منذ أيام قليلة خرجت الموازنة العراقية العامة لسنة 2019 إلى النور، بعد أن أقرها مجلس النواب العراقي بقيمة قدرت بنحو 112 مليار دولار خلال جلسة مطولة، وقد أثارت هذه الموازنة الكثير من الجدل ما بين مؤيد ومعارض؛ سواء بين نواب البرلمان أو الخبراء والمحللون، وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الموازنة طموحة، يرى آخرون أنها أقل كثيرًا من طموح العراقيين، لكن بين المؤيدين والمعارضين تبقى الأسئلة الأهم دائمًا، وأبرزها: هل هذه الموازنة قابلة للتحقيق على أرض الواقع؟ وهل أرقام الموازنة تترجم الوضع الاقتصادي للبلاد أم هناك مبالغة؟ وكيف ستعالج الحكومة العجز الضخم في الموازنة؟

كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها خلال هذا التقرير، وذلك عن طريق مناقشة التحديات التي قد تواجه الحكومة العراقية خلال تطبيق الموازنة الجديدة.

الملامح الرئيسية لموازنة العراق 2019

في البداية يجب أن نعلم أن الموازنة مرت بعدة مراحل قبل إقرارها وفي كل مرحلة كانت الأرقام مختلفة عن الأخرى، لكن ما سنذكره هنا هي الأرقام النهائية التي أقرها البرلمان في جلسة الخميس الماضي، وقبل الخوض في التفاصيل يجب أن نعلم أن قانون الموازنة ما زال بحاجة إلى مصادقة الرئيس برهم صالح، وذلك قبل نشره في الجريدة الرسمية، والعمل به رسميًا، بينما يعتبر إقرار البرلمان لقانون الموازنة خلال يناير (كانون الثاني) يعتبر تقدمًا ملموسًا مقارنة بالعام الماضي؛ إذ لم يقر البرلمان الموازنة التي بلغت 77.5 مليار دولار، إلا في مارس (آذار) 2018.

Embed from Getty Images

وتأتي موازنة 2019 بزيادة نحو 45% عن العام الماضي، وهي أكبر موازنة في تاريخ هذا العراق، خاصة أنها شملت حصة إقليم كردستان شبه المستقل، إذ بلغت قيمها نحو 112 مليار دولار باعتماد شبه كامل على صادرات النفط، بواقع 89% من الإيرادات، بافتراض تصدير 3.9 مليون برميل يوميا، بينهم 250 ألف برميل تنتج في كردستان العراق، وبسعر مقدر للبرميل الواحد نحو 56 دولارًا، بينما يقدر العجز بنحو 23 مليار دولار، فيما تقدر مخصصات الاستثمارات  بنحو 27.8 مليار دولار.

وبحسب تقديرات نواب عراقيين فقد تم تخصيص نحو 19% من الموازنة للإنفاق على وزارتي الدفاع والداخلية، وهي نسبة كبيرة جدًا في ظل حاجة البلاد للإنفاق أكثر على البنية التحتية، وبخلاف الإنفاق على وزارتي الدفاع والداخلية، هناك عدة مشاكل كبيرة في الموازنة لا يمكن إهمالها، فأهم ملامح هذه الموازنة هي ضخامة بند المرتبات الذي يلتهم أكثر من نصف الموازنة، بينما جاء نصيب معظم القطاعات الأخرى ضعيف جدًا، وهو ما يعني أن نسبة إضافة الموازنة للاقتصاد الكلي قد لا تذكر.

النفط: التحدي الأكبر.. يشكل 89% من إيرادات الموازنة

عندما نتحدث عن أي موازنة فمن الطبيعي الحديث أولًا عن الإيرادات ومصادر تمويل هذه الموازنة، فإذا كانت هذه المصادر مستقرة وثابتة إلى حدٍ كبير فإن نسبة نجاح الحكومة في تحقيق أهدافها من الموازنة تكون أكبر، وبالنظر إلى الموازنة العراقية الجديدة نجد أنها تعتمد على النفط في تمويل 89% من الموازنة، ولن نتحدث هنا عن مشاكل الاعتماد على مصدر واحد وخلافه، ولكن نتحدث عن قدرة القطاع النفطي على تغطية هذه النسبة خلال العام، وفي هذه الحالة سينقسم حديثنا إلى قسمين الأول: هل متوسط سعر النفط سيكون عن المستوى المحدد على مدار العام؟ والثاني: هل تستطيع العراق الحفاظ على مستوى الإنتاج المقدر على مدار العام؟

بالنسبة للسعر وكما ذكرنًا فالحكومة تفترض سعرًا للبرميل قدره 56 دولارًا وهذا السعر يزيد بنحو أربعة دولارات عن سعر خام برنت بجلسة 28 ديسمبر( كانون الأول) 2018 – آخر جلسات العام الماضي – والتي سجل الخام خلالها نحو 52.2 دولارًا للبرميل، بينما سجل السعر عند التسوية بجلسة الأربعاء الماضي نحو 61.14 دولار للبرميل، وهو نفس اليوم الذي تم فيه إقرار الموازنة، ولكن ما هو السعر المتوقع خلال 2019؟

الأرقام لا تكذب عادةً.. 2019 موعد الأزمة المالية الجديدة

تشير توقعات المحللين إلى أن العالم يقترب بقوة من أزمة مالية ضخمة، وأهم ملامح الأزمة هو الركود، ومعنى الركود أن العالم لن يكون في حاجة إلى نفط كثير بسبب تراجع الإنتاج بالمصانع عمومًا، وفي ظل زيادة المعروض من النفط لن يكون هناك نمو يذكر للأسعار، وبحسب «بنك الاستثمار الحكومي الأمريكي (جيفريز)» فإن سوق النفط متخم في الوقت الحالي، إذ إن السوق يمر بوقت صعب فيما يتعلق بإيجاد أرضية (للسعر)، وهو الأمر الذي يبرر التذبذب الكبير والهبوط السريع للأسعار؛ وتشير بيانات البنك أيضًا إلى أن «الإنتاج العالمي بدأ يتجاوز الاستهلاك».

Embed from Getty Images

هذه المعطيات توضح أن هناك صعوبة كبيرة في أن نتوقع استقرار السعر خلال 2019، وهو ما يجعل الموازنة مهددة على مدار العام، إذ إن الإيرادات المتوقعة قد لا تتحقق، وهو ما سيجعل البلاد أمام خيارات في غاية الصعوبة، الأول تخفيض مخصصات بنود الموازنة كما حدث في عام 2015، عندما قررت الحكومة إلغاء المشاريع الاستثمارية وتخفيض الرواتب والتعيينات، والثاني الاقتراض لتغطية العجز الإضافي، والثالث هو السحب من احتياطي النقد الأجنبي وذلك أيضًا كما حدث سابقًا وتسبب في هبوط الاحتياطي الأجنبي لدى المركزي من 80 إلى 40 مليار دولار.

لهذه الأسباب «لعبة» أسعار النفط في 2019 تختلف عن الماضي

وعلى الجانب الآخر هناك القسم الثاني أو السؤال الثاني الذي يحتاج إلى إجابة وهو هل تستطيع العراق الحفاظ على مستوى الإنتاج المقدر على مدار العام؟ إذ تفترض العراق تصدير 3.9 ملايين برميل يوميًا، بينهم 250 ألف برميل تنتج في كردستان العراق خلال 2019، لكن هذا الإنتاج يواجه تحدي السوق الذي يعاني فائض من المعروض والذي قد لا يقبل كل هذه الكمية، بالإضافة إلى أن العراق ملتزم مع أوبك والتي من المتوقع أن تقر خفضًا جديدًا بالإنتاج.

وبحسب ما ذكر الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) لوكالة «رويترز» فإن المنظمة وحلفاءها لا يستبعدون اتخاذ إجراء آخر باجتماعهم القادم في أبريل (نيسان) المقبل؛ إذ من المقرر أن يجتمع المنتجون يومي 17 و18 أبريل لمراجعة الاتفاق، الذي اتفقت عليه «أوبك» وبعض المنتجين غير الأعضاء مثل روسيا في ديسمبر الماضي وذلك بالعودة إلى تخفيضات الإنتاج في 2019، فكيف ستتعامل الحكومة العراقية مع هذا الأمر، هذا ما سنعرفه لاحقًا.

أكثر من 100% زيادة بالعجز.. كيف ستتعامل معه الحكومة؟

بالانتقال للحديث عن التحدي الثاني الذي يواجه الموازنة العراقية، نجد البلاد أمام عجز ضخم، فبعد أن كان عجز الموازنة في 2018 نحو 11 مليار دولار، أصبح في 2019 يقدر بـ 23 مليار دولار، وهو ما يزيد عن الضعف بواقع مليار دولار، وهنا يحضر السؤال البديهي الدائم: من أين ستغطي الحكومة هذا العجز؟

في الواقع بالرغم من أن إجابة هذا السؤال في كل دول العالم في غاية الصعوبة إلا أن الإجابة في العراق في غاية السهولة، فبدون أي تفكير الإجابة هي الديون، فالديون في العراق هي المصدر الثاني للدخل القومي، بمعنى أن النفط هو الممول الأول للموازنة والديون هي الممول الثاني مباشرة، فوفق تقديرات الخبراء فإن موازنة 2019 تعتمد على الديون الخارجية بنحو 14 مليار دولار من عدة مصادر مختلفة، كما أنها في نفس الوقت مطالبة بسداد من 10 إلى 12 مليار دولار فوائد وأقساط ديون قديمة.

وتضع هذه الديون العراق في مأزق كبيرة خاصة في ظل ارتفاع نسبة الفائدة على الدولار أي أن تكلفة الديون ستتفاقم، وكان نائب رئيس الجمهورية العراقي، إياد علاوي، قد أعلن سابقًا أن ديوان العراق بلغت 133 مليار دولار، بينما تتوالى التحذيرات من دخول البلاد دائرة الخطر بسبب تضاعف الديون المترتبة عليه وارتفاعها مؤخرًا وسط ارتفاع كبير في الفوائد.

وهذه الديون تعد من أكبر التحديات التي تواجه العراق لذلك المبالغة في الاقتراض تضع مقدرات البلاد رهن هذه الديون، خاصة أن استمرار الاستدانة بهذه الوتيرة ستجعل الديون وفوائدها تستحوذ على ما يصل إلى 70%‎ من موازنة العراق السنوية في المستقبل، وفق تقديرات خبراء.

وتجدر الإشارة إلى أن الديون الداخلية  في العراق تقدر بنحو بلغ 40 مليار دولار، وهي ديون تسدد كذلك من الموازنة.

هل ستغير الموازنة الجديدة شيء بأرقام البطالة؟

تعتبر البطالة هي أكبر الأزمات الاقتصادية التي تواجه العراق، ووفق  الأرقام الحكومة فإن البطالة تقترب من نحو 25%، إلا أن خبراء يؤكدون أن نسب البطالة وصلت في بعض المحافظات مثل المثنى جنوبًا إلى 40% من حجم القوى العاملة، بينما تشير تقديرات صندوق النقد  الدولي إلى أن معدل البطالة لدى شريحة الشباب في العراق تبلغ أكثر من 40%، لكن السؤال  الآن هل تلبي الموازنة الجديدة طموح العراقيين وتحد من معدلات البطالة؟

بعد فشل المؤتمر.. لهذه الأسباب قد تصبح أموال إعادة إعمار العراق نقمة على اقتصاده

ذكرنًا أن أهم ملامح هذه الموازنة هي حجم الرواتب التي تصل إلى 54% من إجمالي الموازنة، إذ بلغت مخصصات رواتب الموظفين والمتقاعدين والضمان الاجتماعي 52 مليار دولار، بزيادة تقدر بـ15% عن العام الماضي، إلا أن هذه الأرقام لن تعالج أزمة البطالة، لأن هذه الأرقام تلتهمها الوظائف الموجودة بالأساس بالإضافة إلى استحداث 6500 درجة وظيفية لمليشيات «الحشد الشعبي»، وهو ما يعني أن نسب البطالة لن تتوقف عن الصعود في ظل هذه الموازنة.

Embed from Getty Images

وذلك لأن نسبة الإنفاق على المشاريع الجديدة ضئيل، وكما ذكرنا فإن 27% من الموازنة مخصصة للاستثمارات، ولكن هذه النسبة لا يعني أن الدولة ستنفقها على المشاريع الجديدة، إذ أن الجزء الأكبر منها سيذهب لمستحقات المقاولين المتأخرة منذ ثلاثة سنوات، بالإضافة إلى ديون المزارعين المتأخرة على الحكومة من بيع محاصيلهم منذ العام 2014.

لذلك من الصعب القول أن البطالة ستتراجع في ظل موازنة 2019، وهو تحدي كبير للحكومة، خاصة أن البلاد تشهد احتجاجات من حين لآخر بسبب ارتفاع نسبة البطالة بين العراقيين؛ إذ يشكل من هم دون 24 عامًا نسبة 60% من سكان العراق؛ ما يجعل معدلات البطالة أعلى بين الشباب.

عودة إقليم كردستان شبه المستقل.. أكثر المستفيدين من الموازنة

لا شك أن عودة إقليم كردستان لموازنة العراق هو الحدث الأهم هذا العام، فبحسب رئيس حكومة الإقليم، نيجرفان البارزاني، فإن كردستان قطعت مرحلة جيدة بتفاهماتها مع بغداد، مشيرًا إلى أن موازنة 2019 هي الأفضل بالنسبة للإقليم، بينما يرى النائب عن كتلة الحكمة علي البديري أن الإقليم «حصل على أكثر من حقوقه» في الموازنة، موضحًا أن حصة الإقليم من الموازنة بلغت أكثر من 20%.

الهيمنة الاقتصادية على العراق.. طريق إيران الممهد لتجنب عقوبات ترامب

بحسب الموازنة ستقوم الحكومة المركزية بدفع رواتب جمع الموظفين الأكراد خلال عام 2019، بمن فيهم مقاتلو قوات البشمركة الكردية، وهو ما كان موضع خلاف لسنوات طويلة بين بغداد وأربيل، بينما تنص الموازنة على أن بغداد ستتولى للمرة الأولى دفع هذه الرواتب في حال قيام أو عدم قيام الإقليم بتصدير حصته المقررة من النفط عبر شركة «سومر» الحكومية.

هذه الفوائد التي حصل عليها الإقليم ستجعل الحكومة تواجه العديد من الانتقادات من محافظات أخرى خاصة محافظات الوسط والجنوب وهي المحافظات التي لم ينصفها قانون الموازنة وفق مراقبين؛ إذ ترى كتلة النهج النيابية، أن إقليم كردستان لا يستقطع منه سوى 3 مليار دولار تقريبا، في حين يتم تسليم الإقليم أكثر من 4 مليار دولار، معتبرة أن في هذا إجحافا واضحا وابتعادا عن معايير العدالة بالتعامل مع محافظات الجنوب، وخصوصا المنتجة للنفط منها، لكن يبقى موقف الحكومة من هذه الانتقادات غير واضح حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد