ميرفت عوف 8
ميرفت عوف 8

1,052

في الرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقف الرئيس الروسي متفاخرًا أمام الصحفيين ليلعن أن إرسال وحدات شرطة من شمال القوقاز إلى سوريا كانت فكرته الشخصية، ودافعه هو أن هؤلاء يحظون بثقة السوريين كونهم من المسلمين السنة.

وبذلك صارت ثلاث مجموعات قتالية شيشانية وصلت الأرض السورية منذ اندلاع الثورة، أولها المجموعات التي جاءت مع بداية الثورة للقتال مع فصائل الثورة ضد النظام وحلفائه، وثانيها المجموعة التي قاتلت مع «تنظيم الدولة» واقتنعت بمبادئه، فيما جاءت المجموعة الثالثة الموالية لموسكو للقتال مع القوات الروسية بجوار بوتين والرئيس الشيشاني الموالي له.

«مجاهدو الشيشان» مع الانتفاضة السورية

في بداية الثورة السورية، سارعت مجموعات من مقاتلي الشيشان لتلبية ما يعتبرونه «نداء الجهاد العالمي»، فوصلوا سوريا للقتال مع الثوار ضد النظام السوري وحلفائه، حيث تميز هؤلاء بجهوزيتهم العسكرية الكبيرة الناجمة عن قتالهم التاريخي ضد الروس.

قوات روسية في سوريا (المصدر: مجلة فورين بوليسي).

وقد لاقت هذه الفئة قبولًا من السوريين في مناطق المعارضة، حيث شاركوا معهم في معارك هامة في الساحل السوري في عام 2013 وعام 2014، وحققوا انتصارات لصالح المعارضة السورية، وهذه الفئة التي انضمت للمعارضة السورية تسميها مجلة «فورين بوليسي» باسم «الإشكيريون» نسبة للمقاتلين الداعمين لدولة إشكيريا، والذين شكلوا مجموعة «أجناد القوقاز» التي حُسبت على فصيل «هيئة تحرير الشام»، المتغير اسمها لاحقًا إلى «جبهة النصرة»، وهي مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد الشام، كما أسس المقاتلون الشيشان في سوريا كتيبة «جنود الشام» المستقلة بقيادة الأمير «مسلم الشيشاني» الذي انتقل إلى سوريا بعد أن كان يحارب مع القيادي الجهادي الشهير في الشيشان ضد الروس «خطاب»، وكذلك برز القيادي الشيشاني «أبو موسى الشيشاني»، قائد فصيل «أنصار الشام» الذي يتكلم اللغة العربية بطلاقة.

مقاتل شيشاني بسوريا (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

وبالرغم من انصهار هذه الفئة من المقاتلين الشيشان حاليًا إلا أن موقفهم كان رافضًا منذ البداية لـ«تنظيم الدولة»، فتعهدوا بقتالهم، واعتبروا انضمام بعض الشيشانيين للتنظيم يأتي بهدف الشهرة، والدعاية، والمال، وقد شاركوا في صد التنظيم عن قتال فصائل المعارضة السورية في الساحل حتى قتل اثنان منهم في أكتوبر من العام 2013 على يد «تنظيم الدولة»، وكذلك نظرت هذه المجموعة للشيشانيين الموالين لموسكو والمعروفين باسم «القديروفيين» بعداء شديد، ويقول أحد المشاركين في تأسيس مجموعة «أجناد القوقاز»، ويدعى «تيمور ماهاوري»: «الحرب في سوريا ستنتهي، وسنحتاج للعثور على حربٍ أخرى، سنطارد القديروفيين في أي مكانٍ في العالم».

الشيشان في «تنظيم الدولة» لقتال الروس أو التجسس لصالحهم

في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أقدم خمسة عناصر من «تنظيم الدولة» على تنفيذ عملية انتحارية داخل أسوار مطار دير الزور العسكري، وصفت هذه العملية بالنوعية، فلم يسبق أن استغل مسلحو التنظيم ملامح مقاتليهم الشيشان لانتحال شخصية جنود روس تسهل عملية الاختراق.

أبو عمر الشيشاني (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

وفي محاولة لقراءة تفاصيل انضمام بعض الشيشانيين لتنظيم الدولة، يظهر لنا أن غالبية الشيشانيين الذين قاتلوا مع التنظيم يعودون لفصيل «جيش المهاجرين والأنصار» الذي شكل بدايةً تنظيمًا مستقلًا لقتال النظام السوري، فقد غير هؤلاء انتماءهم واندمجوا مع التنظيم، بغية كسب مقاتلين عرب لدعم إمارتهم ضد روسيا، بينما اندفع نحوهم «تنظيم الدولة» لسمعتهم السابقة كأقوى المقاتلين في العالم، فهم يتميزون بالقدرة البدنية وشراسة القتال ويمثلون دعمًا معنويًا لبقية الفصائل.

 «الصورة العامة للشيشانيين في داعش تستند إلى الإنجازات العسكرية التي حققها المقاتلون الذين قاتلوا في حربي الشيشان الأولى والثانية ضد روسيا، والآن يستثمر الشيشانيون ضمن صفوف داعش ذلك»، كما قال مقاتل سابق في التنظيم، وللسبب ذاته كان المدنيون السوريون والعراقيون يهابون بدرجة كبيرة المقاتلين الشيشان أكثر من غيرهم من  المقاتلين الأجانب.

وعند ذكر تجربة المقاتلين الشيشان مع «تنظيم الدولة»، لا بد أن يذكر الشيشاني «طرخان باتيرشفيلي»، الملقب بـ«أبي عمر الشيشاني» والذي يمكن أن يؤرخ لانضمام المقاتلين الشيشان بتاريخ بيعته لزعيم التنظيم، أبي بكر البغدادي، فالرجل ذو الأصول المسيحية أسلم وأطلق لحيته ذات اللون الأحمر، قبل أن ينضم إلى مجموعات المقاتلين الشيشان ضد النظام السوري في العام 2013، لكنه عجل في نفس العام بمبايعة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو من عزَّز صعود المقاتلين الشيشان في التنظيم بعد أن وصل إلى أعلى المناصب العسكرية كأبرز قائد للتنظيم، وقد قتل «الشيشاني» في يوليو (تموز) 2016 خلال معارك في العراق.

وينظر الشيشانيون في «تنظيم الدولة» إلى المقاتلين من أبناء جلدتهم في صفوف الروس، الذين يطلق عليهم اسم «القديروفيين» نسبة إلى الرئيس الشيشاني حليف موسكو، باعتبارهم أعداء، وهو شعور متبادل كما يوضح قول الرئيس الشيشاني «رمضان قديروف» على صفحته على موقع إنستجرام إن: «الدولة الإسلامية تسعى إلى تدمير الدول المسلمة وتشويه صورة الإسلام أمام العالم الذي بات يعتبر الإسلام الشرّ الأسوأ».

وسجلت حالة صدام نوعية بين الجانبين عندما أقدم التنظيم على إعدام شيشاني بتهمة التجسس لصالح المخابرات الروسية في ديسمبر (كانون الأول) العام 2015، وقد نشر التنظيم تسجيلًا مصورًا لهذا الرجل وهو يقول «جئت إلى أرض الخلافة بأمر من المخابرات الروسية، أريد أن أعترف بأهدافي الحقيقية».

وبالرغم من أن «قديروف» نفى الاتهامات بأن الشيشاني كان جاسوسًا، كانت المفاجأة اللاحقة بعد أربعة شهور من حادثة الإعدام، وتحديدًا في فبراير (شباط) عام 2016، عندما أقر «قديروف» بوجود جواسيس من الشيشان اخترقوا صفوف «تنظيم الدولة» لصالح روسيا، فقال: «بفضل عملهم جواسيس فإن القوات الجوية الروسية تدمر بنجاح قواعد إرهابية في سوريا، لقد قاموا بجمع معلومات تستخدمها القوات الجوية الروسية في تحديد أهداف غاراتها».

 ثم جاءت حادثة استعادة «قديروف» لمجموعة من عوائل عناصر التنظيم من سوريا إلى روسيا عبر الشيشان دليلًا آخر على صحة اختراق التنظيم من قبل بعض الشيشانيين، فقد نقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية، يوم التاسع من شهر نوفمبر الماضي خبرًا عن «قديروف» يفيد بنقل مجموعة من 44 امرأة وطفلًا، من سوريا إلى العاصمة الشيشانية «غروزني»، وهي عوائل احتجزتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد تحرير الرقة.

روسيا.. تجلب الشيشانيين للقتال بسوريا ومآرب أخرى

مع بدء التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015، وسيطرة الروس على أماكن عدة، كانت موسكو بحاجة لعناصر عسكرية تخدم في المطارات والمؤسسات التي تستولي عليها، ولذلك اختارت مقاتلين من الشيشان يتكلّمون العربية – حتى اللهجة السورية -، فنشرت أكثر من ألف عنصر شيشاني من القوات الخاصة الروسية بشكل سري، بعد أن تلقوا تدريبًا قويًا على يد قوات الاستخبارات العسكرية الروسية، ثم اختارت من شارك منهم في عملياتٍ قتالية سابقة، وذهبت بهم لسوريا لمساعدة القوات الروسية في العمليات البرية وحراسة مقراتها.

اكتُشف أمر المقاتلين الشيشان الموالين لروسيا عندما سُرّب مقطع فيديو لما يقارب 500 مقاتل كانوا ينتظرون ذهابهم إلى سوريا، واعترف «قديروف» في 24 يناير (كانون الثاني) 2017 بإرسال كتائب من الجنود الشيشان إلى سوريا تحت مسمى «الشرطة العسكرية الروسية»، وقال إنه تم إرسال عسكريين من كتيبتي المهمات الخاصة «الغرب» و«الشرق» من أجل ضبط الأمن في حلب وأيضًا حراسة قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا.

وبينما كانت روسيا تسير نحو تحقيق نفوذها في الشرق الأوسط، كان يجب عليها أن تخفي الأرقام الحقيقية لخسائرها البشرية، ولذلك استعانت بالجنود الشيشان، خاصة أنها تزدري سكان منطقة القوقاز بسبب الحروب السابقة، فكما يقول الصحفي «غريغوري شفيدوف»، الخبير في منطقة شمال القوقاز، لـ«فورين بوليسي»: «سيكون أسهل لبوتين أن يقتل شيشانيين وغيرهم من بلاد القوقاز من أن يقتل روسًا من مناطق أخرى».

كما أن للأمر بعدًا دينيًا، فقد ارتأت موسكو إرسال جنود مسلمين من أتباع المذهب السني إلى سوريا في محاولة كسب قلوب قطاع من السوريين الذين ذاقوا الويلات من هجوم الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، وكي تظهر روسيا وكأنها لم تتخل عن السنة كما حدث في حلب، حيث ظهر هؤلاء أثناء تأديتهم للصلاة في المسجد، وفي النقطة العسكرية التي يتواجدون بها.

«قديروف» يقدم خدماته لروسيا على الأرض السورية

«أقسم بالله أن كثيرين، بدءًا من حاكمنا، يحلمون بالذهاب إلى هناك. يحسد الناس من يذهب إلى هناك أمثالكم»، هكذا أقسم مفتي الشيشان، صلاح ميجييف، بل دفعته الحماسة أمام جنود شيشان يقاتلون في سوريا لقسم آخر، يؤكد فيه أن قديروف طلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: «إرساله إلى هناك، وقال إنه يحلم بالذهاب إلى هناك للدفاع عن المسلمين».

مقاتلون شيشان (المصدر: وكالة «سبوتنيك» الروسية).

بالرغم من أنه حاكم للشيشان ذات التاريخ الطويل في القتال ضد روسيا، إلا أن الرئيس الشيشاني، رمضان قديروف عكف على استخدام سلطته وقبضته الحديدية لخدمة المصالح الروسية، فهو الحليف المقرب من الرئيس الروسي «بوتين»، الساعي دائمًا للتماشي مع السياسة الخارجية لروسيا.

ولذلك لم تكن سوريا بعيدة عن ساحة نطاق تقديم خدماته لروسيا، فلم يكتفِ الرجل بـ«مباركة» التدخل العسكري الروسي بسوريا منذ أيامه الأولى في العام 2015، بل لم يمانع البتة بـ«محاربة الحثالة في سوريا» كما قال، لقد بدأ التحرك في إطار مبادراته المعتادة راعيًا للأعمال الإنسانية ومدافعًا بارزًا عن الإسلام، فبعث «قديروف» في بداية العام 2017، أقرب مستشاريه «آدم دليمقنوف» ومفتي الشيشان «صلاح حاجي ميجييف» إلى سوريا، والتقى الرجلان بشقيق الرئيس السوري، ماهر الأسد ورجال آخرين للنظام السوري، وقد برر هدف هذه الزيارة بأنه جاء لـ«حفظ السلام والنظام في حلب، وحماية السكان المدنيين من هجمات الإرهابيين».

قديروف (المصدر: أسوشيتد برس).

استخدم «قديروف» أيضًا وسيلة الإغداق بالمساعدات الإنسانية لتحقيق غاية الولاء لموسكو، فقدم الصندوق الإقليمي العام الذي يحمل اسم والده «أحمد حاجي قديروف»، الكثير من المساعدات العينية لسوريين في دمشق واللاذقية وطرطوس، وكان أبرز مساهمات هذا الصندوق هو تكفله بإعادة تأهيل جامع بني أمية الكبير في حلب المدرج على قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي بعد أن دمّره «تنظيم الدولة».

في الحقيقة إن «قديروف» لم يتبع أسلوبًا شفافًا سواء في دفع الشيشان نحو القتال بسوريا أو بتقديم للمساعدات المالية ضمن إطار مشاريع مؤسسة «قديروف»، فقد مُلئ صندوق المؤسسة بالمساهمات الإلزامية من الشعب الشيشاني، أما فيما يتعلق بدفعهم نحو القتال، فتذكر مصادر عدة أن القوات الروسية تجند شيشانيين مثليي الجنس للقتال في سوريا بعد ابتزازهم، وتنقل صحيفة «Meduza» حكاية شيشاني اسمه «رسلان» أظهر له عملاء من جهاز الأمن الاتحادي الروسي، شريط فيديو سريًّا يكشف عن علاقته الحميمة مع رجل آخر، قبل أن يهددوا بفضحه أنه مثلي الجنس، إذا رفض العمل
لصالح جهاز الأمن الفيدرالي في سوريا.