يلعب الإعلام وشركات صناعة النجوم دورًا رئيسيًا في تكريس صورة معينة للنجم كنموذج يحتذى بشكله في المجتمع، المفارقة أن هذه الصناعة تقوم أحيانًا على لمحات عنصرية بغض النظر عن كيفية ترسيخ صورة النجم أو النجمة، فرحلة البحث عن  المكسب  المادي والتلميع بخلق هذا النموذج جاءت أحيانًا على حساب آخرين في المجتمع، توجه تجاهها يومًا عنصرية فجة، نالت من السود والبدناء وقِصار القامة وغيرهم.

«يسرا اللوزي».. أرستقراطية الفن التي حمل «العبيد» ذيل فستانها

حدق الجمهور بنظره نحو خشبة عرض أزياء للمصمم العالمي، هاني البحيري، بأحد فنادق القاهرة قبل أيام، ترقبوا بشغف كبير فقرة ظهور فنانة مصرية ترتدي ثوب الزفاف الأغلى في العالم. قبل أن تظهر المصرية «يسرا اللوزي» – التي تقدمها السينما عادةً في دور الجميلة المنتمية لطبقة أرستقراطية، وخلفها شابان مفتولا العضلات أسودا اللون يحملان ذيل هذا الثوب، ظهر كلاهما مطأطئ الرأس وعاري الجزء الأعلى من الجسد.

يسرا اللوزي

يسرا اللوزي أثناء عرض الأزياء (المصدر: المصري اليوم).

 

في هذه اللحظة شُد انتباه جمهور العرض إلى قطع الماس التي رصع بها الثوب من أحد بيوت المجوهرات، فقد قدر ثمنها بـ5 ملايين دولار، لكن المشهد الأول الذي انتبه له المتابعون على شبكات التواصل الاجتماعي، حدث بعد انتهاء العرض، وانتشار صوره في وسائل الإعلام، إذ أثار المشهد العنصري لظهور الرجلين كأنهما «عبيد» مهمتهما حمل فستان «الملكة» عن الأرض غضبَ الكثير، ظهرت «اللوزي» لتكون نجمة الحفل، أو كما قال أحد المعلقين: «طالما في ملكة يبقى لازم يكون في عبيد».

هذه الضجة أجبرت «اللوزي» على الاعتذار عبر صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، فقالت: «أعتذر أنا يسرا اللوزي، عما أُخذ عليّ أثناء عرض الأزياء على أنه تصرف عنصري، ولذلك وجب علي الاعتذار، حيث إنني شاركت في هذا العرض ضيفةَ شرف، وما حدث لم يكن هو المخطط الأصلي».

 

وأضافت «اللوزي»: «تم هذا التغيير المفاجئ من قبل منظمي العرض مجرد ثوانٍ قبل صعودي المسرح، وكان من الواجب علي أن أرفضه، وللأسف لعب التوتر والارتباك دورهما بسبب ثقل الفستان وعدم تمكني من أخذ خطوة أثناء ارتدائه دون مساعدة»، فيما خرجت تبريرات «البحيري» مستفزة للبعض، فقد برر ظهور الشابين لثقل الفستان ووصول وزنه إلى نحو 100 كجم، وأبدى انزعاجه من «تركيز المتابعين على الجانب الذي يفسره البعض بسلبية بدلًا من الحديث عن نجاح العرض وإعجاب الضيوف بالتصاميم».

ولم يكتف البحيري بذلك، فبالرغم من ظهور الشابين يتقنان التحرك على المسرح لاستكمال المشهد، ويحدقان النظر في ذيل الفستان المرصع بالماس، ولا يلتفتان للحضور، أضاف البحيري أنه: «لم يكن يعرف أنهما أجانب واعتقد في البداية أنهما مصريان وكان يحدثهم بالعربية لكنهم لم يتفاعلوا معه، حيث طلبت منهم أن يضعوا ذيل الفستان على بداية المسرح والمغادرة، لكنه فوجِئ بهم يستمرون بالسير حتى نهاية المسرح».

«آسر ياسين».. التفخيم بوصفه نموذجًا أوحد للوسامة

«عايزني أبقي هيفا.. يبقى خليني قدامه شايفة.. مز فت طول بعرض.. زي الواد آسر ياسين»، بهذه الكلمات أبدت الدمية الشهيرة «أبلة فاهيتا» إعجابها بشخصية الممثل المصري آسر ياسين، حين خصصت أغنية مصورة له في برنامج «لايف من الدوبلكس» المذاع على شاشة (cbc).

https://www.youtube.com/watch?time_continue=4&v=n2Dfqd5pZyQ

ترسيخ هذه الصورة أتى على حساب السخرية من الرجل المصري البسيط الذي ظهر في نفس الأغنية كزوج تتذمر منه زوجته، أخذ «ياسين» بالرقص والظهور مفتول العضلات ترسيخًا لصورة واحدة للشاب المصري الوسيم، بينما كانت الزوجة المصرية تزيد من تذمرها من زوجها البدين الذي يقوم بعاداته الطبيعية، كان صوت «أبلة فاهيتا» ولأكثر من دقيقتين يخرج بكلمات عنصرية ضد هذا المصري البسيط، وتحول هدف السخرية من الأزواج الذين يطالبون نساءهم بالاهتمام بمظهرهن، بينما هم لا يهتمون بمظهرهم، لسخرية من الرجل البدين مقابل تفخيم شكل «ياسين» نموذجًا للرجل المثالي الثابت للوسامة.

يسرا اللوزي

«أبلة فاهيتا» مع آسر ياسين (المصدر: موقع في الفن).

يقول المحاضر بجامعة نورثويسترن، منير وانعيمي، عن طريقة تشكيل وعي الناس إنه: «حين يعجز عقلنا عن خلق تصور ذهني لفكرة ما، فإننا نقوم باستحداث مخططات ذهنية لها، بناءً على مخططاتٍ أخرى موجودة مسبقًا»، ويضيف «وانعيمي»، في محاضرته عبر الإنترنت «خيارات لسانية لمحترفي الإعلام»، أن: «بإمكاننا توسيع فهمنا للعالم وتشكيل معارف جديدة انطلاقًا من توليدنا لبناءات ذهنية جديدة مركبة ومعقدة، ولكن في الآن نفسه، يمكن لهذه العملية التوليدية المستمرة أن ترسي مفاهيم خاطئة، تصبح منتشرةً ضمن نسيج معرفتنا ونظرتنا للعالم».

«علا فارس».. حين طُعن قلبها ابتاعت العاملات من «سوق النخاسة»

«شو رأيكم أنا قلبي مش عارف يختار شي اليوم مطعون قلبي.. أنسوا الأناقة بشتغل عليها»، هذا المنشور الذي كتبته الإعلامية الأردنية «علا فارس» في مارس (آذار) الماضي، أُلحق بصور لأكثر من عشر خادمات ذهبت «فارس» من أجل اختيار إحداهن للعمل في منزلها حسب ما قالت عبر حسابها بـ«سناب شات»، وهو ما اعتبره الجمهور المتابع عنصرية ظهرت فيها وكأنها تتبضع العاملات في سوق نخاسة، وكذلك نشرها صورةً لإحدى العاملات ساخرة من ملابسها، إذ اعتُبر نشر الصور انتهاكًا لخصوصّية العاملات، وسخرية من ملابسهنّ، حين كتبت «انسوا الأناقة بشتغل عليها».

يسرا اللوزي

الصورة التي نشرتها «فارس» على حساب «سناب شات».

اعتذرت «فارس» تحت وطأة غضب المتابعين لها، ومطالبتهم لمجموعة MBC بالاستغناء عنها لكن اعتذارها جاء «متعاليًا وينم عن رياء» كما اعتبر البعض، فقد اعتذرت في جملة، ثم أخذت تلوم منتقديها، فقالت: «مصادرة عفوية الآخرين والدخول في نواياهم أمر مقزز! وتفسير أفعالهم بالهوى مرض قبيح! الاحترام للجميع مهما اختلف اللون أو الجنس أو الدين».

 

يسرا اللوزي

علا فارس (المصدر: ملحق جيل في جريدة العربي الجديد).

لم تكن تلك هي الزلّة العنصرية الأولى لـ«فارس»، فقد سبق وأن كتبت في العام 2012 تغريدة عنصرية ضد الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، فكتبت: «سؤال محيّرني، ليه أغلب الناشطات بحقوق المرأة قبيحات؟ أكيد الشكل مش كل شيء، بس أحيانًا لا مضمون ولا شكل»، الأمر الذي وصل إلى حد مطالبة ناشطات حقوق المرأة بطرد «فارس» من القناة «كونها تختصر نموذجًا عنصريًا يعاني منه المجتمع العربي».

الإعلانات ورسائل التفرقة العنصرية ضد السود والبدناء

بنظر البعض، فقد حولت السينما والدراما المصرية البدناء وقِصار القامة وأصحاب البشرة السمراء إلى مادة للسخرية، ورسخت عنهم صورًا نمطية تلقى قبولًا لتعبيرات جارحة تنال من تلك النماذج.

 

لم تكتف السينما بذلك، بل حرمت هؤلاء من أن يكونوا أيقونة مجتمعية مشهورة في تفرقة عنصرية وتميز شرس نال منهم في المحيط المجتمعي وأماكن العمل، ولذلك لم يكن قرار منع التلفزيون المصري للمذيعات البدينات من الظهور على الشاشة إلى حين إنقاص وزنهن مستغربًا، وكذلك خروج سلسلة من الإعلانات استكملت مسلسل العنصرية من نماذج لا تشبه نجوم السينما والإعلام، فقد شهد أكتوبر (تشرين الأول) 2016، بث إعلان يشبه المرأة السمينة بثمرة الكمثرى، لتظهر صورة لثمرة مكتوب تحتها «شكل لا يليق بجسد فتاة»، وهي إساءة عنصرية بالغة وتميز ضد السيدات البدينات، دفعت سلسلة «جولدز جيم» الرياضية في مصر لإنهاء اتفاقيتها مع المقر المصري المسئول عن الإعلان، وجاء في البيان الذي نشر على الصفحة الرسمية للقاعة الرياضية الأمريكية: «الكلمات لا يمكنها وصف الصدمة التي تلقيناها من الإعلان المنشور على صفحة Gold’s Gym في دريم لاند… إنها ليست فقط عدوانية مقرفة، بل إنها تأتي ضد كل ما نؤمن به».

https://www.youtube.com/watch?v=2a9_hw2pyMc

 

ولا يقتصر الأمر على مصر، إذ تشهد البيئة الخليجية مظاهر عنصرية يرسخها النجوم أيضًا، فتكرر التهكّم من البشرة السوداء، حيث خاطبت الفنانة الكويتية «هيا الشعيبي» في برنامج «عالسيف» مقدم البرنامج «فيصل العجمي» بالقول: «بدلتك زرقاء وأنت أسمر وأسنانك بيضاء، إذن فأنت أوريو (صنف من البسكويت)، في سخرية واضحة من لون بشرته، كما اشتهرت حادثة السخرية من الممثلة «نوال الماس» في برنامج «لقيمات»، إذ اقتبس مقدم البرنامج اليوتيوبي؛ عبد المجيد الكناني مشاهد تمثيلية من مسلسل «وجوه محرمة» تظهر فيها صورة الممثلة بينما هو يعقب بالقول: «هل تنقصك الظلمة كي تجسّدي دورك في مكان مظلم».

وقالت «الماس» التي رفعت قضية ضد المقدم إن الطريقة كانت «مهينة ومؤذية، وإساءته لي تُعد عنصرية وتستوجب العقوبة وإغلاق القناة التي وضعها ليسيء للجميع ويحسب أنه يستطيع أن يتاجر بمشاعر الناس لزيادة عدد المعلنين والمشاهدين في قناة يوتيوب مجهولة».

يسرا اللوزي

صحفية تنظر إلى تفاعل المغردين بتويتر مع الإعلان العنصري لشركة  دوف (المصدر: أ ف ب).

وأثار مؤخرًا إعلان شركة تايلاندية لمنتج تجميلي موجة غضب بسبب رسالته العنصرية، إذ حمل الإعلان رسالة تقول إن «البشرة البيضاء هي مفتاح نجاح المرأة»، وظهر في إعلان شركة «سيول سيكريت» ممثلة معروفة ببشرتها الداكنة تنظر إلى عارضة أخرى فاتحة اللون قبل أن تستخدم الحبوب المبيضة.

كما ظهر على نفس المنوال إعلان لشركة «دوف» العالمية يظهر في ثلاث صور (GIF)، امرأة داكنة البشرة تستخدم منتجًا لشركة ثم تخلع قميصها لتكشف عن امرأة بيضاء، وقال أحد المعلقين على الإعلان: «الرسالة التي نقلت إليّ هي أن المرأة السوداء قذرة، وبمجرد استخدام صابون دوف، تصبح نظيفة وبيضاء»، ويرى رئيس جمعية «إس. أو.إس راسيزم» المناهضة العنصرية، دومينيك سوبو إن: «هذا الإعلان لا يمكن أن يكون إلا عنصريًا، فهذه العلامة التجارية اعتبرت ومنذ فترة طويلة البشرة السوداء شيئًا غير عادي، ومثل هذه الشركات لا تعود للماضي وتعتبر منه».

المصادر

تحميل المزيد