4,485

أثارت انتصارات الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي مؤخرًا الكثير من الجدل؛ وذلك من حيث الأسباب الحقيقة لهذا الصعود الذي جاء وسط حالة اقتصادية لا تعكس هذا الصعود في ظل ثبات الأسعار، ودون تحسن حقيقي في الواقع المعيشي السوري، فما السر وراء هذا الارتفاع؟

في الواقع ربما لا تكون الإجابة على هذا السؤال لها علاقة بالاقتصاد، فلا يمكن الحديث عن اقتصاد في دولة تشير التقديرات إلى أن خسائرها قد تصل إلى 1.3 تريليون دولار، إذا استمرت الحرب حتى عام 2020، فضلًا عن الخسائر البشرية وعمليات التشريد التي أصابت أكثر من 11 مليون مواطن داخل البلاد وخارجها، في حين تراجع إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 75% حتى عام 2015، وابتلعت دائرة الفقر نحو 85% من السكان، والبطالة قفزت إلى 80%، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية بأكثر من 500% ببعض المناطق.

إذًا فالحديث عن تحسن اقتصادي قاد الليرة للصعود هو أمر مستبعد، وهو ما يفتح المجال للحديث عن هدف سياسي وراء هذا الأمر، خاصة في ظل الترويج الإعلامي مؤخرًا من قبل النظام السوري لفكرة انتصاره التام، فهل يمكن أن تكون الليرة إحدى هذه الأدوات التي يستخدمها نظام الأسد لإظهار بداية استقراره وانتصاره؟

كيف يستخدم النظام الليرة لإثبات استقراره؟

في البداية؛ فقدت الليرة السورية خلال سنوات الحرب أكثر من 90% من قيمتها أمام الدولار، فيما سجلت أدنى مستوى لها في 1 مايو (أيار) 2016 عند 645 ليرة للدولار، بحسب موقع «الليرة اليوم»، بينما صعدت مؤخرًا إلى 420 ليرة للدولار، إذ بدأ هذا الصعود بشكل حاد مع نهاية الشهر الماضي، ويشير الرسم البياني التالي إلى اتجاه سعر الصرف منذ بداية 2016 وحتى الآن.

اتجاه سعر صرف الليرة السورية بحسب موقع «الليرة اليوم»

وبدأت سلسلة ارتفاعات الليرة، عندما خفّض البنك المركزي السوري في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي سعر صرف الدولار مقابل الليرة بواقع خمس ليرات، وذلك للمرة الأولى منذ 325 نشرة تم إصدارها، منذ 22 أغسطس (آب) 2016، وحرك المركزي وقتها سعر صرف الحوالات من 514.85 ليرة إلى 510 ليرات للدولار.

ويحاول النظام السوري، ربط ارتفاع الليرة بانتصارات سياسية يتحدث عنها في الآونة الأخيرة، ليكون ذلك مؤشرًا على اتجاه البلاد نحو الاستقرار، لكن الأمر في الواقع ليس كذلك، ففي الثاني من يوليو (تموز) الماضي، نشرت وكالة «رويترز» صورًا ورقة نقدية جديدة من فئة ألفي ليرة سورية يتم تداولها في البلاد، وتظهر عليها صورة بشار الأسد، بالرغم من تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي، دريد ضرغام، الذي قال: إن «هذه الأوراق طبعت منذ أعوام، لكن قرار طرحها للتداول تأخر نظرًا لظروف الحرب وتقلبات سعر الصرف»، ولكن يبدو أن خروج هذه العملات الآن دليل على أن النظام قرر استخدام الليرة لتحقيق مكسب سياسي، وليس العكس.

ومؤخرًا واصل «المركزي» محاولته لدفع الليرة للصعود؛ إذ أصدر قرارًا بتحديد كمية الدولار المسموح بتداولها، ومنع سحب الودائع بالليرة السورية؛ الأمر الذي تسبب بزيادة الطلب على الليرة في ظل توجيه من المصرف بشراء الدولار من السوق السوداء وبيعه للمركزي، ثم عاد وخفّض سعر دولار الحوالات والاستيراد إلى 430/434 ليرة؛ الأمر الذي عزز من قيمة العملة السورية في الأسواق، وبالطبع كل هذه الإجراءات لا تكشف عن تحسن اقتصادي، بل إن هذا الصعود أمام الدولار، يمكن اعتباره جاء بأمر سياسي.

وبشكل عام اعتمدت خطة «المركزي» على تحديد سقف الحوالة المالية من الخارج بقيمة 500 دولار للمرة الواحدة شهريًا، وفي حال وصل إلى الشخص أكثر من حوالة في الشهر، أو حوالة واحدة بمبلغ يزيد عن 500 دولار، فسيجري تجميد المبلغ الإضافي لمدة ثلاثة أشهر، أو اقتطاع نسبة تصل إلى 10% من المبلغ في حال التسليم الفوري، بينما أصدر تعليمات للبنوك برفض تسليم مبالغ كبيرة من ودائع التجار والشركات من الليرة السورية، وهو الأمر الذي صنع طلبًا وهميًا على العملة في ظل التراجع الكبير للسيولة.

لكن في المقابل كان هذا الطلب كفيلًا بصنع حالة من القلق بالسوق أضعفت من قيمة الدولار، وذلك كي يبدو الأمر وكأن العملة المحلية تتعافى مع انحسار المساحات التي تسيطر عليها المعارضة، وهو ما استغله الإعلام الموالي للنظام، ليكون مبرر صعود الليرة هي العوامل التي تتعلق بالانتصارت العسكرية والسياسية، وعودة أموال السوريين بالخارج، وهذا الأمر غير حقيقي.

ويرى المحلل الاقتصادي السوري، إياد الحجي، أن الأمر لا يتعدى كونه «لعبة يلعبها النظام كي يسحب أكبر كمية ممكنة من العملات الأجنبية من أيدي المواطنين، سواء في مناطق سيطرته أو خارجها، وما هي إلا أيام وتعود الليرة لقيمتها السابقة، بعدما يكون النظام قد سحب مقدارًا جيدًا من حجم العملة الصعبة عبر سماسرته من الصرافين، مثلما حصل في الأعوام 2013 و2014 و2015».

متى نشهد ارتفاعًا حقيقيًا للعملة السورية؟

يرتبط الوضع الاقتصادي بالاستقرار السياسي بشكل كبير، وفي أوقات كثيرة يكون هبوط وصعود العملة سببه الرئيس هو الاستقرار السياسي أو عدمه، لذلك من الصعب الحديث عن تحسن حقيقي، ولو بشكل طفيف في قيمة العملة المحلية في ظل عدم وجود استقرار سياسي، وهذا الأمر لا ينفصل عن الوضع الاقتصادي أيضًا، ففي حالة دولة لديها مؤشرات اقتصادية، كالمذكورة ببداية التقرير، ليس من المعقول تحسن سعر العملة المحلية في ظل التدهور الاقتصادي العام؛ إذ إن ارتفاع العملة يأتي نتيجة للتحسن الاقتصادي، وليس العكس.

بمعنى أنه عندما يستقر الوضع السياسي، ستتحسن الأوضاع الاقتصادية، وترتفع طاقة الدولة الإنتاجية، وبالتالي ستكون قادرة على تقديم منتجات عليها طلب عالمي، وسينعكس هذا الأمر بصورة مباشرة على سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأخرى – بفرض عدم وجود تلاعب من جانب البنك المركزي في كمية السيولة في السوق كما حدث في سوريا – فارتفاع القدرة الإنتاجية يعنى حدوث تطور بالاقتصاد الحقيقي من خلال تصدير مزيد من السلع والخدمات، وهو ما يصنع طلبًا جديدًا على العملة، وبذلك يرتفع سعر الصرف.

هذه الأمر يمكن قياسه من خلال الميزان التجاري الذي يقيس الفارق بين حجم الصادرات والواردات، فإذا كان حجم الصادرات أكبر، فهذا يعني أن هناك فائضا تجاريًا، أما إذا كان حجم الواردات أكبر من الصادرات، فهذا يعني أن هناك عجزًا تجاريًا، وعلى المستوى السوري نجد أن عجز الميزان التجاري بلغ نحو 29.3 مليار دولار خلال الخمس سنوات الماضية؛ إذ بلغ مجموع الواردات نحو 43 مليار دولار، فيما بلغ مجموع الصادرات 13,2 مليار دولار، وهو ما يشير إلى عجز تجاري كبير.

ومن الصعب أن يكون هناك تحسن بالعملة في ظل العجز التجاري المستمر الذي يؤدي إلى ضعف العملة، وبالتالي انخفاض سعر صرفها أمام بقية العملات، والعكس، فعندما يكون هناك فائض تجاري مستمر، فإن السوق يدفع بتلك العملة للارتفاع.

عن طريق الاقتصاد.. كيف يروج السوريون في الخارج
لاستقرار النظام؟

وبعيدًا عن الليرة يحاول النظام من خلال أنصاره بالخارج للترويج لفكرة استقرار النظام بالبلاد، وهذا الأمر يظهر خلال نموذجين، هما:

تجمع رجال الأعمال السوري بمصر

مؤخرًا وللمرة الأولى في دمشق أقيم المعرض التجاري، الذي كان يعقد سنويًا، وذلك بعد فترة انقطاع طويلة، ويعد المعرض ثمرة جهود «تجمع رجال الأعمال السوري بمصر»؛ إذ شارك وفد من اتحاد الغرف التجارية المصرية في فعاليات افتتاح معرض دمشق الدولي وذلك للمرة الأولى منذ سبع سنوات، وكان على رأس الوفد أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية، وجاءت مشاركة الجانب المصري في هذا المعرض من خلال شركات مختلفة بجناح خاص بها، إذ حجزت مصر أكبر جناح دولي في المعرض وعلى مساحة 610 أمتار مربعة، كما استبق المصريون أية دولة أخرى في حجز مساحة في الدورة 60 لمعرض دمشق الدولي لعام 2018، وعلى مساحة تصل إلى خمسة أضعاف المساحة السابقة، وذلك بحسب رئيس تجمع رجال الأعمال السوريين في مصر المهندس خلدون الموقع، والذي أخذ على عاتقه تنظيم المشاركة المصرية.

وبشكل عام يلعب تجمع رجال الأعمال السوري بمصر دورًا جوهريًا في الترويج لاستقرار النظام السوري، ولا يقتصر هذا الدور على مصر، إذ وقع التجمع مؤخرًا مذكرة تفاهم مع مجلس أصحاب الأعمال الليبيين (بنغازي)، وغير ذلك من الأنشطة التي يقوم بها التجمع بالتعاون مع الحكومة السورية.

اللاجئون السوريون في ألمانيا

تحت شعار «صنع في سوريا» يحاول آلاف السوريين في ألمانيا لدعم منتجات في محاولة لإحياء تدريجي لصادرات سوريا إلى ألمانيا التي استقبلت لاجئين سوريين أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، إذ تظهر البيانات الألمانية الرسمية أن صادرات سوريا إلى ألمانيا ارتفعت إلى 15.5 مليون يورو (17.9 مليون دولار) في 2016 وبلغت 8 ملايين يورو في الخمسة أشهر الأولى من 2017.

وتذهب معظم المنتجات السورية لألمانيا بشكل رئيس من مصانع في مناطق تحت سيطرة الحكومة وفي محيط دمشق، ويعد هذا الأمر كذلك دعمًا لفكرة الترويج لاستقرار نظام الأسد، وذلك بدليل الحركة الاقتصادية التي ارتفعت مؤخرًا، وحتى إن لم يكن له أثر اقتصادي حقيقي على وضع البلاد الحالي.