عقب اندلاع الثورة العنيفة التي أطاحت بآخر الدكتاتورين الشيوعيين، الذين حكموا رومانيا، اكتشف العالم مأساة مفجعة، خلفها وراءه نيكولاي تشاوتشيسكو، الذي ترأس رومانيا لمدة 24 عامًا، جعلها خلالها بمعزل عمن حولها. وفوجئ العالم بشبكة واسعة من المؤسسات التابعة للدولة، تعج بالرضع، والأطفال، والمراهقين الذين تخلى عنهم آباؤهم، يقبعون في أوضاع مزرية.

اندفع الصحافيون والمؤسسات الإعلامية لتغطية الأحداث المروعة التي شهدتها تلك المؤسسات، ونقل معاناة أولئك الأطفال. وصدمت المشاهد الرومانيين أنفسهم تمامًا مثلما صدمت غيرهم من خارج البلاد؛ إذ أحاطت السرية بتلك المؤسسات، ولم يكن ما يجري فيها مكشوفًا للعامة. إنهم أطفال تشاوتشيسكو، والأيتام الذين ليسوا بالأيتام. فما هي قصتهم؟ وكيف وصل بهم الحال إلى العيش في جحيم الملاجئ؟ وما هو وضعهم اليوم؟

الأمومة واجب وطني في رومانيا تشاوتشيسكو

في عام 1966، أي بعد سنة واحدة من تولي تشاوتشيسكو حكم رومانيا، أصبح الإجهاض عملًا غير قانوني. وأعلن تشاوتشيسكو أن الجنين ملك للمجتمع كله، وكل من يتجنب إنجاب الأطفال هارب يتخلى عن قوانين المجتمع الوطني. كان غرض تشاوتشيسكو من منع الإجهاض تحقيق أحد أكبر أهدافه، ألا وهو تقوية اقتصاد رومانيا بسرعة عن طريق زيادة عدد سكانها.

حتى عام 1966 كان لدى رومانيا معدل مواليد منخفض، وواحد من أعلى معدلات الإجهاض في أوروبا الشرقية. وكان الإجهاض الشكل الرئيس لضبط المواليد، بأربعة إجهاضات مقابل كل مولود حي. وفجأة أصبح الإجهاض ممنوعًا، وحُظرت وسائل منع الحمل، والثقافة الجنسية، وانخفض سن الزواج إلى 15 سنة، وأضحت الأمومة واجبًا وطنيًا.

تاريخ

منذ سنة واحدة
هل نحن وحوشٌ بالفطرة؟ قصة حياة تشاوتشيسكو مثالًا

فضلًا عن ذلك، فُرضت عقوبات ضريبية على الأشخاص الذين ليس لديهم أطفال، وجرى الاحتفاء بالنساء اللاتي أنجبن 10 أطفال أو أكثر، ووصفهن بـ«الأمهات البطلات». كذلك، مُنحت الأمهات ميداليات، وفقًا لعدد الأطفال الذين أنجبنهن.

وفي الوقت ذاته كان وكلاء الحكومة الذين يُعرفون باسم «شرطة الحيض» يمرون في جولات منظمة على النساء في أماكن عملهن؛ لإجراء اختبارات الحمل. وإذا فشلت إحدى النساء في الحمل، كان يُفرض عليها ضريبة عزوبية باهظة. وكانت الإعفاءات الوحيدة للنساء اللاتي لديهن أربعة أطفال، أو اللاتي تعدى سنهن 40 عامًا، أو النساء ذوات المناصب المهمة في الحزب الشيوعي.

وبالفعل أنتجت سياسات تشاوتشيسكو تلك ثمارها المنشودة؛ فبعد سنة من منع الإجهاض،تضاعف معدل الولادات في رومانيا، وزاد عدد السكان بأكثر من 4 ملايين. وولد عشرات الآلاف من الأطفال ليجدوا أنفسهم أمام واقع بائس، إلا إذا كان المرء منهم ينتمي إلى عشيرة تشاوتشيسكو أو إلى النخبة الشيوعية.

«الدولة يمكنها رعاية طفلك أفضل منك»

في الوقت الذي بنى فيه تشاوتشيسكو القصور الضخمة لنفسه، وصدّر الغذاء لسداد الدين الوطني، ترك الشعب الروماني يجوع، وأعطى الوظائف الحكومية إلى عدد معين من الأفراد، بمن فيهم زوجته إيلينا، التي طلبت 40 بيتًا وتجهيزات مساوية من الفراء والمجوهرات، بينما عانى كثير من الرومانيين من الفقر والعوز، ولم يستطع كثير منهم تحمل تكاليف أطفالهم الجدد.

دفعهم هذا الوضع إلى إيداع أطفالهم في دور الأيتام؛ بهدف إعادتهم مرة أخرى بعدما يتقدمون في السن ويصبحون قادرين على العمل. ساعد على ذلك ما روجت له الدولة عن قدرتها على تربية الأطفال أفضل من آبائهم، واستخدامها للآلة الإعلامية في تشجيع الآباء على التخلي عن أطفالهم.

ومن أجل إيواء جيل من الأطفال غير المرغوب فيهم، أمر تشاوتشيسكو ببناء أو تحويل مئات المباني في جميع أنحاء البلاد إلى دور رعاية، وأنشأ نظامًا ضخمًا لدور الأيتام في رومانيا، تحت شعار «الدولة يمكنها رعاية طفلك أفضل منك». ويظهر على لافتاته رسمًا لسيدة تودع طفلها للدار وهو صغير، ثم تتسلمه وهو في سن أكبر.

Embed from Getty Images

هكذا كان يبدو الأمر في الظاهر، مؤسسات تربوية تتولى رعاية الأطفال، وإعدادهم لسوق العمل؛ من أجل دفع عجلة الإنتاج. لكن خلف الكواليس، كانت الصورة مغايرة تمامًا.

في تلك المؤسسات، كان يجري فرز الأطفال لدى وصولهم سن الثالثة، فيحصل الأطفال الأصحاء، عمال المستقبل، على ملابس، وأحذية، وطعام، وبعض التعليم. بينما لا يحصل الأطفال أصحاب الاحتياجات الخاصة على أي شيء.

كان يُنظر إلى ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بالأمراض العقلية، على أنهم غير قابلين للعلاج؛ وبالتالي لا يمكن للدولة الاستفادة منهم، حتى أولئك الذين عانوا من مشكلات بسيطة يمكن علاجها. وتعرض هؤلاء جميعًا للإهمال، والاعتداء البدني، والجنسي، وتناول المهدئات قسرًا للسيطرة على السلوك.

استمر منع الإجهاض حتى فقد تشاوتشيسكو سيطرته على رومانيا، وخرج في ديسمبر (كانون الأول) عام 1989 آلاف المتظاهرين إلى الشوارع للاحتجاج على نظامه المتداعي.

أطاحت الثورة بالنظام في خلال أسابيع، وحاول تشاوتشيسكو الهرب مع زوجته، لكنهما اعتُقِلا وقُدِّما إلى المحاكمة، ونُفِذ فيهما حكم الإعدام. لاحقًا اكتشف العالم الإرث الأكثر مأساوية الذي خلفه الديكتاتور الروماني وراءه، وفوجئ بوجود أكثر من 100 ألف طفل مُلقى في دور أيتام متداعية في أرجاء البلاد.

من جحيم الميتم إلى كنف العائلة

ولدت كلوديا فولكان بذراع واحدة، ووضعت في إحدى مؤسسات الدولة لرعاية الأطفال وهي رضيعة. وتصف ذكريات طفولتها لمجلة «الإيكونوميست» قائلة: «ذكرياتي في الميتم صعبة، حدثت كثير من الأمور التي يصعب وصفها. إذا تحدثنا عن العنف الجسدي؛ فكان هناك الكثير منه. في إحدى المرات، كنت ألعب وحدي في إحدى الغرف، أحاول شغل نفسي بتخيل ألعاب مختلفة، حتى جاءت إحدى المعلمات وجذبتني بعيدًا، ثم نزعت عني ملابسي وأخذت تضربني بحبل على مؤخرتي».

تضيف كلوديا: «في الواقع لم نكن ننتمي لأحد، وكان يجري معاملتنا كالحيوانات. خلال حكم تشاوتشيسكو، كان الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة غير مرغوب بهم، كانوا يتركوننا في أَسرِّة ذات قضبان معدنية، غارقين في فضلاتنا. كانوا يُحمّمونا بالماء البارد والغسول، باستخدام خرطوم ومكنسة».

عاشت كلوديا طفولتها في مؤسسة «أيون هولبان» للرعاية، التي تتجه الدولة حاليًا إلى غلقها، وتسعى بالتعاون مع المنظمات الخيرية لإعادة دمج الأطفال الذين كانوا فيها في عائلاتهم، أو نقلهم إلى منازل جديدة تسمى «منازل عائلية».

إلا أنه منذ سقوط تشاوتشيسكو، قطعت رومانيا شوطًا طويلًا في إصلاح نظام حماية الطفل.

Embed from Getty Images

تقول ساندي بلانشيت، ممثلة اليونيسف السابقة في رومانيا: «كانت الإيديولوجية في ظل نظام تشاوتشيسكو أن الدولة أفضل من الأسرة. لا أحد يقول ذلك الآن». وتضيف أنه في عام 2014 كان ثلث أطفال رومانيا المسجلين في نظام الدولة يقيمون في منازل سكنية تحتفظ بها الدولة.

يُعرف نصف هذه المنازل بـ«المنازل العائلية»، حيث يعيش خمسة أو ستة أطفال ويكبرون معًا. ويُعرف النصف الآخر بـ«مراكز التنسيب»، وهي المباني المؤسسية الأكبر التي عادة ما تضم ​​ما بين 30 و100 طفل.

كذلك يعيش بعض الأطفال في نظام «حضانة» مع آباء رومانيين بالتبني، يحصل فيه هؤلاء الآباء على راتب من الدولة، بدلًا من كونهم متطوعين، أو قد يوضع الأطفال مع عائلات ممتدة بتمويل من الدولة، التي تعهدت بإغلاق جميع المؤسسات المتبقية من حقبة الشيوعية خلال العقد المقبل.

ولدى سؤالها عما ستفعله عند إغلاق مؤسسة «أيون هولبان» التي قضت فيها مراهقتها، وعملت فيها مشرفة لاحقًا، قالت كلوديا إنها لن تشعر بالأسف حيال ذلك بسبب الذكريات المؤلمة التي تحيط بها.

وعلق ستيفان درابوس، المدير الإقليمي لمنظمة «هوب آند هومز فور تشلدرن»: «يجب غلق أية مؤسسة مثل «أيون هولبان»، إنها لا تقدم العائلة أو الحب. ولا تقدم للطفل أكثر ما يحتاجه، وهو أن ينتمي إلى عائلة، وأن يكون له أب وأم، وأن يشعر بأنه مميز».

دولي

منذ 10 شهور
هل تصبح رومانيا «وطنًا بلا مواطنين» بسبب صندوق النقد الدولي؟

مع ذلك يُخفي هذا التقدم أسبابًا أخرى لم تُعالج بعد.

كما هو الحال منذ زمن تشاوتشيسكو، فإن معظم هؤلاء الأطفال ليسوا أيتامًا، بل إنهم منفصلون عن آبائهم. وبالرغم من تحسن الأمور قليلًا منذ التسعينات، وانخفاض عدد الأطفال الرومانيين الذين انفصلوا عن آبائهم منذ ذلك الحين، إلا أنه ما يزال هناك من يتخلون عن أطفالهم، للسبب نفسه كما في العقود السابقة؛ الفقر. وما تزال معدلات الإجهاض في رومانيا مرتفعة أيضًا.

علاوة على ذلك، عانى  أغلب الأطفال الذين نشأوا في تلك المؤسسات من صدمات نفسية. وحتى بعد التبني واجه البعض مشكلات في تكوين علاقات مع آبائهم الجدد.

وفقًا لمبادئ نظرية «التعلق»، يحتاج الطفل لتطوير علاقة مع مقدم رعاية أولي واحد على الأقل للنمو الاجتماعي والعاطفي السوي، وتعلم تنظيم مشاعره. ولما كان حال أغلب تلك المؤسسات التكدس والإهمال، وضعف الخدمات المقدمة، واجه هؤلاء الأطفال صعوبات في تكوين ارتباط عاطفي بالآخرين. ووجد العلماء أيضًا أن كثيرًا منهم، كانوا بأدمغة أصغر حجمًا من الأطفال العاديين، ممن لم يمروا بظروفهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد