يجعل الحب الإنسان مفتونًا بمن يحب، وقد يصل بالبعض إلى الهوس والجنون فلا يتخيل حياته من غير الشيء الذي يحبه أو الشخص الذي يعشقه. لكن الحياة دائمًا تعطي الوجه الآخر للشيء، فقد يدفع الحب بعض الأشخاص إلى قتل من يحبون ومن كانوا يومًا ما مثار إعجاب وتقدير منهم، ولقد شهد التاريخ العديد من هذه الوقائع الغريبة لأشخاص قُتلوا على أيدي محبيهم ومعجبيهم. هذا التقرير يستعرض بعض أبرز هذه الحالات.

1. جيسي جيمز: عن المعايير المزدوجة لإنسانيتنا

حين قُتل وولتر وايت الشخصية الشهيرة في مسلسل «بريكنج باد»، تعاطف الناس معه، للحد الذي بلغ بهم أن أقاموا له جنازة رمزية بعد انتهاء المسلسل، نوعًا من التكريم. لم يكن الأمر طبيعيًّا، أن يتعاطف الناس مع قاتل وتاجر مخدرات ومسؤول عن إزهاق أرواح الكثير من الأبرياء وغير الأبرياء، لكن حينها كان يمكن تفسير الأمر أن هذه دراما، وأن كل الأحداث تبدو محض سياق درامي يتلاعب فيه المخرج والمؤلف بالعقول؛ فيجعلها تتعاطف مع من يشاء وتقسو على من يشاء، لكن أن يتحول هذا السيناريو إلى حقيقة، فلربما هذا الأمر يكشف الكثير من إنسانيتنا.

لم تكن الولايات المتحدة لتتعافى بعد من آثار الحرب الأهلية التي دمرت الكثير من مناطقها في منتصف القرن التاسع عشر،  حتى ذاع صيت عصابة جيسي جيمس، المجرم وسارق البنوك والقطارات، الذي أسس عصابته الخاصة التي لم يكن من السهولة بمكان الانضمام إليها أو اختراقها.


جيسي جيمس

وُلد جيسي في ولاية ميزوري الأمريكية عام 1847، واشترك بشكل غير رسمي في الحرب الأهلية مع عصابة تُدعى «بلودي بيل أندرسون» مقاتلًا معهم ضد أخيه فرانك جيمس الذي كان منضمًّا لفرقة العقيد «كوانتريل». وضعت الحرب أوزارها عام 1865 ليتحول جيسي إلى خارج عن القانون، ويؤسس عصابته الخاصة عام 1865 تحت اسم عصابة «جيمس»، والتي كان دورها سرقة البنوك والقطارات، والهجوم على عربات البريد، إضافة إلى عمليات قتل وسطو.

كان جيسي شديد الذكاء والحرص، فلم يكن ينضم لعصابته سوى من يدينون تمامًا له بالولاء. وعندما يشك في أمر أحدهم يقتله على الفور. حتى تصاعدت حدة العمليات التي يقوم بها فأعلن حاكم ميزوري عام 1881 مكافأة تبلغ 5 آلاف دولار لمن يقبض عليه حيًّا أو ميتًا.

إلى هنا تبدو الأمور كلها واضحة، رجل عصابات وقاتل ولص، احترف الإجرام طيلة حياته في مواجهة السلطات، لكن ما حدث بعد ذلك غيّر كل الموازين. لم يكن الشاب الصغير البالغ من العمر 18 عامًا، روبرت فورد، على علم بأنه سيصبح واحدًا من أشهر «الخائنين» في التاريخ الأمريكي، حين انضم إلى عصابة جيسي جيمس في ولاية ميزوري بالولايات المتحدة عام 1880.

كان روبرت أو بوب كما يحب أن يناديه جيسي،  شديد الإعجاب بالأخير لدرجة أنه انضم إلى عصابته وهو ابن 18 عامًا فقط، قبلها كان أخواه الاثنان منضمين للعصابة. اشترك روبرت وإخوته مع جيسي في العديد من أعمال السرقة، كان أشهرها سرقة القطار الأزرق في مقاطعة جاكسون عام 1881.


روبرت فورد

حين رُصدت مكافأة القبض على جيسي حيًّا أو ميتًا، كان جيسي يعيش مع زوجته تحت اسم مستعار في سانتي جوزيف، ولم يكن يأمن أحدًا على حياته سوى روبرت فورد. تناول جيسي وزوجته وروبرت أيضًا الإفطار معًا في المنزل الصغير، وبينما كان جيسي وروبرت في الطريق للمغادرة، لمح جيسي على المائدة خبرًا في الجريدة الملقاة عليها أن أحد أفراد عصابته قد خانه واعترف عليه.

بدأ الشك يزداد في نفس جيسي وتبادل نظرات حذرة مع روبرت الذي بدا شديد الوداعة، لم يتكلم جيسي مع روبرت عن هذه الواقعة ومضى يروح ويجيء في غرفة المعيشة،  بعد أن وضع كافة  أسلحته على المائدة، وبينما هو كذلك لمح صورة معلقة على الحائط وعليها غبار فجلب مقعدًا وصعد عليه لينظفها، وبينما يفعل ذلك سحب روبرت مسدسه من جيبه وأطلق رصاصتين على جيسي من الخلف، لأجل أن يحصل على المكافأة المعلنة، لتنتهي حياة جيسي على الفور.

تعاطف كثير من الناس مع جيسي، وعدُّوا روبرت خائنًا وجبانًا، على الرغم من كل ما فعله جيسي. انتهت حياة جيسي على يد واحد من أكثر من أحبوه وأعجبوا به، هذه المرة لأجل المال، الشيء الوحيد الذي عاش جيسي من أجله.

2. أندرياس أسكوبار: ما لأجل هذا عشقنا الكرة

لا يمكن لأحد إنكار ما تعنيه كرة القدم للبسطاء والعاشقين المتيمين بها، اللعبة الشعبية الأولى في العالم تُولِّد شغفًا وحبًا وحماسة منقطعة النظير عند رؤية فريقك المفضل أو لاعبك الملهم. ذلك الشغف الذي جعل الجماهير الكولومبية تتابع بحماسة تأهل فريقها المستحق لكأس العالم 1994 في أمريكا بعد عبوره من مجموعة صعبة ضمت الأرجنتين، والباراجواي، وبيرو.


أندرياس أسكوبار مدافع المنتخب الكولومبي. مصدر الصورة: (the sun)

بدأ المونديال وراهن الكثير من المشجعين على منتخب كولومبيا، الذي وقع في المجموعة الأولى رفقة أمريكا، وسويسرا، ورومانيا. لم تكن الجماهير العادية وحدها من راهنت على منتخب «القهوجية» كما يطلق عليه، بل كذلك راهن عليه كبار بارونات المخدرات في البلد الذي عُرف بصراعاته الكثيرة مع تجّار المخدرات الذين كونوا ثروات طائلة منها.

في المباراة الثانية أمام أمريكا لم يكن اللاعب أندرياس أسكوبار يتصور أن خطأ واحدًا في تلك المباراة سيكلفه حياته؛ لكن هذا ما حدث بالفعل. عرضية من لاعب منتخب أمريكا من الجهة اليسرى في الدقيقة 35، أخطأ أسكوبار المدافع في تشتيتها لتسقر في الشباك. خسرت كولومبيا المباراة بهدفين لهدف، لتتبخر آمالها بالصعود إلى الدور الثاني، وتخيب آمال المشجعين العريضة التي كانت معلقة عليها.

بعد نحو أسبوع من التواري وعدم الظهور من قبل اللاعبين وبعثة المنتخب، ظهر أندرياس أسكوبار في إحدى الحانات بكولومبيا، وبينما كان يعتذر للجميع عن الهدف أطلق ثلاثة رجال ست طلقات نارية عليه، فأردت صاحب السابعة وعشرين عامًا قتيلًا على الفور. ليسقط مضرجًا في دمائه نتيجة خطأ غير مقصود ارتكبه في الملعب، ليسجل يوم 2 يوليو (تموز) عام 1994 واحدة من أسوأ الحوادث في تاريخ كرة القدم.

رياضة

منذ سنة واحدة
من قمة كرة القدم إلى أوكار العصابات.. لماذا انهارت «أسطورة» أدريانو سريعًا؟

3. جون لينون: الأسوأ من القتل أنه لأجل لا شيء

برغم بشاعة جريمة القتل وإزهاق الأرواح، فإن هناك العديد من الدوافع التي تقف خلفها، مثل القتل في الحروب، والقتل بدافع السرقة، أو القتل دفاعًا عن النفس وغير ذلك من الدوافع النفسية والمادية، لكن أن يكون القتل وإزهاق الروح لأجل لا شيء فهذا أسوأ أنواع القتل بلا شك.

كانت تلك الليلة الباردة من يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) عام 1880 تمضي في هدوء وسلاسة كما رُتب لها من قبل المغني الإنجليزي الشهير جون لينون، مؤسس فرقة «البيتلز»، إحدى أبرز الفرق الموسيقية في القرن العشرين.


جون لينون وزوجته يوكا أونو

أثار انفصال جون لينون عن «البيتلز» والبدء في إنتاج أغاني وألبومات خاصة به استياء العديد من الجماهير، نظرًا إلى ما تمثله «البيتلز» بالنسبة إليهم من مكانة. فلقد كانت أكبر من كونها فرقة موسيقية، بل صار البعض مهووسًا بها وبكافة أغانيها، وكان من هؤلاء البعض الشاب الأمريكي الذي يعمل حارسًا خاصًا مارك دافيد شابمان. فقد أحب شابمان «البيتلز» وأغرم بها، وكان عاشقًا لمؤسسها وأبرز مغنييها جون لينون، الذي انتقل للعيش في أمريكا حيث يسكن شابمان.

بالعودة إلى ليلة 8 ديسمبر، انتظر شابمان لينون في الخامسة مساءً؛ لكي يحصل على توقيعه الشخصي (أوتوجراف). وعندما نزل لينون من الشقة التي كان يسكن بها في نيويورك برفقة زوجته يوكو أونو، سارع إليه شابمان وطلب منه التوقيع فابتسم له ووقع له بالفعل على ألبومه.


لينون قبل ساعات من موته وهو يوقع الأوتوجراف لديفيد شابمان الذي يظهر في الصورة. مصدر الصورة: (guioteca)

مضى لينون في طريقه مع زوجته لتوقيع وتسجيل إحدى ألبوماته الجديدة، وعندما عاد مساءً في تمام الحادية عشرة إلا عشر دقائق، وبعد أن نزل من سيارته متوجهًا هو وأونو إلى عمارة «داكوتا» حيث كان يسكن، في الطريق إلى مدخل العمارة وقف خلفه دافيد شابمان وهو يمسك بمسدسه ويصوبه إلى ظهره ليطلق خمس رصاصات اخترق أربعة منها جسد لينون بمواضع قاتلة، بجوار الرئتين وأصاب بعضها شرايينه الرئيسية؛ ما جعله ينزف بشدة من فمه ومن جسده.

سارع كل من حول لينون لإنقاذه؛ أونو زوجته، وحارس العقار، وسائق تاكسي كان يمر مصادفة بالطريق، أما القاتل شابمان فلم يحرك ساكنًا، وألقى مسدسه على الأرض، ووقف بكل هدوء إلى أن جاءت الشرطة وقبضت عليه دون أي مقاومة منه.


المبنى الذي قُتل لينون أمام مدخله

لاحقًا نُقل لينون إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة سريعًا نظرًا إلى المواضع القاتلة التي أصابتها الرصاصات الأربعة في جسده، أما شابمان فقد اعترف بقتل لينون، وبأنه غير مصاب بأي مرض نفسي.

لا يمكن الجزم بسبب القتل حتى الآن، فتارة يصرح شابمان أنه فعل ذلك لأجل الشهرة، وتارة بسبب غضبه من أسلوب حياة لينون وبسبب تصريحه الشهير أن «البيتلز أشهر من المسيح».

وبعد أن حكم عليه بالسجن مدى الحياة، صرح شابمان العام الماضي أنه نادم بشدة على فعلته تلك، وأن التاريخ دائمًا سيذكر تلك الحادثة حتى بعد 100 عام. مضيفًا أن لينون كان أسطورة بالنسبة له، وأنه فكر مرارًا في التراجع لكن الفكرة كانت مسيطرة تمامًا عليه، لينضم بفعلته تلك إلى قائمة من دفعهم الحب والهوس إلى قتل من يحبون، ومن كانوا يومًا ما مثار إعجابهم وسببًا في سعادتهم.

مجتمع

منذ سنة واحدة
منهم جورج ويا.. لماذا ترك هؤلاء المشاهير الإسلام؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد