في ذكرى انطلاقتها السابعة والعشرين، تعيش حركة المقاومة الإسلامية حماس جملة من التحديات، ازدادت عامًا بعد عام بفعل التغيرات المتقلبة في المنطقة العربية والإقليمية، حيث واجهت عزلة دولية انعكست سلبًا في تعاطيها مع ملفات فلسطينية عدة.

خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا عقب فوزها في الانتخابات التشريعية بأغلبية، زاد رصيد المعوقات لها محليًا وعربيًا وحتى دوليًا، في رسالة لها برفض برنامجها المقاوم، فأخذ الحصار يشتد على الفلسطينيين في قطاع غزة برًا وبحرًا وجوًا، في ظل محدودية  خيارات الحركة أمام ذلك.

تأتي الانطلاقة هذا العام بعد أن خاض الفلسطينيون حربًا ضروسًا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدة واحد وخمسين يومًا، كانت حركة حماس في عزلة سياسية عربية ودولية، ليسجل في عمرها ثلاثة حروب في أقل من ست سنوات، كانت هدفا بارزا لإسقاط حكمها، كما يقول مراقبون.

ولا يخفى على أحد أن حركة حماس في انطلاقتها الجارية تمر في مرحلة دقيقة جدًا وحرجة في الوقت نفسه، في ظل تعثر جملة من الملفات المحلية أبرزها إعادة إعمار قطاع غزة، ورفع الحصار كاملا، فضلا عن العلاقة مع حكومة التوافق الوطني والمصالحة المتعثرة من وقت لآخر، إلى جانب ارتباطاتها العربية والإقليمية وغيرها.

هل حققت حماس شيئًا بعد 27 عامًا على انطلاقتها؟

قياديون في حماس، يؤكدون أن الحركة لم تتخلَ عن خيار مقاومة الاحتلال عندما انخرطت في الحكم عام 2006، وأنها عندما عزفت عن الحكم تنازلت السلطة الفلسطينية عن 80% من الأراضي الفلسطينية، ونزعت أسلحة المقاومة وزجت بهم في السجون.

وقالوا نقلا عن موقع “الجزيرة نت” أن الحركة نجحت  في تحويل الشرطة والأمن الوقائي من مهمة حماية اتفاق أوسلو إلى مهمة حماية برنامج المقاومة، ووصف الحركة بأنها “شعلة مضيئة وشمعة نظيفة تضيء لكل من يرفض الاحتلال”.

ورفضوا أن تكون قد أخفقت في مهمتها، وأنها تسببت في الحصار المفروض على الشعب في قطاع غزة، والذي بدأ في 2006، حيث كان سببه الأيديولوجية السياسية التي تتبعها الحركة ورفضها وجود إسرائيل.

وفي المقابل ثمة من يرى أن مزاوجة حماس للحكم والمقاومة هو أحد إخفاقاتها، مما دفعها إلى مزيد من الحصار والعزلة لغزة، لاسيما بعد التغيرات السياسية الأخيرة في مصر، بيد أنها تشكل حماية وحاضنة للمقاومة، واستطاعت أن تطور من قدراتها القتالية التي ظهرت في الحرب الأخيرة.

ما هي أبرز التحديات التي تواجهها بعد انطلاقتها الـ27؟

أولا: حكومة التوافق الوطني وملف إعمار غزة

بين الفينة والأخرى تحمل حركة حماس حكومة التوافق الوطني التي تم تشكيلها في نيسان الماضي، المسؤولية الكاملة عن تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي خاصة بعد الإضراب الأخير لعمال النظافة في مشافي القطاع، حيث تفاقمت أوضاع المرضى.

وفي المقابل تبرر حكومة التوافق، عدم تسلم مهام عملها في قطاع غزة، بتشكيل حماس لـ”حكومة ظل”، وهو ما تنفيه الحركة، التي تتهم الحكومة بالانصياع لقرارات خصمها السياسي حركة فتح، لأسباب “سياسية”.

وتبرز قضية إعادة إعمار قطاع غزة كأحد التحديات التي تواجه حركة “حماس” في قطاع غزة، فرغم انعقاد مؤتمر إعادة إعمار غزة في القاهرة خلال شهر أكتوبر الماضي، والوعود بتقديم 5.4 مليار دولار، فإن الدول المانحة لم تفِ بذلك، وبعضها يتذرع بالحصار المفروض على القطاع، وهناك حوالي 50000 بيت مدمر، جزئياً أو كلياً، ويحتاج إلى إعادة الإعمار، خصوصاً مع بدء موسم هطول الأمطار.

ومن ناحية أخرى، لم تستفد حماس كثيراً من تركها المعلن للحكومة وقبولها بحكومة الوفاق الوطني على علاتها للتخلص تماماً من مسؤولية القطاع وأهله، وفي ظل السيطرة الأمنية للحركة على القطاع الأمر الذي يحملها مسؤولية العديد من التطورات، مثلما حدث في قضية التفجيرات التي استهدفت منازل عدد من قيادات حركة فتح مؤخرًا.

ثانيا: الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية المقبلة

وفقًا لاتفاق المصالحة الذي تم توقيعه في الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل الماضي والذي تمخض عنه إعلان حكومة التوافق الفلسطيني وإنهاء الانقسام، قررت حركة حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية معا، بعد إنهاء المدة المحددة للحكومة، وهي ستة أشهر، بيد أن ثمة معوقات حالت دون ذلك، أبرزها  ضبابية المشهد السياسي في الوقت الراهن، واتهام كل طرف للآخر بعرقلة المصالحة.

وكانت حماس قد طرحت خلال الأسابيع القليلة الماضية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية، مع قرب انتهاء الشهور الستة للحكومة الحالية، وذلك للخروج من المأزق السياسي الحالي، في ظل التوتر بينها وبين حركة فتح.

وترى حماس أن فتح تخشى خوض الانتخابات خوفًا من نتائجها، في حين تقول فتح أنها دعت إجراء الانتخابات منذ اللحظة الأولى للانقسام الفلسطيني، وكل الاتفاقيات التي تمَّ توقيعها بين الحركتين تدعو لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وكانت حماس تتهرب من الانتخابات بذرائع متعددة.

ثالثا: العلاقة مع السلطة الفلسطينية وحركة فتح

ترفض حماس نهج السلطة الفلسطينية في التعاطي مع القضايا المصيرية، مثل عودة اللاجئين، والاستيطان المتزايد في الضفة المحتلة، فضلا عن التنسيق الأمني الذي يعيق عملية سير المصالحة كما ترى الحركة.

لذلك، من أبرز تحديات الحركة في الوقت الحالي، هو تمسك قيادة السلطة الفلسطينية بالتنسيق الأمني مع إسرائيل كمبدأ ثابت في العلاقات فيما بينهما، في ظل استمرار الاعتقالات السياسية بحق أنصار الحركة في معظم مدن الضفة، مما يؤثر سلبًا في التعاطي مع ملفات أخرى.

ومن فترة لأخرى يتبادل الطرفان من فتح وحماس التراشق الإعلامي على ملفات عدة مثل المصالحة والإعمار ورواتب الموظفين، مما يؤثر على شرائح واسعة في الساحة الفلسطينية لإبداء مخاوفها بأن يلقي ذلك التراشق بظلاله على الحالة الفلسطينية الداخلية، وعودة الفلتان الأمني، وإمكانية تأثير تلك التصريحات النارية من الطرفين على سير الملفات.

 وكانت الحركتان قد تراشقتا إعلامياً على خلفية الانفجارات -مجهولة المصدر- التي استهدفت منصة إحياء ذكرى استشهاد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات “أبو عمار”، بالتزامن مع تفجير طال ممتلكات تخص قيادات في حركة فتح.

ويرى سياسيون أن التراشق الإعلامي بين حركتي فتح وحماس ينذر بنسف المصالحة الفلسطينية والعودة إلى مربع الانقسام المقيت، مما سيعيق التقدم في ملفات عدة إلى جانب المذكورة سلفاً كالمياه والكهرباء، والبت في قضية صرف رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين في غزة.

رابعا: حماس لم تستثمر انتصارها العسكري خلال الحرب الأخيرة

انتهت الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي أبلت فيها المقاومة بلاءً حسنًا بشهادة  العدو قبل الصديق، بعد أن فاجأت الجميع بإمكاناتها القتالية المتواضعة أمام أعتى ترسانة، حيث قتلت وخطفت وفجرت داخل العمق الإسرائيلي.

لكن، هناك من يرى  وبناء على مفاوضات التهدئة التي جرت بين المقاومة وإسرائيل برعاية مصرية في القاهرة لوقف إطلاق النار، والموافقة على شروط المقاومة من فتح للمعابر واعتماد ميناء بحري ومطار خاص بالفلسطينيين، لم تفلح حماس في استثمار هذا الجهد، وباتت مآلاته واضحة على الواقع الغزي حتى الآن.

وفي ظل عجز السياسة عن قطف ثمار العمل العسكري في الحرب الأخيرة – حتى الآن على الأقل – واستمرار الحصار داخلياً وخارجياً، وتوقف قطار المصالحة في محطته الأولى، وخسارة حماس لكثير من أوراقها الإقليمية، لا تبدو الأخيرة بعيدة عن السجال الداخلي.

ويقصد الكاتب السعودي مطلق المطيري بفشل حماس سياسيًا وليس عسكريًا، فمعركة حماس في غزة والأرض المحتلة وسياسيا معركة حماس في الوطن العربي، فمع إطلاق أول صاروخ على إسرائيل اتجهت لعمقها العربي وبالتحديد المصري لتقاوم اتفاقيات القاهرة الدولية والتزامها بالدفاع عن سيادتها مستخدمة بذلك شرف الدم الفلسطيني في إدارة معركتها مع جوارها العربي.

وكانت بيد حماس ورقة مهمة في الحرب الأخيرة  وخسرتها عندما تعمدت أن تكون “حربها السياسية” مع مصر، ونسيت أن مصر لديها خيارات متعددة للتدخل في الحرب على غزة ومنها الاتجاه مباشرة لرئيس الدولة محمود عباس، وفقا لقول المطيري.

ويرى أن هذا الخيار ليس شعبياً ولكنه سياسي وقد ذهبت إليه القاهرة بلا تردد وطرحت مبادرتها التي رفضتها حماس بحجة عدم العلم بها مسبقاً مسقطة بذلك خيار رئيس الدولة الفلسطينية لتعزز هيمنتها على قرار الحرب وخياراته، وكان لها ذلك.

خامسا: العلاقة مع مصر

وهي أبرز التحديات التي تواجهها، حيث يعيش اليوم سكان قطاع غزة حصاراً خانقاً بعد الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسى في الثالث من تموز العام الماضي، وتولي العسكر إدارة حكم مصر مباشرة، وسعى إلى التقرب من كيان الاحتلال، من خلال إعلان عدائهم للحركة  والمقاومة الفلسطينية بشكل عام.

ومنذ الأيام الأولى لاعتقال “مرسي” وجهت إليه تهمة “التخابر مع حركة حماس”، وشرع الحكم الجديد بتفجير الأنفاق، ووصل عدد الأنفاق المدمرة إلى أكثر من 1850 نفقاً، حسب تصريحات الجيش المصري، فضلا عن إقامة المنطقة العازلة على الشريط الحدودي مع القطاع مؤخرًا.

لكن الحركة تؤكد مع مطلع الشهر الجاري أن الاتصالات بينها وبين مصر لم تتوقف،  وهي ضرورة لا يمكن الفكاك عنها، إلا أن المواطن الفلسطيني لم يلمس شيئًا من هذه العلاقة خاصة فيما يتعلق بفتح معبر رفح البري.

سادسا: العلاقة مع سوريا وإيران

حيث شهدت العلاقة مع سوريا ازدهاراً لا يمكن تجاوزه، وذلك قبل اندلاع الأحداث في سورية في مارس 2011م، ففي بداية الأحداث، كما بات معلوماً، اتخذت حركة “حماس” موقفها لحل الأزمة السورية اعتماداً على الحلّ السياسي وليس أي حل آخر.

وبناء على اعتبارات مبدئية، اضطر أبرز قادة الحركة إلى مغادرة دمشق نتيجة الأوضاع الأمنية المتأزمة، وتركت مواقف حركة “حماس” المحايدة أثراً  في العلاقات التي كانت تعود بالفائدة على الطرفين؛ “حماس” وسورية.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران، فجرت مؤخرا محاولات بين حماس وإيران لإحياء العلاقات من جديد، بعد ثلاث سنوات من الانقطاع، بسبب موقف حماس من الأزمة السورية، إضافة إلى الانعزال الذي تعاني منه بعد نهاية عهد الإخوان المسلمين في مصر، رغم أنها تؤكد من حين لآخر أن العلاقة لم تنقطع مع إيران.

وبالتالي، فإن زيارة وفد من أعضاء المكتب السياسي لطهران مطلع الأسبوع الماضي يأتي في سياق رؤية حماس لضرورة حشد طاقات وإمكانات الأمة الإسلامية لدعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ومقاومته البطولية.

ورأت الحركة نقلا عن” المركز الفلسطيني للإعلام”  أنها معنية بتعزيز علاقاتها التاريخية مع إيران، وهذا ينبع من إدراك عميق لدى الطرفين حول أهمية التواصل والعمل الجاد، لتجاوز الظروف الحساسة والدقيقة، التي تمر بها الأمة والمنطقة.

المصادر

تحميل المزيد