يرى المحاضر في سياسات الشرق الأوسط المعاصر في جامعة كامبريدج د. خالد الحروب أن التجربة الواقعية تشير إلى أن الحكومات الاستبدادية كانت متحفظة على إجراء التعداد السكاني رغم أنه ضرورة تنموية تعتمد عليها كل عمليات التنمية في أي مجتمع، وذلك لأن أي إحصاء على المستوى الوطني سوف يظهر الحقائق الديموغرافية بشكل واضح أو «تحت الشمس» كما يقال، ومن هذه الحقائق سيطرة أو غلبة فئة معينة لا تريد الحكومة ظهورها.

حسب التوصيات الدولية، وبخاصة توصيات اللجنة الإحصائية في الأمم المتحدة، يُعد الإحصاء أو التعداد السكاني استحقاقًا قانونيًّا للدولة ونوعًا من أنواع سيادتها، ويفترض على جهاز الإحصاء المركزي لأي دولة، أن يقوم بالتعداد كل عشر سنوات أو خمس حسب ظروف الدولة.

لكن، رغم أهمية التعداد السكاني في معرفة حقيقة الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلا أن بعض الحكومات قد تتعمد تعطيل هذا التعداد لدوافع سياسية محضة، وخير مثال على ذلك التجربة الكندية التي عطلت فيها حكومة المحافظين برئاسة ستيفين جوزيف هاربر، الذي شغل منصب رئيس الوزراء منذ عام 2006 وحتى 2015، التعداد السكاني الكندي، وأخذت تتحدث عن ارتفاع معدل الجريمة في المدن الكندية، ومدى الحاجة لبناء سجون جديدة لاستيعاب الجُناة، مع تشديد العقوبات.

تمسكت الحكومة أيضًا بسردية تقول إن اللاجئين استُقبلوا على حساب الكنديين الأصليين «البيض»، وأنهم من تسببوا في تأزم الاقتصاد الوطني. لكن مع فوز جاستن ترودو، زعيم الحزب الليبرالي الكندي، أعلنت الحكومة الكندية البدء في استعادة التعداد السكاني بعد سنوات من إلغائه.

أهمية التعداد السكاني

يوفر التعداد السكاني بيانات شاملة عن السكان وخصائصهم الاجتماعية والديموغرافية والاقتصادية، وعن المساكن وظروف السكن، وعن المنشآت. ويقدم بيانات شاملة وتفصيلية عن خصائص السكان، من حيث الجنس والعمر والحالة الاجتماعية. وكذا أرقامًا حول المشاركة في سوق العمل، والتعليم، والهجرة الداخلية، والعودة من الخارج التنقلات، ومكان الإقامة السابقة.

وبحسب مساعد رئيس جهاز الإحصاء الفلسطيني، عناية زيدان، فإن التعداد السكاني يُساعد بشكل كبير في اتخاذ قرارت تخص التخطيط الوطني، كما أنه يساعد في وضع السياسات التنموية والتطويرية بشكل عام.

وتوضح المدير التنفيذي للتعداد الفلسطيني القادم (2017)، في حديثها لـ«ساسة بوست»، أن مقارنة التعدادات السكانية مع دراسات متخصصة، مع مسوح تفصيلية؛ يُمكّن الدولة من إجراء تقييم للتطورات أو الإخفاقات التي حدثت خلال فترة معينة، وذلك بأخذ بيانات التعداد الحالي مع السابق، أو أخذ بيانات التعداد مع المسوح المتخصصة على المستوى الوطني، والمقارنة بين التغيرات، ثم تقيم فعالية الخطط والبرامج، واتخاذ القرار بالتوقف أو الاستكمال أو الاستبدال بهذه البرامج.

وأشارت عناية إلى أن بعض الدول تعتمد على سجلات مركزية، وتستخدم التعداد السكاني من أجل أخذ إطار لسحب عينات للمسوح المختصة، مُضيفة أن بعض تلك الدول، «أصبح التعداد غير مهم لديها، لأنها تعتمد على سجلات مركزية متطورة، سجلات تتحدث يومًا بيوم، وللأسف الدول العربية التي تهتم بالتعداد السكاني في الغالب لا يوجد لديها سجلات مركزية، لذلك تفتقد الربط بين مؤسساتها ذات العلاقة، فمن المفروض أن يكون السجل السكاني مرتبطًا مع وزارة الداخلية ووزارة الصحة والمحاكم الشرعية والبلديات والحكم المحلي؛ لذلك من المفترض أن تعتمد أكثر على التعداد السكاني في أطر المعاينة لأنها تفتقد السجلات».

على ذلك، فإن الدول التي لا تُنفذ التعداد السُكّاني، تظل معتمدة على بيانات قديمة أو تقديرية عند وضعها البرامج والخطط، فتكون الأخيرة غير مُعبّرة عن الواقع ولا مُلمّة به.

ثقافة استخدام الرقم

وفقًا للمدير العام للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في قطاع غزة، خلدون رضوان، فإنّ التعداد السكاني بمثابة اللبنة الأولى لإمكانية خلق قواعد بيانات وطنية، ستساعد في التنمية والتخطيط، مُوضحًا أن «استمارة الأفراد على سبيل المثال، تُظهر الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والمكانية للسكان».

وأضاف رضوان، في حديث مع «ساسة بوست»، أن «هذا الكم الهائل من البيانات، يُمكّن المؤسسات المعنية من بناء خططها وإستراتيجياتها بناء على معلومات حقيقية. وتُتّخذ القرارات بشكل واضح. وهو يوفر الإطار الكامل الذي تجري من خلاله المسوح التخصصية، إذ لا يمكن أخذ عينات بدون أن يكون هناك إطار يوفره التعداد السكاني».

وينتقد رضوان، ما أسماه «فقدان الدول العربية لثقافة استخدام التخطيط والرقم»، مُوضحًا: «نرى أن الوزارات المختلفة، ورغم وجود قواعد بيانات مهمة، تفتقد ثقافة استخدام هذه البيانات وعمل خطط عليها، واتخاذ قرارات بناء على خطط لأرقام سليمة».

مسؤوليات لا تريد الحكومات تحملها

في بداية حديثه، يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني طلال عوكل، أن التعداد السكاني ليس «عبثيًا»؛ بسبب تداخله مع خطوط عريضة سياسية وثقافية واقتصادية وتنموية، وما يتفرع منها. ويلفت عوكل إلى أن التعداد في المجتمعات المركبة التي يوجد بها أعراق مختلفة، أكثر أهمية؛ للوقوف على التناسب في هذه المجتمعات من أجل إحداث توازن بين الأعراق، بالتالي «كل تعداد سكني يتبع قراءة تحليلية لآلية وضع الخطط التنموية وتعديلها بناء على ما تظهره الأرقام».

ويشرح عوكل سبب تجنب بعض الحكومات إجراء التعداد السكاني، أو على الأقل عدم نشر نتائجه، أو نشر نتائج غير صحيحة، والسبب في ذلك أن التعداد السكاني يُلقي بمزيد من المسؤوليات على الحكومات، يستلزمها مزيدًا من الشفافية أيضًا؛ لذا «فإن بعض الدول تُعطل إجراء التعداد السُكّاني حتى تبقى الحكومات فيها قادرة على إدارة سياسات غامضة.

التعداد يحرج السياسات العنصرية

من جانبه يرى خالد الحروب، المحاضر في سياسات الشرق الأوسط المُعاصر بجامعة كامبريدج، أن التجربة الواقعية تقول إنّ «الحكومات الاستبدادية كانت مُتحفظة على إجراء التعداد السكاني، رغم أنه ضرورة تنموية تعتمد عليها كل عمليات التنمية في أي مجتمع، وذلك لأن أي إحصاء على المستوى الوطني سوف يظهر الحقائق الديموغرافية بشكل واضح، ومن هذه الحقائق سيطرة أو غلبة فئة معينة لا تريد الحكومة ظهورها».

تظهر كندا نموذجًا، على اعتبارها بلدَ مُهاجرين متعدد القوميات والخلفيات الثقافية والدينية. لم تكن الحكومة اليمينية الحاكمة ترغب في إظهار الهوية الغالبة لمواطني كندا المُهاجرين، أو من هم من أصول غير كندية حديثة، لأن ذلك، كما يقول حروب، «يُضعف موقف اليمين الذي يُريد ترسيخ هوية أو توجه مُعيّن، أو يُظهر تقدم البيض على المُهاجرين، أو سُكان كندا الملونين».

ومن الطبيعي أن يكشف التعداد السكاني حقيقة أعداد المُهاجرين، ما يستدعي فرض سياسات معينة. يُضاف إلى ذلك أن بعض الدول لا تُريد حكوماتها إجراء إحصاء يكشف التوزيعة الديموغرافية الدينية. يقول الحروب إن «خرائط التعداد السكاني الديموغرافية قد تحرج أي سياسات عنصرية قائمة على عدم المساواة، لذلك فإننا نرى أن الكشف الدائم عن أعداد المهاجرين يكون من مصلحة السياسات اليمينية، وهو يزيد من تسعير الموقف اليميني ضد المهاجرين ويساعد على تبني أطروحاته في المجتمع إذا كان اليسار المؤيد للمهاجرين هو الحاكم، والعكس صحيح».

بدون تعداد يفشل التخطيط

بما أن التأثير في سياسات أي دولة يرتبط بعنصرين؛ أولهما عدد السكان وارتباطه بالمساحة، وثانيهما نوعية السكان من حيث التطور والحضارة، فإن «إجراء التعداد السكاني بشكل دوري أمر أساسي في مقومات الدولة»، كما يقول أحمد رأفت غضبة، رئيس قسم الجغرافيا في جامعة النجاح الوطنية في حديثه لـ«ساسة بوست»، مُضيفًا أن «رصد الموارد والتغيرات الديموغرافية في غاية الأهمية. الدول المتقدمة تقوم باستمرار في عمليات الإحصاء، الإحصاءات الشاملة حتى تستطيع أن تخطط، التخطيط بدون أرقام هو تخطيط عشوائي وفاشل، هذه الدول التي يلجأ لها اللاجئون الآن تصر على معرفة كل التفاصيل عن كل شخص يدخل إليها».

وأشار غضبة إلى أهمية التعداد، بعد أن أصبحت المناطق العربية طاردة للسكان بسبب عدم وجود استقرار سياسي. «الرقم هو الأساس في أي عملية إستراتيجية، سواء كانت قريبة المدى أو بعيدة المدى، وعدم وجود إحصاء دقيق سوف يؤثر على كل مستويات التخطيط في الدولة، وبالتالي سيصبح هناك عشوائية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فمن مقومات الدول الفاشلة أنه لا يوجد لديها إحصاءات»، كما يقول أحمد رأفت غضبة، رئيس قسم الجغرافيا في جامعة النجاح الوطنية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد