تجلس هذه الفتيات بزي موحد في الصفوف الأمامية في ملاعب كرة القدم أو السلة، وتقدم عروضًا قبل وخلال المباراة. ويُنظر للفتيات في فرق التشجيع على أنهن جزء ترفيهي أساسي يتوقعه المشجعون وشبكات التلفزيون والمصورون في الملاعب الرياضية.

وعلى مدى عقود طويلة اتبعت إدارات هذه الفرق فلسفة بائعي الجنس، حيث ترتدي الفتيات ملابس ضيقة وقصيرة، وتلوحن بالكرات، وتستمر بالرقص طوال المباريات؛ حيث أغلبية المشجعين من الرجال. ومع كل ما قد تلقاه الفتاة في هذه المهنة فهن يخضعن لرقابة شديدة تستند على ما يقرب من 12 كتيب وصف وظيفي من اتحاد كرة القدم الأمريكي، وكثير من قواعد الوظيفة غير المكتوبة.

وغالبًا يترك الاتحاد الفرصة للأندية الوطنية لوضع ضوابطها الخاصة على عمل الفتيات في فرق التشجيع، ووفق هذه الضوابط فإن العمل في المباريات الرياضية ليس سوى جزء ضئيل من المهام غير المريحة والآمنة المفروضة عليهن. وقد نشرت وسائل الإعلام العديد من كتيبات اتحاد كرة القدم الأمريكي لطبيعة عمل وقوانين فرق التشجيع، ومن نصوصها ما قد يشكل تصور لطبيعة هذه المهنة والصرامة في التعامل مع كل فتاة تدخل هذه الفرق.

حدث ذات يوم في كوستاريكا

بطلب من إدارة فريق كرة القدم الأمريكي واشنطن رد سكينز سافر فريق للمشجعات إلى كوستاريكا في عام 2013، وكان هدف الرحلة المعلن لـ36 فتاة هو الذهاب هو التقاط بعض الصور، بمجرد أن وصلت الفتيات إلى مقصدهن، قام المسؤولون عن الرحلة بجمع جوازات سفرهن، لجعل فكرة سفر إحداهن بمفردها أمرًا مستحيلًا لعدم وجود ما يثبت هويتها الرسمية؛ ما أثار قلق الفتيات منذ البداية.

Embed from Getty Images

أُجريت جلسات التصوير في منتجع أوكسيدنتال جراند باباجايو في خليج كوليبرا، والمخصص للبالغين فقط، وطلب المسؤولون من الفتيات خلع ملابسهن وأن يكنّ عراةً من أجل جلسة التصوير، على الرغم من أن الصور ستظهر للإعلام وفي مفكرات الاتحاد. تم إجبار الفتيات على الظهور عاريات بعد تهديدهم بعدم القدرة على العودة لبلدهن، وبالفعل لم ترتدي الفتيات شيئًا خلال جلسة التصوير وسط الطبيعة، والتي كانت في منتجع منعزل تمامًا، ولكن التف أعضاء فريق نادي رد سكينز ودعوا لكثير لمشاهدة الفتيات العرايا، كما كان مسموحًا لرعاة الاتحاد والمساعدين بالمشاهدة أيضًا.

عملت الفتيات هذا اليوم لمدة 14 ساعة، وفي نهاية يوم شمل الكثير من المهام، اختار مسؤول الرحلة تسع فتيات، وأخبروهن بأنهن لم ينجزن مهامهن بعد من أجل الحصول على رواتبهن، وأن عليهن مرافقة بعض رعاة الاتحاد، مرافقة شخصية، في ملهى ليلي، وأن عليهن الاستعداد في الحال، لتدخل الفتيات في حالة من البكاء الهستيري. وقد انزعجت فتيات الفريق بعدما أخبرهن المسؤول أنهم أدوات جنسية في هذه الرحلة، ومن مهامهن إرضاء رعاة الاتحاد، كما نقلت الفتيات، وقالت واحدة من فريق المشجعات: «عادت الفتيات في حالة سيئة ونفسية مدمرة، وكان جميعنا يعلم بالضبط ما الذي تم».

بعد انقضاء الرحلة والعودة إلى واشنطن، اكتشفت الفتيات أنهن لن يتلقين مقابلًا ماديًا عما قمن به، وأن الرحلة التي استمرت أسبوعًا من العمل المتواصل لم تدفع فيها إدارة الفريق سوى تكاليف النقل والوجبات والسكن، كما نقلت الفتيات لوسائل الإعلام.

ردت إدارة فريق «واشنطن رد سكينز» ببيان على ادعاءات الفتيات، وفيه: «إن برنامج رد سكينز لفرق المشجعات يتبع برنامج اتحاد كرة القدم الأمريكي في المهام الموكلة للفتيات وخدمتهن للمجتمع، وكل مشجعات رد سكينز محميات بتعاقدهن معنا لضمان بيئة عمل آمنة وبناءة. وإن العمل الذي تقوم به المشجعات في مجتمعنا وزيارتهم لقواتنا العسكرية في الخارج، ودعم فريقنا في الملاعب، لهو أمر تفخر به إدارة وجمهور نادي (رد سكينز)». وقال المتحدث باسم اتحاد كرة القدم الأمريكي: «ليس لنا دور في كيفية استخدام الأندية لفتيات فرق التشجيع».

بعد حادث انتهاك علني: الروبوتات الجنسية تطالب القانون بحمايتها من البشر!

لا للملابس الداخلية

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» بعض قواعد اتحاد كرة القدم الأمريكي لفتيات التشجيع الخاصة بالنظافة الشخصية، مثل بعض تقنيات الحلاقة وإزالة الشعر، واستخدام السدادات القطنية بدلًا عن الفوط الصحية خلال فترة الحيض، والامتناع عن ارتداء ملابس داخلية خلال العمل أسفل الأزياء المخصصة. وفي حالة فريق كارولينا بانتيرز، وبالتيمور رافينز تصل فتيات فريق التشجيع إلى ملعب المبارة قبل انطلاقها بخمس ساعات، ويتم إزالة أي ثقوب بالجسم أو أوشام أو إخفاءها بأدوات التجميل، ثم الاستحمام وخلع ملابسهن الخاصة.

وكانت المشجعات في بالتيمور تخضعن لاختبار وزن بشكل منتظم، فوفقًا لكتيب اتحاد كرة القدم الأمريكي لعام 2009، فإن الفتيات يجب أن يحافظن على وزن محدد ومثالي، ومسموح لهن بكيلو جرام فقط للزيادة والنقصان، وإلا تصبح الفتاة محرومة من العمل، وبالتالي فلن تتقاضى أي رواتب، مع ملاحظة أن راتب الفتاة في فريق المشجعات ثابت عند الحد الأدنى للأجور بأمريكا – بعد دعوى قضائية للحصول على الحد الأدنى للأجور عام 2014 – مقابل مهامها المنصوص عليها بكتيب الاتحاد، مثل بيع تذاكر اليانصيب، وبيع مفكرات الاتحاد، والظهور في الاحتفالات الخيرية وبطولات الجولف، وإعلانات لرعاة الاتحاد، ومع ذلك لا تأخذ الفتيات نصيبًا من العائدات.

Embed from Getty Images

قامت  بعض الفتيات بقيادة ليزلي ليفي برفع دعوى قضائية ضد السيطرة الكاملة للنوادي الوطنية على سلوكيات الفتيات المشجعات خارج مكان العمل، والتمييز بينهن وبين الذكور في بيئة العمل، وخاصة التمييز في الأجور، وحققت القضية نجاحًا جزئيًا في عام 2016، ودفع اتحاد الكرة ما يقارب من 325 ألف دولار من الأجور المتأخرة للفتيات، ولكن لم يحدث شيئًا لبقية الشكوى.

لم تكن التعويضات كافية لأن المعروض لا يتناسب مع المطلوب، حيث توظف معظم الفرق بضع عشرات من المشجعات اللواتي يخضعن لاختبارات كفاءة الأداء وسط مئات من المرشحات في كل عام، وعليهن مع ذلك الحفاظ على وظيفتهن وسط هذا العدد، بالإضافة إلى أن المدة الأقصى للفتاة لشغل هذه الوظيفة رغم تخطيها اختبارات كل عام هي أربع سنوات فقط، وفوق ذلك يتضمن الدليل الوظيفي لفتيات التشجيع لفريق أوكلاند ريديتيتس توقيع عدة غرامات عليهن، مثل دفع الفتاة 10 دولار أمريكي إذا حركت الكرات بشكل خاطئ خلال التدريب، أو لم تقم بتلميع حذائها يوم المباراة، أو نسيت قطعة أو كل زيها الرسمي يوم المباراة، وهو ما يتخطى راتب الفتاة في اليوم الواحد، حيث إنها تتقاضى خمسة دولارات عن كل ساعة عمل.

ترى الفتيات أنه من غير العادل أن يكسب النادي أموالًا طائلة بينما هن يتلقين القليل من المال، وتتحملن متطلبات غير العمل مثل مساحيق التجميل والزي الموحد والنقل الخاص بهم، ثم سماع مدير الفريق وهو يجيب على الهاتف: «كم فتاة تريد؟ ولكم ساعة؟ وهل تريد منهن الرقص أيضًا؟» ليشبهنه بأنه أقرب إلى مدير بيت دعارة.

قواعد صارمة لتواصل على الإنترنت وفي الواقع

تقوم إدارة فريق «نيو أورليانز ساينتس» بطرد الفتيات اللواتي ينشرن صورًا أو مواد على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد قامت بعض الفرق التابعة للاتحاد بوضع ضوابط واسعة على حياة الفتيات خارج أماكن العمل، مثل الحد من نشاطهن على مواقع التواصل الاجتماعي، والأشخاص الذين يتعرفون عليهم حديثًا، والاختلاط مع الآخرين، ووضع قيود على اختيارهن لألوان طلاء الأظافر والإكسسوارات والملابس.

Embed from Getty Images

وتقوم بعض الفرق من منع الفتيات في فرق التشجيع لديهم من الرقص في مسابقات أو الظهور عارية خارج أماكن العمل، أو أداء دور بالأفلام، أو التقاط صور في ملابس السباحة، أو نشر صورة في الزي الرسمي على مواقعهن للتواصل الاجتماعي، وعدم التعرف على اللاعبين، والحديث معهم، ومنع أي لاعب يحاول التعرف عليهن. ووفقًا لكتيب فريق مشجعات «سان فرانسيسكو جولد راش» لعام 2016، فعلى الفتيات ألا تكشفن أبدًا عن عملهن بالفريق، وألا يستخدمن تطبيقات GPS على الهاتف، وهي التطبيقات التي تشير إلى أماكن تواجدهن.

بعد طرد نادي «نيو أورليانز سانتس» لها على استخدامها لتطبيق الصور «انستجرام»، قالت بيلي ديفيس أنها اتبعت قواعد الفريق، وكانت صفحتها خاصة، بحيث لا يتمكن شخص من غير الأصدقاء رؤية ما تنشره، ورغم ذلك قام النادي بطردها بعد نشرها صورة ترتدي فيها ملابس بحر من قطعة واحدة. تقدمت ديفيس بشكوى إلى لجنة تكافؤ فرص العمل لتطبيق الحقوق المدنية بأن قواعد العمل لدى اتحاد كرة القدم قد عفى عليها الزمن وتقوم على أساس التمييز، حيث كان من ضمن أسباب طرد ديفيس حضورها حفل عيد ميلاد أحد اللاعبين في الفريق، وهو ما تمنعه القواعد، وتمنع مجرد التواصل معهم عبر الإنترنت، ولكن لا تقوم القواعد بمعاقبة اللاعب الذي يلاحق أحد فتيات التشجيع، كما لا يمنع النادي اللاعبين من التصوير وعرض أنفسهم والتسويق لمهاراتهم، في حين يحظر ذلك على فتيات التشجيع.

تنص كتيبات الاتحاد الأمريكي لكرة القدم على عدم تناول فتيات فريق التشجيع للطعام في نفس المطعم الذي يتواجد فيه اللاعبين، وإذا صادف ودخلت فتاة أحد المطاعم ووجدت أحد لاعبين فريقها فإن عليها المغادرة فورًا، حتى إذا كانت هي أول من حضر وأتي بعدها اللاعب. كما تفرض شروط المهنة على الفتاة استخدام اسم مستعار على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصل عددهم ألفا فتاة باسم مستعار، وذلك من أجل منع اللاعبين، في حين أن اللاعب لا تحده أية حدود عن متابعيه.

«كوني مهذبة ولطيفة إذا تعرضتِ للتحرش»

هناك قواعد أخرى يتم تطبيقها داخل بيئة عمل المشجعات تجعلها بيئة غير ثابتة اجتماعيًا، فهي دائمة التغيير لأعضائها، فتقول الفتيات أن من تشتكي من الشروط الصارمة للعمل يتم طردها والاستبدال بها بسهولة، وأن هذا التهديد حقيقي، وموجود في العلاقة بين الموظف وصاحب العمل. فيتم إرسال المشجعات إلى المستشفيات وحفلات أعياد الميلاد والبارات وحفلات بالشركات والمولات التجارية للمساعدة في تعزيز فريقهم بدون أمن.

Embed from Getty Images

وقد وصفت عشرات الفتيات الاستغلال الجنسي المنهجي الذي تعرضن له عند شحنهن، في مرحلة ما بعد المبارة، إلى  الفرق الفائزة، وتجمعات كبيرة يتعرضن فيها للتعليقات الجنسية الهجومية واللمسات غير المرغوب فيها من قبل المشجعين، ويواجهن الأشخاص المخمورين بحمالات الصدر والجونلات القصيرة، كما يمكن إرسال الفتيات لمنازل المشجعين ذوي النفوذ وهم يشاهدون مباريات كرة القدم ويشربون البيرة.

تنص كتيبات وصف المهنة للفتيات المشجعات على إمكانية إرسالهن إلى حفلات سرية أو أجنحة في فنادق أو منازل، وقد قامت إدارة فريق دالاس كاوبويز بتدريب فتياتها على التصرف إذا تعرضن للتحرش باللفظ أو اللمس بشكل غير لائق بألا يزعجن المشجعين، وأن تبتعد عن المتحرش ليشعر بأنها غير راغبة في ذلك :«استخدمي لغة جسدك لردع الموقف، وكوني مهذبة، ولا تطلبي الأمن».

تعرف النوادي الوطنية معنى أن يدفع لها المشجعون من أجل حضور الفتيات، لذا يتم فصل الفتيات اللواتي يشتكين من التحرش والاعتداءات الجنسية، كما أن بعض الأندية تطلب من فتيات فرق التشجيع لديهم التوقيع على اتفاقية عدم الإفصاح متضمة الحالات التي يتعرضن فيها للتحرش.

نادرًا ما تشتكي الفتيات في هذه الفرق من التحرش، فبخلاف اتفاقية عدم الإفصاح فهن خائفات من إبعادهن عن وظيفتهن، وتقول الفتيات اللواتي تعرضن بالفعل للتحرش أن هناك ضغوطًا متأصلة تدفعنا للكتمان :«فهناك دومًا فتاة أخرى يمكنها القيام بعملك».

Homepage

«نحن مجرد وسيلة لدغدغة مشاعركم»

تم إثارة قضية ظروف عمل فتيات فرق التشجيع بعد تقديم مشجعتين سابقتين شكوى ضد اتحاد كرة القدم الأمريكي، ولحقتهما عدة فتيات قدمن شكوى بتعرضهن للتمييز ووصفوا بيئة عملهن بأنها عدائية، ويتم معاملتهن كأجساد ووسائل لإشباع رغبات الرعاة الرسميين الجنسية خارج أرضية الملعب.

وقد تفكك فريق المشجعات في نادي بوفالو بيلز بسبب تقدمهن بطلب الحد الأدنى للأجور، لتخرج الفتيات عن صمتهن وتحكين عن خضوعهن للاختبارات على أيدي مديري الفريق من الذكور – لا تتولى النساء إدارة فريق المشجعات – الذين طلبوا منهن القفز لعدة دقائق لفحص ما إذا كان لحمهم يهتز. وكان على الفتيات حضور بطولات الجولف التي يلعب فيها الرعاة الرسميون لاتحاد كرة القدم، والذين يدفعون الكثير للأندية مقابل أن تأتي الفتيات مرتديات «البكيني» وترقصن في الملعب، كما اكتشفت الفتيات أن صفحاتهن على «فيسبوك» كانت مراقبة من قبل مسؤولي الفريق دون علمهن.

Embed from Getty Images

وتشترط بعض الأندية على فتيات فريق التشجيع بيع مفكرات الاتحاد بأنفسهن مرتديات ملابس البحر من قطعتين «البيكيني» قبل كل مباراة، وبيع حصتهن كاملة للمعجبين المارة، وإذا فشلت الفتاة في بيع حصتها عليها السير من مكانها والتوجه للطرقات من أجل بيعها، خاصة وأن الفتيات يشترين المفكرات مسبقًا قبل بيعها.

وتحكي مشجعة سابقة لدى فريق دالاس كاوبويز عن موقف تحركت فيه هي وزميلاتها من الباب الخلفي للنادي يحتمين في بعضهن، وتقول: «بينما كنا نسير في موقف سيارات النادي في طريقنا، حاول أحد اللاعبين لفت نظري بالتلويح والابتسام لنا، حتى قال: أتمنى أن يتم اغتصابكن». لم ترد الفتاة على اللاعب، فهي تعلم كيف يتم النظر إليها.

وقد أجرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلات مع عشرات من فتيات فرق التشجيع باتحاد كرة القدم الأمريكي الحاليات والسابقات، وكشفت الفتيات عن وجهة نظر مشتركة في عملهن، فكن يعتقدن بداية أنهن سيشجعن ويرقصن في الملاعب، ويذهبن في رحلات للترفيه عن القوات العسكرية الأمريكية، وعن الأطفال في المستشفيات، وبعض الأعمال الخيرية، ولكن ما حدث أن الاتحاد يجبرهن على مهام غير آمنة.

«خادمات وعاهرات وعمال بالسخرة».. ماذا تعرف عن الاتجار بالبشر في الوطن العربي؟

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!