ما تكشف عنه التفاصيل القليلة حول العملية، تُفيد بأنّها كانت مُدبّرة، بداية من اسمها «سيدر»، يعني بالعربية «الأَرْز» الرمز الوطني لبنان

لم تكن «عملية سيدر»، التي نفذتها السلطات الأمنية الفرنسية، قبل نحو شهر، ضد أربعة لبنانيين متهمين بإدارة شبكة «غسيل أموال» لصالح منظمة «حزب الله» اللبناني؛ العملية الأولى التي تفتح أبواب الاتهام ضد حزب الله؛ بضلوعه في غسيل أموال تجارة المخدرات؛ فللتنظيم العسكري المتضخم تاريخ سيئ السمعة مع المخدرات وغسيل الأموال، بدأه مع بداية نشأته، دون أن يُنهيه ـ على ما يبدو ـ حتى الآن.

«كارت إرهاب» أم واقع مُكرر؟

هذه المرة لم يكن حزب الله وحده المحتمل تورطه في غسيل أموال تجارة مُخدرات؛ إذ تُشير أصابع الاتهام أيضًا إلى عائلة الحريري، خاصة رجلها الأول الآن، «سعد الحريري»، وأخوه «فهد».

تعود تفاصيل العملية، إلى نحو عام من الآن، إلا أنّ جذورها بعمر حزب الله، الذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية منظمة «إرهابية» منذ عام 1995، أي بعد تأسيسه بنحو 13 عامًا، استطاع خلالها أن يُثبّت قدمه على الساحة اللبنانية المتنازعة والقلقة، قبل أن يتوسّع في المنطقة بأكملها.

في أبريل (نيسان) الماضي، ألقت السلطات الأمنية الفرنسية المُختصة، القبضَ على أربعة لبنانيين، هم «أسامة فحص»، و«محمد نورالدين»، و«مازن الأثاث»، و«علي زبيب»، بتهمة إدارة شبكة غسيل أموال تمتد من «كولومبيا» بأمريكا اللاتينية، مرورًا بأوروبا، نهاية بلبنان.

بعد نحو أُسبوع أخلت السلطات الفرنسية سبيل أسامة فحص؛ بعد أن تبيّن لها عدم ثبوت أيّة تُهمٍ عليه، كما أنّه كان قد أُلقي القبض عليه مُفردًا، دون أي أحراز، فيما تُرجّح مصادر لصحيفة «النهار اللبنانية»، أنّ إلقاء القبض عليه من البداية كان بسبب تواصله مع الأشخاص الثلاثة الآخرين الموقوفين. في المُقابل أبقت على الثلاثة الآخرين قيد الاعتقال، مع احتمال، لم يُنفذ حتى الآن، أن يُرحّلوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ إن العملية مُشتركة بين «الوكالة الأمريكية الفيدرالية لمكافحة المخدرات» (DEA)، و«المكتب الفرنسي المركزي لمكافحة الجريمة» (OCRGDF)، وقد جرى التحقيق في تفاصيلها، والترتيب لها منذ أكثر من عام، بحسب صُحف فرنسية.

وتأتي عملية سيدر كأولى الخطوات العملية في جديد العلاقات بين حزب الله والولايات المتحدة الأمريكية؛ فبعد أن كانت الأخيرة تُصنف حزب الله «منظمةً إرهابية»، قررت اللجوء لاستراتيجية أُخرى للتضييق على الحزب، بضمه إلى قائمة «المنظمات الإجرامية»؛ بتهمة التجارة في المخدرات، والقيام بعمليات غسيل أموال لتجارات أخرى غير مشروعة.

ما تكشف عنه التفاصيل القليلة حول العملية، تُفيد بأنّها كانت مُدبّرة، بداية من اسمها «سيدر»، يعني بالعربية «الأَرْز» الرمز الوطني لبنان؛ إذ إنّ تسمية العملية، يعني التخطيط المحكم، المُسبق لها، وهو ما أفادت به صُحفٌ فرنسية وأمريكية، كشفت عن أنّ ملف القضية فُتح مع بداية عام 2015، وتولى مُتابعتها قاضٍ أمريكي، بالإضافة إلى ضلوع هيئات أمريكية حكومية في التحقيقات، أو بصيغة أُخرى، سبر أغوار علاقات حزب الله بشبكات غسيل الأموال الممتدة من أمريكا اللاتينية إلى لبنان. وبدايةً من فبراير (شباط) 2015، نقلت «DEA»، معلومات إلى السلطات الفرنسية، بشأن القضية، التي بدأ، على إثر تلك المعلومات، التنسيق بين الجهتين للتعامل معها.

تكشف التفاصيل أن عملية سيدر كان مُخطط لها بإحكام

هذا وتعمل «وزارة الخزانة الأمريكية»، و«وزارة العدل»، بالتنسيق مع جهات أوروبية حكومية، على تشديد الخناق على رجال الأعمال المرتبطين بحزب الله، وهو ما أكّد عليه «ماثيو ليفيت»، الباحث بمعهد واشنطن، ومُؤلف كتاب «البصمة العالمية لحزب الله اللبناني»، الذي قال في إحدى مقالاته المنشورة في الشهور الأولى من العام الجاري، إنّ «وزارة الخزانة الأمريكية، تستهدف، بوتيرة أسرع، أفرادًا وشركات، تسهل الطريق أمام الأفعال الجائرة الدولية لحزب الله».

يُمكن رُؤية ذلك جليًا، مع عملية تجميد أصول «أدهم طباجة»، صاحب شركة «مجموعة الإنماء» السياحية؛ بتهمة العمل لصالح حزب الله، وذلك في يونيو (حزيران) 2015. وفي يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، أوقفت السلطات الأمنية الأوروبية، نحو 15 شخصٍ عبر القارة، بتهم تتعلق بنفس القضية. وفي فبراير (شُباط) الماضي، ألقت الوكالة الأمريكية الفيدرالية لمكافحة المخدرات، القبض على من قالت إنّهم أعضاءٌ في حزب الله، متهمون بتجارة الكوكايين، في الولايات المتحدة الأمريكية ودولٍ أوروبية؛ بغرض شراء أسلحة؛ لدعم النظام السوري.

ثم أخيرًا جرى تنفيذ ما سُمّيت بعملية سيدر، التي طالت، من بين مَنْ طالت، «محمد نور الدين»، صاحب شركة «ترايد بوينت إنترناشونال»، التي يُحتمل ضلوعها في عملية غسل، ونقل أموال تجارة مُخدرات في أمريكا الجنوبية، وأن لحزب الله حصة في هذه العملية. في نفس الوقت، كانت السلطات الألمانية والإيطالية والبلجيكية على اطلاع بمجريات العملية، كما ألقي القبض أيضًا على أفرادٍ آخرين في تلك الدول، التي تُعد مُشاركةً في العملية، بالتنسيق مع فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

في المُقابل، ومع بداية وضع الولايات المتحدة، لحزب الله، على قوائم «المنظمات الإجرامية»، كان رد زعيم الحزب، «حسن نصر الله»، شديدًا في التأكيد على «كذب وتدليس» التهم، التي قال «إنّ إسرائيل أيضًا تقف وراءها». المؤيدون لحزب الله، يرون ـ بلا شك ـ أنّ تلك العملية، وغيرها مما سبق من اتهامات بتورط الحزب في تجارة المخدرات، وغيرها من أنواع التجارة غير المشروعة، إنّما هي بمثابة «كارت إرهاب»؛ في ظل الصراع طويل المدى بين الولايات المتحدة الأمريكية، والقوى الغربية عمومًا، وبين حزب الله، والتي ربما تصاعدت حدّته في الأعوام القليلة الماضية؛ على خلفية الحرب السورية.

عائلة الحريري مُتّهم مُحتمل

من جهة أخرى، ورد اسم عائلة الحريري في ملف القضية، ما يجعلها مُتهمّا مُحتملًا، بعد أن وردت أسماء بعض أفرادها، خاصة من يُعتبر زعيم العائلة، خلفًا لوالده، «سعد الحريري»، وكذا أخوه فهد الحريري؛ في ملفات القضية، على لسان بعض الموقوفين.

وبحسب ملفات القضية، فقد ورد اسم فهد الحريري، في قوائم اتصالات هاتفية، مع بعض أعضاء الشبكة، كما أنّ بعض المتهمين في القضية، المقبوض عليهم، اعترفوا بأنّ مبالغ مالية كبيرة، من بين النقود المغسولة، سُلّمت إلى محام لبنانيٍّ يعيش في العاصمة الفرنسية، باريس، يعمل لصالح سعد الحريري، الذي يُشار إلى أنّ المؤسسات التابعة له، ولأفراد عائلته، تمر بعجز مالي كبير، منذ أشهر، خاصة شركة «سعودي أوجيه» العقارية، التي وصل العجز فيها، إلى درجة عدم القدرة على صرف رواتب 56 ألف موظّف، منذ شهور.

التحقيقات تُفيد بأنّ المبلغ المالي الذي سُلّم لمحامي سعد الحريري في باريس، يبلغ حوالي سبعة ملايين يورو، يُحتمل أنها مُوجّهة تحديدًا للخروج من الأزمة المالية التي تمر بها إمبراطورية آل الحريري. وحتى الآن، لم تتوجه أي اتهامات رسمية، من قِبَل السلطات الفرنسية أو الأمريكية، لآل الحريري، فيما كان الرد من قبل سعد الحريري، عبر مكتبه الإعلامي، على ورود اسمه وأفرادٍ من عائلته في التحقيقات، بوصف ذلك، بأنّها «مزاعم مُفترضة، لا أساس لها».

ثمة احتمال أن يكون سعد الحريري مُتهمًا في قضية عملية سيدر

لكنها ليس المرة الأولى لحزب الله

مع توسعاته السياسية والعسكرية، يحتاج حزب الله إلى مصادر مال لا تنضب، وبالإضافة إلى علاقاته الاستراتيجية بقوى إقليمية، يبدو أنّه سعى جاهدًا منذ زمنٍ إلى تأسيس استثماراته الخاصة، التي تُشير وقائع كثيرة، إلى أنّ من بينها تجارة المُخدرات.

وبحسب بعض تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، التي رُفعت عنها السرية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، فإنّ «الزعيم الروحي لحزب الله (لم يُذكر اسمه) صرّح بأنّ تجارة المخدرات، مقبولةٌ أخلاقيًا؛ في حالة بيعها للزنادقة الغربيين؛ كجزءٍ من الحرب على أعداء الإسلام». وبالرغم من أنّه لا يُمكن التوثق من صحة ما ورد في هذه التقارير، إلا أنّ تاريخًا ليس بالقصير، يكشف عن تورط حزب الله في العديد من قضايا تجارة المخدرات، خاصة في أمريكا اللاتينية؛ حيث التواجد اللبناني المُكثف والفعّال.

من ذلك، ما حدث في يونيو (حزيران) 2008، بـ«الإكوادور»؛ حين ألقت السلطات الأمنية، القبض على لبناني كان يُدير مطعمًا في العاصمة «كويتّو»، يُدعى «راضي زعيتر»، بتهمة تزعمه شبكة تهريب مُخدرات، قالت السلطات الإكوادورية، إنّ 70% من أرباحها تذهب إلى حزب الله. ثُمّ في 2006 وضعت الولايات المتحدة الأمريكية، اللبناني «صبحي فيّاض» على قوائم الإرهاب، بتهمة التورط في تجارة المخدرات لصالح حزب الله، منذ 1995. وعلى هذا المنوال، تكررت الوقائع التي تُفيد اتهام حزب الله، بالتورط في تجارة المخدرات وغسيل أموالها.

في المُقابل، يُشدد حزب الله على نفي كل الاتهامات المُوجهة له في هذا الصدد، مع التأكيد على أنّ هذه الوقائع والاتهامات، مُدبّرة بليل، من قبل من يُناصب الحزبَ العداء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد