ضابط الإسعاف الفلسطيني زياد الحمايدة

تعد مهنة إسعاف الجرحى وانتشال الشهداء في الحروب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة من أخطر المهن، فهذا الاحتلال لا يتوانى عن استهداف طواقم الإسعاف وقتل العاملين فيها مع الجرحى والشهداء أو حتى قبل وصولهم للمكان المستهدف، وقد أدى ذلك في الحرب التي تشن الآن على غزة والمسماة “الجرف الصامد” إلى استشهاد وإصابة العديد من المسعفين.

واحد من هؤلاء المسعفين كان ضابط الإسعاف الفلسطيني زياد الحمايدة الذي يعمل في مستشفى “أبو يوسف النجار” منذ عشرة أعوام، التقت مراسلة “ساسة بوست” الحمايدة في بيت عزاء ابنه الشهيد محمد (19 عامًا) وذلك في مخيم الشابورة بمدينة رفح، حاولنا اقتناص بعض الوقت لتسجيل إفادة الرجل في هذه الحرب البشعة، فروى لنا كيف حمل ابنه شهيدًا دون أن يتعرف عليه، والأفظع من ذلك أنه عندما فصل جثتان لزملائه المسعفين صدم بوجود جثة رضيع بينهما كان زملاؤه يحاولان إنقاذه مع عائلته قبل أن يتم استهداف سيارة الإسعاف بمن فيها.

الحرب الأبشع

مسعف مصاب بغزة

في هذه الحرب كانت مهمة الحمايدة كغيره من ضباط الإسعاف، الاستجابة للاستغاثات التي تخبر بوجود قصف لمنزل أو عمارة أو سيارة، والذهاب لإخلاء الشهداء أو المصابين من هذا المكان إلى أقرب مركز صحي.

تحت بند “دوام طارئ” كان الحمايدة يعمل طيلة أيام الحرب، لم تكن الحرب الأولى التي يعمل بها الحمايدة حيث سبقها حرب “الفرقان” و حرب “حجارة سجيل” ومع هذا يصف تلك الحرب بالأبشع إجرامًا ويضيف: “كانت ملحمة، أغلب الشهداء كانوا أنصاف أجساد أو بدون رأس، ناهيك عن بتر الكثير من الأطراف للشهداء والجرحى”، ويتابع الرجل: “كنا نحمل شهداء أو جرحى فيستشهدون في الطريق قبل الوصول للمستشفى من شدة الإصابات”.

لقد وصل الأمر لحد الاضطرار إلى دفن الشهداء دون معرفة هوياتهم بسبب عدم وجود مكان لحفظ الجثث، فحسب الحمايدة أن وزارة الصحة قامت بتصوير جثث الشهداء ورقمت أماكن دفنهم، حتى إذا ما تم تعرف أحد الأهالي على صورة الشهيد تم إرشادهم إلى مكان دفنه.

تفحم طفل بين جثتين

مسعفون بغزة يحملون جثة زميلهم شهيدا

المواقف التي مرت على الحمايدة خلال هذه الحرب في غاية الصعوبة، لا ينسى هذا الرجل يوم استشهاد زملائه في العمل وهما ضابط الإسعاف يوسف الزاملي وسائق الإسعاف عاطف الزاملي، ويروي الحمايدة يوم استشهاد رفاقه فيقول: “جاءنا اتصال أن هناك في منطقة مصبح بجوار مسجد البر والتقوى قصف، وعندما وصلنا المكان وجدنا سيارة تشتعل فيها بارتفاع يمتد 5 أمتار، وعندما أخمدت سيارة الدفاع المدني النيران اكتشفنا أنها سيارة إسعاف تابعة لنا وتحمل رقم 675”.

رقم السيارة حدد للحمايدة من هم الشهداء الذين تفحمت جثثهم، لكن التفحم أعجز الرجل عن تحديد الجثث لمن تعود، من فيهم المسعف ومن السائق ومن الجريح، فقال أنه حدد جثة الشهيد عاطف لوجوده على كرسي القيادة كونه السائق.

لم تتوقف تفاصيل الفاجعة هنا، فعندما هم الرجل بفصل جثتي زملائه الملتصقة ببعضها مستخدمًا أداة من حديد لشدة الالتصاق صدم بوجود جثة رضيع بين الجثتين من أبناء العائلة المصابة التي كان يتم إخلاؤها، يقول الحمايدة: “كانت تلك من أشد المواقف ألما علي، استشهاد زملائي، ووجود طفل متفحم بينهما” .

نقل جثة ابنه!

مسعفون من غزة

لم يكن الحمايدة يدري الكثير عن تحركات أبنائه بسبب تواجده المتواصل في المستشفى، وفي اليوم الذي نفدت فيه هدنة 72 ساعة (الثلاثاء الماضي) كان من المفروض أن يذهب الحمايدة للبيت من أجل الراحة، لكنه فضل وزميله الذهاب إلى المنطقة الشرقية برفح لعله يجد ناجين في هذه المنطقة المنكوبة أو يجد شهداء، وبالفعل ذهب وحمل جثتين لم تتضح ملامحهما بسبب الإصابة والشمس، وبينما هو ينقل هذه الجثث لثلاجة المستشفى سأله أحد المراسلين الصحفيين من هؤلاء الشهداء؟ فأجابه: مجهولي الهوية!

وبعدما أنهك من العمل قرر الذهاب للمنزل، وهناك سأل عن ابنه محمد فأخبرته زوجته أنه خرج مع صديقه وهو صائم وذلك بعد أن صلى صلاة الجنازة على أحد شهداء رفح.

بعد ساعة ونصف تلقى الحمايدة اتصالًا يطلب منه الوصول إلى المستشفى على عجل، فذهب مع ابنه مهند ليفاجأ بأن أحد أصدقائه يخبره أن هناك جثة قد تعود لابنه محمد (19 عامًا)، وكانت الفاجعة أن الجثة التي طلب من الحمايدة التعرف عليها هي لابنه محمد وهي إحدى الجثتين اللواتي حملهن بنفسه في صباح هذا اليوم.

يقول الرجل: “كان ابني واحدًا ممن حملت جثثهم في الصباح، لم أكن أعلم أنه ابني، الشمس غيرت ملامحه والرمال غطت وجهه، تعرفنا عليه من حذائه وبنطاله”.

كانت الأمور مؤلمة جدًا حتى في وجوب سرعة الدفن بسبب عدم تشغيل ثلاجات الموتى، لذا لم تودع أم محمد ابنها، وقبل زيارة “ساسة بوست” لهم قرر زوجها اصطحابها مع أبنائها وبعض الأقارب إلى مكان استشهاد محمد علّ الأمر يهون قليلا عليها. يقول الحمايدة عن المكان: “هناك استشهد الكثير، كانت عشرات الحفر التي تركتها صورايخ في كل مكان”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد