دائمًا ما نشاهد في التلفاز أو نقرأ في الصحف أو على مواقع التواصل الاجتماعي عن الانتهاكات التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين الأحياء، حتى أصبحت هذه المشاهد بالنسبة لنا شيئًا عاديًّا، ولأن إسرائيل لم تجد من يفرض عليها عقوبات دولية ضد ما تفعلها مع الفلسطينيين الأحياء، لا تزال مستمرة في انتهاكاتها ضد الفلسطينيين، ولكن هذه المرة مع الأموات منهم عن طريق الدفن في «مقابرالأرقام» مقابر تفتقد لكل المعايير الصالحة للدفن، وقد أنشأت إسرائيل هذه المقابر منذ عام 1948 كعقاب للشهداء الذين قاموا بتنفيذ عمليات استشهادية من أجل مقاومة الاحتلال، وما زالت تحتفظ إسرائيل بالعديد من جثث الشهداء في هذه المقابر منذ احتلال فلسطين حتى الآن. في هذا التقريرعرض لقصة مقابرالأرقام ومعرفة الأسباب وراء احتفاظ إسرائيل بجثث الشهداء.

1- ما هي قصة مقابرالأرقام؟

هي عبارة عن مقابر سرية تستخدمها إسرائيل من أجل دفن جثث الشهداء من الفلسطينيين، الذين استشهدوا أثناء مقاومتهم للاحتلال الصهيوني، وأنشأت هذه المقابر بعد احتلال إسرائيل لفلسطين في نكبة 1948، والتي شهدت أول عملية دفن جماعي للذين قتلوا في هذه الحرب. وقد تمت عملية الدفن بطريقة عشوائية، وسُميت مقابر الأرقام بهذا الاسم، لأن كل قبر يحمل رقمًا مسجلاً (يكون بديلًا للأسماء) على لوحة من الصفيح، وتقول إسرائيل أن هذه الأرقام هي أرقام لملفات الضحايا التي تحتفظ بها الجهات الأمنية الإسرائيلية، وليست لرقمهم التسلسلي وفقًا لتاريخ قتلهم ودفنهم.

2- ما هو عدد «مقابرالأرقام» المكتشفة حتى الآن؟

لايعرف حتى الآن عدد لمقابر الأرقام، لكن المقابر التي تم اكتشافها ومعروفة هي أربع مقابرأرقام فقط.

1. مقبرة الأرقام المجاورة لجسر “بنات يعقوب”:

وهذه المقبرة تقع بجوار معسكر “عميعاد” العسكري عند ملتقى حدود فلسطين وسوريا ولبنان، وتعد أكبر المقابر حجمًا حيث تضم (500) قبرًا يوجد فيه شهداء فلسطينيون ولبنانيون أغلبهم سقطوا في حرب 1982 وبعد ذلك. ولا يوجد أي أشياء تدل على نوع هوية المدفونين هناك سوى أرقام مكتوبة على لوحات صفيح محيت بمرور الزمان.

2. مقبرة الأرقام “مقبرة ضحايا العدو”:

وتقع هذه المقبرة بين مدينة أريحا وجسر آدم في غور الأردن محاطة بجدار، يوجد فيه بوابة حديدية موجود فوقها لافتة كبيرة مكتوبة عليها “مقبرة لضحايا العدو”، ويوجد بها أكثر من 100 قبر، وتحمل هذه القبور أرقامًا من (5003 – 5107)، “لكن لايعرف سبب كتابة هذه الأرقام هل هي أرقام تسلسلية لقبور في مقابر أخرى؟ أم هي مجرد رموز لا توضح العدد الحقيقي للجثث الموجودة في هذه المقابر الأخرى”.

3. مقبرة ريفيديم:

لا توجد عنها معلومات غير أنها تقع في غورالأردن.

4. مقبرة شحيطة:

تقع هذه المقبرة في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا بين جبل أربيل وبحيرة طبريا، وأغلب الشهداء في هذه المقبرة شهداء معارك منطقة الأغوار بين عامي 1965-1975، ويوجد في الجهة الجهة الشمالية من هذه المقبرة حوالي 30 من الأضرحة في صفين طويلين، ويوجد في وسطها تقريبًا 20 ضريحًا.

3- كيف تبدو حالة مقابر الأرقام

مقابرالأرقام


مقابرالأرقام مقابر تفتقد لكل معايير الدفن التي تنص عليها القوانين والشرائع، هذا كما جاء في تقريرأعده الدكتور يهوذا هس الرئيس السابق لمعهد “أبو كبير” للطب الشرعي في إسرائيل “بأن مقابر الأرقام تقع جميعها في مناطق عسكرية مغلقة، ويتم دفن الشهداء في قبور لايزيد عمق القبر فيها عن 50 سم، والقبور فيها متلاصقة، وقد انكشفت هذه القبور بفعل العوامل الطبيعية من مياه الأمطار والرياح وانجرافات التربة، مما أدى إلى اختلاط عظام الشهداء بعضها ببعض”. بالإضافة إلى أن دفن الجثث لايكون في اتجاه واحد، بجانب أن اللافتات الموجودة على القبور ليست ثابتة.

وفي تحقيق قامت به صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن الانتهاكات التي تحدث في مقابرالأرقام على سبيل المثال: وجود كلاب برية تلتهم أشلاء جثث نبشتها، هذا بالإضافة إلى عدم دفن الجثث بطريقة جيدة حيث يتم دفنها بشكل جزئي أو في أكياس بلاسيتك من الممكن رؤيتها بسهولة، ولم تكتفِ الانتهاكات عند هذا الحد في مقابر الأرقام، بل وصلت إلى اختفاء الجثث في هذه المقابر ولعل من أبرز هذه الجثث هي اختفاء جثة الشهيدة دلال المغربي، وحدث هذا أثناء نقل رفات الشهداء من هذه المقابر في أثناء عملية تبادل جثث الشهداء بين الاحتلال وحزب الله اللبناني، وهذا ما أكد عليه الأطباء بأن كل الجثث الموجودة التي تم نقلها من القبر الجماعي الذي دفنت فيه دلال المغربي مع أفراد مجموعتها بأن كل الجثث رجال.

وعلي الرغم من كل الأدلة التي تؤكد على إن إسرائيل ترتكب جريمة في حق الشهداء الفلسطينيين عن طريق مقابر الأرقام، لكنها في نفس الوقت تنكر ذلك، وتؤكد أنها تتعامل مع جثث الشهداء بطريقة جيدة؛ حيث تقوم بنقل كل هذه الجثث إلى معهد التشريح، وتقوم بأخذ عينات دم من كل جثة، وتقوم بإنشاء بطاقة يسجل فيها كل التفاصيل الخاصة بالشهيد يتم حفظها في”وزارة جيش الاحتلال”، ثم يتم تصوير الجثة بعد ذلك، ويتم لفها في بطانية ثم تدفن الجثث منفردة في صناديق خشبية هذا بالإضافة إلى دفن أرقام يتم تعريفها بهم على شكل قطع حديدية داخل زجاجة وبالطبع كل هذا الكلام ليس له أساس من الصحة.

4- هل حدثت صفقات من أجل استرداد جثث الشهداء الفلسطينيين؟


منذ عام 1996 وحتى عام 2008 حدثت أربع صفقات من أجل تبادل أسرى وجثث الشهداء بين الاحتلال وحزب الله اللبناني، ولعل أبرز هذه الصفقات الصفقة التي تمت في عام 2008، ونتج عنها تسليم تقريبًا (100 جثة)، وعام 2004، ونتج عنها تسليم (60 جثة)، ثم حدث بعد ذلك حملات للإفراج عن الجثث في أعوام 2010 و2011، بقرار قضائي حصل عليه الفلسطينيون، ثم الإفراج عن (91جثة)، “كبادرة حسن نيّة”؛ من أجل استنئاف الاحتلال للمفاوضات مع السّلطة الفلسطينية في عام 2012. وفي نهاية يوليو 2013 كانت هناك مبادرة للإفراج عن جثامين 36 شهيدًا، والتي تمت تحت رعاية جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، لكن الجانب الفلسطيني رفض استلام بعض جثث الشهداء بسبب عدم معرفة هوية هؤلاء الأشخاص، وفي 2014 حدث أيضًا تسليم لبعض جثث بعض الشهداء لعل أشهرهم الشهيد مجدي خنفر، وفي 2015 حدثت أيضًا عمليات متفرقة لتسليم جثث الشهداء، وبعد حدوث الانتفاضة الفلسطينيية الثالثة منذ أكتوبر حتى الآن تتحفظ إسرائيل على جثث شهداء فلسطينيين وترفض تسليمهم.

وفي تصريح “لسالم خلة منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثث الشهداء والمفقودين” صرح بأن هناك (242) من جثث الشهداء من الفلسطينيين والعرب موجودون حتى الآن في مقابرالأرقام، وعلى الرغم من تصريح خلة، بأن هذا العدد فقط الموجود من جثث الشهداء والمفقودين ما زال موجودًا في مقابر الأرقام.

لكن هناك إحصائيات تشير إلى أن عدد الشهداء الموجودين في مقابر الأرقام أكثر من ذلك، وتقريبًا تتراوح الأعداد ما بين (200-600)، وفي الوقت نفسه تؤكد مصادرأخرى بأن العدد الموجود في مقابرالأرقام أكثر من ذلك بكثير، لكن الاحتلال ينكر ذلك ويقول أن عدد الجثث الموجودة (119) جثة فقط.

5- ما الأسباب وراء وضع جثث الشهداء الفلسطينيين في هذه المقابر؟

1. سرقة الأعضاء من جثامين الشهداء الفلسطينيين بعد الموت

في تحقيق نشرته صحيفة “أفتون بلاديت” السويدية للصحفي “دونالد بوستروم” في عام 2009 ذكر فيه بأن إسرائيل تقوم بسرقة أعضاء الفلسطينيين الشهداء، وذكر ذلك من خلال جثة الشهيد بلال غانم، حيث لاحظ بعد استلام عائلته للجثة وجود فتح كبير من الرقبة حتى أسفل البطن، بالإضافة إلى ذكر بعض العائلات الفلسطينيية بأنها كانت تجد نفس الفتح السابق في أجساد أبنائها الذين استشهدوا خلال انتفاضة الحجارة الأولى بعد أن استولى الجيش الإسرائيلي عليهم قبل تسليمهم، بالإضافة إلى اعتراف الدكتور يهوذا هس الرئيس السابق لمعهد “أبو كبير” للطب الشرعي في إسرائيل أكد فيه بأنه كان يسرق أعضاء من الفلسطينيين الشهداء خلال عمليات التشريح التي كانت تحدث لهم والاستيلاء على القرنيات وغيرها من الأعضاء ونقلها إلى الجنود الإسرائيليين المصابين.

في تحقيق صحفي أذاعته القناة العاشرة الإسرائيلية صرحت فيه “مديرة بنك الجلد الإسرائيلي” بأن إسرائيل تمتلك 170 مترًا مربعًا من الجلد مما يجعلها تمتلك أكبر بنك للجلد في العالم، ومن أين يحصلون على هذا الجلد؟ في الأغلب من الفلسطينيين الشهداء، وبعض العمال الأجانب والمهاجرين وفي هذا الفيديو توضيح لذلك.


2. خوف إسرائيل من التعرض للمحاكمة لارتكابها جرائم حرب في حق الفلسطينيين

إسرائيل مازالت تحتفظ بالعديد من جثث الشهداء في مقابر الأرقام، من أجل إخفاء الجرائم التي ترتكبها بحق الشهداء الفلسطينيين، وحتى لا تتعرض إسرائيل لعقوبات دولية نتيجة لارتكابها جرائم حرب في حق الفلسطينيين.

3. ورقة لتبادل الأسرى وعقاب لأهالي الشهداء

إسرائيل تحتجز الشهداء في مقابر الأرقام، من أجل استخدامها كورقة مساومة في المستقبل من أجل تبادل الأسرى بين المقاومة في فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى عقاب أهالي الشهداء وحرمانهم من أبنائهم في حق دفنهم وفقًا للشريعة، وكعقاب للفلسطينيين من أجل منعهم من القيام بأي عمليات استشهداية بعد ذلك.

بعد عرض قصة مقابر الأرقام يتضح أن هدف الكيان الصهيوني منذ احتلال فلسطين 1948، أن يجعل الإنسان الفلسطيني شخصًا بلا هوية وأن يصبح مجرد رقم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد