بدأ العلماء في «المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية» (سيرن CERN) في مطاردة المادة المظلمة، وهي مادة افتراضية، تكون حوالي 85% من إجمالي كتلة الكون. هذا هو المشروع الفيزيائي الأحدث الذي تقوم به المنظمة العلمية الأبرز في العالم، ليس بكثرة الاكتشافات، ولكن بنوعية الاكتشافات التي قامت بها وأحدثت تغييرًا كبيرًا في علم الفيزياء، وقدرتنا على فهم الكون.

«سيرن» تمثل منظمة بحثية أوروبية تدير أكبر مختبر فيزياء جسيمات في العالم. أنشئت المنظمة عام 1954، وتقع المنظمة في إحدى الضواحي شمال غرب مدينة جنيف على الحدود الفرنسية السويسرية، ويوجد بها 22 من الدول الأعضاء. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة غير الأوروبية التي تملك عضوية كاملة بالمنظمة.

ويستخدم اسم سيرن أيضًا للإشارة إلى المختبر، الذي كان يضم في عام 2013 إجمالي 2513 موظفًا، واستضاف 12313 زميل جامعي، وشركاء ومتدربين، وكذلك علماء زائرين، ومهندسين يمثلون 608 جامعة ومعهد بحثي. وتتمثل الوظيفة الرئيسة لسيرن في توفير مسرعات الجسيمات وغيرها من البنى التحتية اللازمة لبحوث فيزياء الطاقة العالية، ونتيجة لذلك، جرى تشييد العديد من التجارب في سيرن من خلال عمليات التعاون الدولي.

وتعتبر سيرن ـ أيضًا ـ مسقط رأس شبكة الإنترنت العالمية؛ فالموقع الرئيس للمنظمة في مدينة ميرين، لديه منشأة كمبيوتر كبيرة تحتوي على مرافق قوية لمعالجة البيانات، والتي تستخدم في المقام الأول للتحليل التجريبي للبيانات. ونظرًا للحاجة لجعل هذه التسهيلات متاحة للباحثين في أماكن أخرى، فقد كانت على مر التاريخ الحديث محورًا واسعًا ورئيسًا لشبكة الإنترنت.

 

الإنجازات

جرى التصديق على اتفاقية إنشاء سيرن في 29 سبتمبر (أيلول) 1954 من قبل 12 دولة في أوروبا الغربية، وكلمة سيرن هي اختصار للعبارة الفرنسية (Conseil Européen pour la Recherche Nucléaire)، أو المجلس الأوروبي للأبحاث النووية. وكان السير «بنيامين لوكسبيسر» هو أول رئيس لسيرن.

في البداية، خُصص مختبر سيرن أصلًا لدراسة نواة الذرة، ولكنه تحول بعد ذلك بوقت قريب إلى فيزياء الطاقة العالية المعنية أساسًا بدراسة التفاعلات بين الجسيمات دون الذرية، لذلك يشار إلى مختبر سيرن عادة باسم المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات؛ لأنه يعكس بوضوح البحوث الأبرز التي أجريت فيه.

وقد توصل العلماء للعديد من الإنجازات الهامة في فيزياء الجسيمات من خلال التجارب التي أجروها في سيرن. وشملت هذه الإنجازات:

 

التيارات المحايدة

في عام 1973، اكتشف علماء سيرن التيارات المحايدة، وهي تمثل واحدة من الطرق التي يمكن من خلالها أن تتفاعل الجسيمات دون الذرية عن طريق القوة الضعيفة، وتجري هذه التفاعلات بمساعدة من «بوزون» يسمى بوزون (Z). وكان اكتشاف التيارات المحايدة الضعيفة خطوة هامة نحو توحيد الكهرومغناطيسية والقوة الضعيفة في صورة قوة كهرضعيفة، التي تسببت في اكتشاف بوزونات (W) و(Z).

وجرى اكتشاف هذين النوعين من البوزونات عام 1983، واعتبر هذا الاكتشاف نجاحًا كبيرًا لنظرية النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات (نظرية تقول إن هناك ثلاث قوى أساسية في الطبيعة، هي القوة النووية الضعيفة، والقوة النووية القوية، والقوة الكهرومغناطيسية، كما تقوم النظرية بتوصيف الجسيمات الأولى التي تدخل في تركيب المادة).

وبوزون (W) يوجد منه نوعان، واحد يحمل شحنة موجبة والآخر يحمل شحنة سالبة، بينما البوزون (Z) هو جسيم متعادل كهربائيًا. وهذه البوزونات تتميز بأن لها كتل ثقيلة نسبية بالنسبة لبقية الجسيمات الأولية، فكتلتها أثقل مائة مرة من كتلة البروتون وهي أثقل من ذرة الحديد. وترجع أهميتها إلى أنها تعمل كحامل للقوة.

 

النيوترينو

في عام 1989، تمكن العلماء من تحديد عدد أسر جسيمات «النيوترينو» الخفيفة في مصادم إلكترون بوزيترون الكبير (LEP)، الذي كان يعمل على بوزيترون (Z).

ويمثل «النيوترينو فرمويون»، جسيمات أولية مع غزل يمثل نصف عدد صحيح، لا تتفاعل إلا عن طريق القوة دون الذرية الضعيفة والجاذبية. وكتلة النيوترينو أصغر بكثير من الجسيمات الأولية الأخرى المعروفة. وسمي النيوترينو بهذا الاسم لأنه متعادل كهربائيًا، كما أنها لا تتأثر بالقوة الكهرومغناطيسية، بالإضافة إلى كون كتلتها ضئيلة جدًا، حتى كان العلماء يظنون أنها مساوية للصفر.

 

 

 

المادة المضادة

في عام 1995، جرت أول عملية تخليق لذرات الهيدروجين المضاد، والهيدروجين المضاد هو المادة المضادة لذرة الهيدروجين المعتادة.

ففي حين تتكون ذرة الهيدروجين الشائعة من إلكترون وبروتون، فإن ذرة من الهيدروجين المضاد تتكون من بوزيترون وبروتون مضاد، وقد أنتج الهيدروجين المضاد بشكل مصطنع في مسرعات الجسيمات بمختبر سيرن، الذي وفر طاقات عالية جدًا للدراسة المفصلة لهذا النوع من المواد. ويأمل العلماء أن الهيدروجين المضاد قد يسلط الضوء على مشكلة عدم تناسق «باريون»، التي توضح لماذا لا توجد مادة في الكون أكثر من المادة المضادة.

في فيزياء الجسيمات، المادة المضادة هي مادة تتكون من الجسيمات المضادة، والتي لها نفس كتلة جسيمات المادة، ولكنها متعاكسة في الشحنة، فضلًا عن اختلافها في بعض خصائص الجسيمات الأخرى، مثل أرقام «ليبتون» و«باريون»، ويقول العلماء إن حدوث تصادم بين الجسيمات والجسيمات المضادة يؤدي إلى إبادة كلا الجسيمين على حد سواء؛ مما يؤدي إلى نشأة نسب متفاوتة من الفوتونات المكثفة (آشعة جاما)، والنيوترونات، وأزواج الجسيمات والجسيمات المضادة الأقل ضخامة.

والنتيجة الإجمالية لهذه الإبادة هي الإفراج عن طاقة، تتناسب مع إجمالي كتلة المادة والمادة المضادة، بما يتوافق مع معادلة تكافؤ المادة والطاقة: (E = MC2).

وفي عام 2010، تمكن العلماء من عزل 38 ذرة من ذرات الهيدروجين المضاد بنجاح في المختبر. وفي عام 2011، تمكنوا من الحفاظ على الهيدروجين المضاد لفترة وصلت إلى 15 دقيقة.

 

 

 

 

بوزون هيغز

في عام 2012، اكتشف العلماء في مختبر سيرن نوع جديد من البوزونات، أطلق عليه اسم بوزون هيغز.

بوزون هيغز هو جسيم أولي يعتقد أنه مسؤول عن اكتساب المادة كتلتها. وقد رُصِدت أولى الإشارات لوجود هذه الجسيمات عمليًا في مصادم الهدرونات الكبير عام 2011، وقام مركز سيرن بالإعلان عن الاكتشاف رسميًا في الرابع من يوليو (تموز) 2012 بنسبة تأكد بلغت 99.999%.

وكان العالم الفيزيائي الإسكتلندي «بيتر هيغز»، قد تنبأ بوجود هذا الجسيم في إطار ما يعرف بالنموذج الفيزيائي القياسي الذي يفترض أن القوى الأساسية في الكون قد انفصلت عن الانفجار العظيم، وكانت الجاذبية هي أول ما انفصل، ثم تبعتها القوى الثلاث الأخرى، الكهرومغناطيسية، والنووية الصغرى، والنووية الكبرى.

وطبقًا لهذه النظرية، فجسيم بوزون هيغز هو جسيم أولي افتراضي ثقيل نسبيًا، أثقل من البروتون بمقدار يتراوح من 115 إلى 155 مرة. هذا الجسيم مسؤول عن طريق ما ينتجه من مجال يسمى مجال هيغز عن حصول الجسيمات الأولية على كتلتها.

في مصادم الهدرونات عام 2011، صُوّب شعاعان من البروتونات نحو بعضهما البعض، كل منهما يسير بسرعة فائقة تقترب من سرعة الضوء. أدى هذا إلى تصادم البروتونات ببعضها البعض؛ ما سمح بنشوء ظروف مشابهة لظروف الانفجار العظيم، لكن على مستوى مصغر. الغرض من التجربة كان تمثيل ظروف اللحظة الزمنية التالية للانفجار العظيم، والتي تقدر بجزء من عشرة مرفوعة للأس رقم 35 من الثانية التالية مباشرةً لحدوث الانفجار العظيم.

هذه هي اللحظة التي يعتقد العلماء أن بوزونات هيغز قد تكونت خلالها، ليتم تأكيد وجود هذه الجسيمات بالفعل، وهو ما تسبب في تغيير الفيزياء للأبد. وجسيم هيغز ليس له شحنة، وعزمه المغزلي يساوي صفرًا، وتتراوح كتلته ما بين 124 إلى 126 جيجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، طبقًا لمعادلة أينشتاين عن تكافؤ المادة والطاقة.

وقد منحت جائزة نوبل للفيزياء عام 1984 لكارلو روبيا وسيمون فان دير مير، للتطورات التي أسفر عنها اكتشافات بوزونات (W) و(Z)، كما منحت جائزة نوبل للفيزياء عام 1992 لرئيس طاقم الباحثين في سيرن، الباحث جورج شارباك، لاختراعه وتطويره أجهزة الكشف عن الجسيمات.

 

 

الشبكة العالمية

بدأت الشبكة العالمية كمشروع في سيرن اسمه (ENQUIRE)، الذي بدأه «تيم بيرنرز لي» في عام 1989 و«روبرت كايلي» في عام 1990. بيرنرز لي وكايلي تم تكريمهما بالاشتراك مع اتحاد أجهزة الكمبيوتر في عام 1995؛ لمساهماتهما في تطوير الشبكة العالمية.

واستنادا إلى مفهوم النص التشعبي، يهدف المشروع إلى تسهيل تبادل المعلومات بين الباحثين، وقد جرى تفعيل أول موقع في عام 1991، وفي 30 أبريل (نيسان) 1993، أعلنت سيرن أن الشبكة العالمية ستكون حرة لأي شخص. وأنشأت أول نسخة من صفحة الويب الأولى الأصلية بواسطة بيرنرز لي، ولا تزال هذه النسخة منشورة على الموقع الإلكتروني لاتحاد شبكة الويب العالمية باعتبارها وثيقة تاريخية.

قبل تطوير الويب، كان لسيرن الريادة في إدخال تكنولوجيا الإنترنت، ابتداء من أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وفي الآونة الأخيرة، أصبحت سيرن منشأة لتطوير الحوسبة الشبكية، واستضافت المشاريع بما في ذلك شبكات تمكين العلوم إلكترونيًا. كما يستضيف سيرن نقطة الإنترنت التبادلي (CIXP)، وهي واحدة من اثنين من نقاط تبادل الإنترنت الرئيسة في سويسرا.

 

سيرن والمادة المظلمة

نحن نعلم أن المادة المظلمة تتفاعل مع المادة العادية من خلال الجاذبية، ولكن هل من الممكن أن تفعل ذلك أيضًا من خلال قوة أخرى لم يتم كشفها حتى الآن؟ هذه القوة التي تنتقل عبر ما يسمى الفوتونات السوداء؟

يعتقد بعض علماء فيزياء الجسيمات أنه مثل القوة الكهرومغناطيسية – واحدة من أربع قوى أساسية معروفة في الكون – التي تحمل على الفوتونات، قد تكون هناك جسيمات معادلة تؤدي نفس العمل في الكون المظلم. وعلاوة على ذلك، كما يقولون، قد تتفاعل هذه الفوتونات المظلمة مع الفوتونات العادية في عملية تعرف باسم الاختلاط، والتي ينبغي أن تؤدي إلى آثار خفية، ولكنها قابلة للقياس.

هذه الآثار هي ما يبحث عنه العلماء في مختبر سيرن الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد