«الشخص الذي كتب هذه اليوميات توفي لحظة لمست قدماه تراب الأرجنتين، الشخص الذي أعاد تبويبها وصقلها، أنا، لم يعد له وجود، على الأقل لست ذلك الشخص الذي كان، كل هذا التجوال في أمريكـ(تنا) لتكتب بحروف كبيرة، غيرني أكثر مما حسبت».

هكذا قدم تشي جيفارا لكتابه الأول «يوميات دراجة نارية» عن رحلته التي جاب فيها بلاد أمريكا الجنوبية مع صديقه ألبيرتو جرانادو عام 1951 من بوينوس آيريس إلى ساحل الأرجنتين الأطلسي إلى بنما والأنديز وتشيلي، ثم شمالًا إلى بيرو وكولومبيا وأخيرًا إلى كراكاس في فنزويلا. عرف جيفارا من خلال هذه الرحلة كيف يعيش الناس، فكانت لحظة التحول التي قرر عندها أن ينضم بوصفه طبيبًا إلى مجموعة حرب العصابات التي أطلقت شرارة النضال الثوري المسلح في جبال سييرا مايسترا الكوبية عام 1956، ثم أصبح بفضل قدراته العسكرية الفائقة ضابط جيش متمرد مستمرًا إلى جانب ذلك في إسعاف الجرحى.

في مواجهة الاستعمار

كانت الخطط الاستعمارية للولايات المتحدة هي ما يحاربه جيفارا في نضاله في جميع أنحاء العالم وخاصة في كوبا، وفي رحلته الطويلة رغم عمره القصير، لعب جيفارا دورًا كبيرًا في إلحاق الهزيمة برئيس كوبا حينها فولجينسيو باتيستا حين قاد مقاتلي رجال العصابات في غرب جبال سييرا مايسترا، وبعد هروب باتيستا عام 1959 شغل جيفارا عدة مناصب في الحكومة الثورية الجديدة فكان رئيس دائرة التصنيع في المؤسسة الوطنية للإصلاح الزراعي، ثم وزيرًا للصناعة، ومثّل الحكومة الكوبية في عدة مناسبات في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ومن هنا كانت شهرته فعرفته وأحبته شعوب العالم الثالث خطيبًا مفوه.

وفي أبريل (نيسان) من عام 1965 غادر كوبا ليعود لقيادة حرب العصابات دعمًا للنضال الثوري في الكونجو، وعندها كثرت الأقاويل حول مكان إقامته، وقرأ فيديل كاسترو رسالة وداع تشي جيفارا إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، ليعود جيفارا سرًا إلى كوبا في سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، ومن هناك توجه إلى بوليفيا ليواجه الديكتاتورية العسكرية، لكنه ما لبث أن أُسر في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1967.

جاء أمر قتل جيفارا والمقاتلين الماركسيين الآخرين الذين كانوا يحاولون نقل الثورة الكوبية إلى بوليفيا؛ لإنهاء الحماس الثوري في أمريكا اللاتينية وحول العالم، وفي صباح اليوم التالي أنهى الضابط البوليفي ماريو تيران حياة الثوري، بقرار من الزعيم العسكرى البوليفي الجنرال ألفريدو أوفاندو كانديا، وقد وصفته مذكرة نُسبت للبيت الأبيض – وقعها مستشار الأمن القومى للرئيس ليندون جونسون – بالغباء.

أطاح القرار بخطط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي سعت للقبض على جيفارا حيًا لإضعاف صورته هو ورفاقه، وإلى جانب ذلك كان خطابه الثوري قد تغلغل بالفعل في مجتمعات أمريكا اللاتينية وأنحاء العالم فأحبط الخطط الأمريكية أيضًا.

«نيوزويك»: لم يستطع المكلف الأول بقتله التنفيذ.. كيف قُتل تشي جيفارا؟

 

«محارب لا يستحق الاحتفاء» 

لم تنته القصة بمقتل جيفارا، فبدأت فصول أخرى حكاها محبوه، كثرت الحكايات عن مقتله أيضًا، ووصف تيران – الضابط البوليفي الذي كُلف بالقتل لحظات الإعدام فقال «لم أجرؤ على إطلاق النار» وأكد «في تلك اللحظة رأيت تشي عملاقًا، عملاقًا جدًا؛ كان بريق عينيه شديدًا، شعرت كما لو أنه ينهض، وعندما حدق بي شعرت بالغثيان، اعتقدت أنه وبحركة سريعة كان قادرًا على أن يسلبني سلاحي»، وأخيرًا قال له جيفارا جملته الشهيرة «كن هادئًا، وصوب جيدًا، أنت في النهاية ستقتل رجلًا» لتنطلق الرصاصات القاتلة.

وروت إحدى الممرضات اللاتي رأين جثته بعد إعدامه كيف أصابتهن الصدمة من عينيه المفتوحتين وشعره الطويل ولحيته المرسلة، وأكدت أنه كان يشبه المسيح بنظرته المثبتة عليهن، وهو ما ردده السكان المحليون للبلدان التي حارب فيها جيفارا، وأنه كان قديسًا.

صار جيفارا أيقونة ثورية، عززتها نهايته المبكرة فأضفت هالة أحاطت بالشاب كأنه قديس محارب، وهكذا صار الناس في عشقه مذاهب، بين من يعرف جيدًا تاريخ المحارب اليساري وسيرته وبين من لا يعرف عنه سوى صوره التي صارت وشمًا وتصدرت القمصان، بينما على الجانب الآخر هناك من يرون أن أكذوبة أحاطت بالرجل، ويؤكدون أنه قاتل لا يستحق الاحتفاء، ويطالبون بإزالة تماثيله من الميادين، وخاصة من روساريو المدينة التي ولد بها في الأرجنتين.

مصدر الصورة: semana.com

هنا أيضًا سبب آخر لأن يزيد تقدير محبيه له، فالرجل من أصول ثرية كما تشير اللافتة الحمراء على المبنى السكني الفاخر الذي ولد فيه جيفارا عام 1928 في روساريو، لقد آمن الرجل بالفعل بالحرية وبحق الشعوب في حياة أفضل، رغم أنه كان يعيش حياة مترفة، وقد ضحى بها من أجل مبادئه.

لكن وفي مدينته ذاتها التي يتركز فيها أكثر محبيه يوجد أكثر معارضيه أيضًا، إذ تقوم مؤسسة «Bases» الفكرية بجهود لإقناع مجلس المدينة بإزالة الآثار المتعلقة بجيفارا، ويقول فرانكو مارتين لوبيز مدير المؤسسة: إن جيفارا كان قاتلًا، وإن الثورة الكوبية التي كان جيفارا ثاني قياداتها بعد فيديل كاسترو قتلت أكثر من 10 آلاف شخص، ويؤكد أنه لا يوجد في روساريو من يعرف أي فكرة عن «المذابح» التي ارتُكبت أثناء الثورة.

تهدف «Bases» بحسب تعريفها للمشاركة في أهم النقاشات الجارية حول الحريات الفردية واقتصاد السوق، ولأن تسهم بدور قوي في إحداث تغييرات جوهرية «من أجل انتصار الحرية والانتقال إلى مجتمع من الأفراد المسؤولين وانفتاح الاقتصاد وتقليص دور الحكومة في حياتنا» كما جاء في أهدافها، وهو ما يعني انحيازها التام للأفكار الرأسمالية.

وتقوم في هذا الصدد بإجراء الدراسات وإقامة الندوات والمؤتمرات والحملات الإعلامية أحيانًا لنشر الأفكار القادرة على تحقيق ما تسميه «التقدم» في مجتمعات أمريكا اللاتينية وفق رؤيتها، وفي مقدمة الحملات التي قامت بها المؤسسة «نزع التكريم عن تشي جيفارا»، ولاحقًا قامت المؤسسة حملة بعنوان «أوقفوا مادورو» للتحقيق فيما سمته «جرائم» الرئيس الفنزويلي لتقديمه للمحكمة الجنائية الدولية.

«البطل الرومانسي» والدماء

تسعى المؤسسة لما تعتبره توعية الأرجنتينيين بالقضية، وتؤكد أن الاحتفاء به وإن كان حرية رأي، لكنه لا يجب أن يكون من أموال الدولة، ومن بين ما طلبت المؤسسة إزالته من المدينة تمثالًا لجيفارا ولوحة تشير لمكان ولادته وجدارية في إحدى الساحات، إذ لا يوجد أكثر من ذلك في المدينة التي ولد فيها جيفارا، وهو ما يختلف عما حدث مع رموز أرجنتينية أخرى مثل إيفيتا (زوجة أحد السياسيين) ولاعب كرة القدم ميسي وآخرين، خصصت لهم الدولة متاحف تحمل مقتنياتهم وتعرّف بهم.  

مصدر الصورة :economist.com

تنتج مؤسسة «Bases» فيديوهات تحت شعار «القاتل لا يستحق تكريم الدولة أبرزها يعرض مقطعًا لجيفارا وهو يعد «بمواصلة الإعدام طالما كان ذلك ضروريًا» في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1964. 

ويستغرب الصحافي الكوبي جاكوبو ماتشوبير مؤلف كتاب الوجه الخفي لتشي جيفارا، من أن يسمع محبو جيفارا هذا الحديث ويصرون على كونه بطلًا، ويؤكد أن «البطل الرومانسي» كان أحد المسؤولين الرئيسيين عن عمليات الإعدام التي حدثت في عام 1959 وما قبلها في بلده كوبا حين كان يقود المقاتلين في جبال سييرا مايسترا مع فيديل كاسترو.

ويؤكد جاكوبو أنه يرى في الملصقات والقمصان التي تحمل صور تشي جيفارا «وجه قاتل حقيقي»، قتل كثيرين دون سبب ودون محاكمة، أو بمحاكمات لا تتجاوز مدة الواحدة منها نصف الساعة، أُعدم بسببها كثيرون بذريعة كونهم أتباعًا لديكتاتورية باتيستا، وهو ما لم يتسن التأكد منه، ويؤكد أن بعض الإعدامات التي تمت بعد هروب باتيستا، واستقرار فيديل كاسترو في الحكم، لم يكن لها أي مبرر سوى الانتقام وتعطش النظام للدماء.

معسكرات العمل القسري

ومن جانب آخر يوضح جاكوبو أن تشي جيفارا حين كان رئيسًا لبنك كوبا الوطني تسبب في «كارثة مطلقة» إذ تدهورت قيمة البيزو الكوبي مقابل العملات الأجنبية الأخرى، كما ينتقد جاكوبو ما اعتمد عليه جيفارا لتحفيز العمال حين كان وزيرًا للصناعة من توزيع الميداليات الشرفية، ودفعهم للعمل بشكل أقرب للتطوع، ويؤكد أنه كان أول من أنشأ معسكر عمل في كوبا في شبه جزيرة جواناكابيبس، والذي أرسل إليه مسؤولين أو أعضاء في الحزب الشيوعي لم يمتثلوا للقواعد أو «لم يكونوا ثوريين بما فيه الكفاية»، وهي الخطوة التي مهدت لانتشار معسكرات العمل القسري في كوبا في ستينات القرن الماضي، والتي حُمل إليها المعارضون بحسبه.

في رأي المعارضين له فقد خلفت ما يطلق عليها «الجيفارية» ما يزيد على 10 آلاف قتيل في كوبا على يد النظام الشيوعي، فضلًا عن اضطهاد المثقفين والمثليين والمعارضين، ونفي الآلاف، وتعطل حوالي 11 مليون كوبي عن العمل ومعاناتهم من ظروف صحية ومعيشية سيئة، وقتل وتعذيب عشرات الملايين في معسكرات العمل القسري.

لم يختر الرجل طوعًا أن يغادر كوبا إذًا، لقد فشل في تحقيق أي إنجاز، ولهذا فقط غادرها ليجوب من جديد أنحاء القارة ويعود للحرب، في رأي معارضيه، بينما رأى عاشقوه أنه ترك السلطة ليستكمل مسيرته في مساندة الشعوب لنيل حريتها. 

بينما يراه محبوه مرشدًا للأجيال الجديدة في مواجهة التهديدات الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة بإرادته، وإيمانه بالإنسانية، وشعوره بالكرامة والجرأة وقدرته على الإلهام لبناء عالم أفضل، في رأيهم.

إنه من أهم الشخصيات في تاريخ كوبا وأمريكا اللاتينية كلها، في رأيهم فقد ضحى الرجل بحياته من أجل الفقراء، وفي المكان الذي قُتل فيه كان الرئيس البوليفي السابق إيفو مورالس يكرم جيفارا، وقد تخلى معظم المناضلين الجيفاريين عما كان يسمى «الكفاح المسلح» منذ عقد الثمانينات، وانخرط اليسار في العملية الديمقراطية في البلاد، ومع ذلك لم يزل هناك من يرى أن تأثير جيفارا: التمرد المسلح، قائم بينهم حتى اليوم.

يقول الكاتب جون لي أندرسون أحد كتاب السيرة الذاتية لتشي جيفارا إنه «بموته من أجل مُثله، حصل على مكانته كأسطورة»، ويؤكد أن جيفارا كان بالفعل على استعداد لشن الحرب والتسبب في موت الكثيرين – بمن فيهم هو نفسه – لإنشاء نظام عالمي جديد أكثر عدلًا. ولهذا الهدف ضحى بحياته.

بعد 30 عامًا من إعدامه وصل رفات تشي جيفارا إلى كوبا ليصبح بداية من عام 1997 مكانًا يزوره الملايين من اليساريين من جميع أنحاء العالم، فيما يتناثر في أنحاء القارة عدد ليس بالقليل من معارضيه الذين يسعون للتأكيد على وصفه كقاتل وعنصري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد