلا بينهم100 مقاتل من قوات النظام والقوات الموالية له، و179 عنصرًا من «تنظيم الدولة»، و83 مقاتلًا معارضًا و78 مدنيًا.

وبحسب المرصد، فقد استمرت المعارك وحالات إطلاق النار في العديد من الجبهات السورية، من معظم أطراف الصراع في الرابع من مارس (آذار) أيضًا، وفيما يبدو فإن أشدها ما نفذته قوات النظام السوري ضد مدينة دير الزور، وأسفرت عم مقتل سيدتين، وإصابة 10 مدنيين آخرين بجروح خطيرة.

3- كيف رأى أطراف الصراع السوري الهدنة؟

على الصعيد الرسمي الداخلي، اتهمت فصائل المعارضة، النظام السوري، باختراق الهدنة والسيطرة ومحاولة السيطرة على مناطق خاضعة للمعارضة مُنذ انطلاق الهدنة، فيقول محمد علوش، رئيس المكتب السياسي لجيش الإسلام، وعضو الهيئة العليا للتفاوض المنبثقة عن المعارضة السورية، إن «هناك خروقات كبيرة من جهة النظام واحتلال لمناطق جديدة واستخدام كافة أنواع السلاح، لا سيما الطيران والبراميل المتفجرة في بعض المناطق وحشود لاحتلال مناطق استراتيجية مهمة جدا»، مُضيفًا أن «المساعدات التي تم إدخالها في الأيام الأخيرة للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وتحاصرها الحكومة لا تكفي عشرة في المائة من الحاجات المطلوبة وأكثر المناطق لم يدخلها شيء».

وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة أعلنت أمس الجمعة الرابع من مارس (آذار) دخول 23 حافلة محملة بالمواد الغذائية والطبية في ريف الغوطة الشرقية.

وفي السياق ذاته قال المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية رياض حجاب، في مؤتمر صحفي عقده الأمس في باريس، إن «النظام السوري وحلفاءه من روسيا والمليشيات شنوا أكثر من تسعين غارة جوية على مناطق المعارضة في الأيام السبعة الأخيرة».

واتهم حجاب «النظام وحلفاءه باستخدام صواريخ فراغية وقنابل عنقودية في أكثر من خمسين منطقة تسيطر عليها المعارضة التي وافقت على الهدنة رغم الملاحظات عليها».

لافتًا إلى أن «النظام وروسيا لا يزالان يستخدمان سلاح التجويع والحصار المحرم دوليًا»، وموضحًا أنّ «المساعدات المحدودة التي دخلت إلى بعض المناطق كانت منتهية الصلاحية، أو تخلو من المواد الغذائية والطبية، كما حدث أمس في حي الوعر بحمص».
وأخيرًا أشار حجاب إلى أن «خروقات النظام السوري تجعل الظروف غير مواتية لاستئناف المفاوضات».

في المقابل، لم يتهم النظام السوري المعارضة بانتهاك الهدنة، ولكن وحدات حماية الشعب الكُردية – التي تعتبرها المعارضة حليفة للنظام، وهو ما تنفيه الوحدات بدورها – تبادلت الاتهامات مع المعارضة بانتهاك الهُدنة، وقالت الوحدات في تقرير لها إن «فصائل المعارضة المُسلحة لم تلتزم بالهدنة المعلنة، وواصلت هجماتها على مدينة عفرين، وقرى قريبة، وجميع المواقع الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب».

وعلى الصعيد الدولي، فقد أجرى عدد من الدول الأوروبية محادثة مع روسيا حول الهدنة في الرابع من مارس (آذار)، وضمت المحادثة الهاتفية كلا من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند، ورئيس الوزراء الإيطالي ماثيو رينتسي، ورئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وعن المحادثة، قالت المتحدثة باسم كاميرون، إن «زعماء أوروبا أبلغوا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة، بأنه ينبغي استغلال الهدنة الهشة في سوريا، في السعي للتوصل إلى اتفاق سلام دائم يشمل انتقالاا سياسيًا بمعزل عن الرئيس السوري بشار الأسد»، مُشيرةً إلى أن «زعماء أوروبا يرحبون بحقيقة أن هذه الهدنة الهشة صامدة فيما يبدو».

من جانبه استغل الكرملين آخر عبارة، وتجاوز عن وصف الهدنة بـ«الهشة»، وركز على صمودها، مُعترفًا بالإجراءات السياسية الذي يتخذها الأسد، المتمثلة باعتقاد روسيا في أن «قرار الحكومة السورية إجراء انتخابات برلمانية في أبريل (نيسان) لن يعرقل خطوات بناء عملية السلام»، بحسب بيان الكرملين الذي جاء فيه أن «زعماء روسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا عقدوا مؤتمرا عبر الهاتف يوم الجمعة اتفقوا خلاله على أن اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا بدأ يحقق نتائج إيجابية تمهد الطريق لتسوية سياسية».

4- السوريون يبحثون عن الحياة بحذر!

«الطقس جميل ومشمس. كان المتنزه مكتظًا بالناس، كان يشبه خلية النحل، كان يعج بالأطفال والأسر. السكان يشعرون الآن بأمان أكثر للخروج مع أسرهم».

هكذا عبّر عبد الله أصلان، أحد سكان مدينة حلب، عن إقبال سكان المدينة على المتنزهات أثناء الهدنة التي شملت المدينة وغيرها من المناطق، بعد أسابيع قليلة من اشتداد القصف الروسي والسوري النظامي عليها، مُخلفًا عشرات الآلاف من القتلى والجرحى واللاجئين.

وبعيدًا عن الحديث الرسمي من أطراف الصراع السوري داخليًا وخارجيًا، فقد نشرت رويترز تقريرًا، لفتت فيه إلى عودة بعض مظاهر الحياة لطبيعتها في بعض المناطق السورية أثناء الهدنة، مع استمرار الخوف والقلق من السكان، وهو ما عبّر عنه عبد الله الأخرس، أحد سكان بلدة جسر الشغور – مخالفًا لرأي صفوان الذي كان أكثر اطمئنانًا – حين قال: «ثمة مخاوف عميقة. هناك حالة من الشلل، فلا بيع ولا شراء، والذين يملكون أصولا يحاولون التخلص منها. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. هذه الهدنة ما هي إلا فرصة للتحضير لمعركة ضخمة. إنهم (الحكومة) يحشدون قواتهم لاستئناف القتال على كل الجبهات».

وبحسب التقرير، فقد عاد بعض النازحين السوريين إلى حلب مرة أخرى أثناء الهدنة، «وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة قرب دمشق، انتهز السكان فرصة الهدنة للقيام بمهام أهملوها طويلا مثل إصلاح المنازل المدمرة، وحتى العناية بالحدائق»، كما جاء في التقرير.

هذا، وقد عادت الاحتجاجات السلمية بعد توقف طويل، وذلك في اليوم السابع من الهدنة، في مدن دوما وإدلب ودرعا. وطالب المحتجون بإسقاط نظام الأسد وإقامة دولة سورية موحدة، منددين بتخاذل المجتمع الدولي تجاه الأزمة السورية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد