استقطب حدث وفاة الشيخ «حمزة القادري بن العباس»، شيخ الطريقة البودشيشية في المغرب، اهتمامًا إعلاميًا وسياسيًا مثيرًا للدهشة، لما تتفرد به الزاوية البودشيشية من مكانة متميزة داخل النسق الديني والسياسي للبلاد، جعلتها أحد أعمدة التصوف الديني في المغرب.

https://www.youtube.com/watch?v=j0cloKHZago

وتوفي الشيخ «بنحمزة» بعمر 95 عامًا، بعد أن استمر في مشيخته على الزاوية البودشيشية زهاء 45 عامًا، مخلفًا وراءه طريقة فريدة في التصوف، لها أتباعها بعشرات الآلاف داخل البلاد وخارجها، حجّ آلاف منهم لتأبين جثمانه تحت الثرى. وترك الزعيم الروحي وصيته قبل سنوات من وفاته، ليرثه نجله، «جمال الدين البودشيشي»، مستكملًا مسيرة الزاوية.

الموقع الديني للزاوية البودشيشية في المغرب

تملك الزوايا تاريخًا متجذرًا في ذاكرة المغرب، ولعبت أدوارًا اجتماعية وسياسية طلائعية، غير وظيفتها الدينية الأصلية، خلال الفترة التي عاشها المغاربة قبل الاستقلال، حيث عرف المغاربة منذ القدم تقديس أولياء الزوايا والتبرك بهم، حتى كان لكل بلدة وقرية زاوية وولي خاص بها.

وكان الإنسان المغربي يلجأ للزوايا حينها من أجل دفع الأخطار المحدقة به من كل جانب، وجلب «البركة» في الأرض والرَّحِم، فكانت بالنسبة له الملاذ الوحيد وسط الحياة القاسية آنذاك، بفعل تفشي الأوبئة والمجاعات والفيضانات والاجتياحات من القبائل الأخرى المعادية التي كانت تفتك بالناس، قبل أن تتحسن ظروف العيش في عصرنا اليوم.

وبفعل التحديث المتواصل في البلاد، تقلصت شيئًا فشيئًا مكانة الزوايا داخل المجتمع المغربي، وتراجعت أدوارها المجتمعية خاصة بالمدن، بيد أنه في العقد الأخير، لاعتبارات دينية وسياسية، بدأت تنتعش بعض الزوايا بعينها في الساحة المغربية، الزاوية البودشيشية واحدة منها.

يعود أصل الطريقة البودشيشية في المغرب، إلى عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني، في القرن الخامس الهجري وهو أحد أهم أعمدة التصوف الإسلامي، وإليه تنسب الطريقة، وسميت بالبودشيشية، لأن أحد شيوخها وهو الشيخ علي بن محمد، كان يطعم بيده الفقراء أيام المجاعة طعام «الدشيشة»، وهو الشعير المطحون رخيص الثمن، داخل زاويته، فاشتهر ذلك المكان بالزاوية البودشيشية.

وعرفت الزاوية البودشيشية شيوخًا، يحرصون على رعاية طريقتها في التصوف، جيلًا بعد جيل، كان آخرهم الراحل الشيخ بنحمزة، الذي تولى أمور الزاوية منذ عام 1972، حتى وفاته قبل أيام، وشهدت الزاوية خلال عهدته إشعاعًا ملفتًا تجاوز البلاد إلى خارجها.

وقد اتبع الشيخ طريقًا فريدًا في التصوف، سماه بـ«إصلاح الحقائق»، يقوم على «السمو في مدارات الروح دون كشف الحقائق»، وتثبيت العلاقة بين الشيخ والمريد، ودعم السلطة الملكية بالمغرب علانية، واشتهر بجملته المعروفة المجسدة لنهجه «تصوف الحقيقة قد ولّى زمانه، والمطلوب اليوم إصلاح الخلائق، لا إطلاق الحقائق».

لكن هناك لغط كبير حول التبرك المفرط بالرجل من قبل مريديه، وإقحام زاويته في الشأن السياسي للبلاد، فيما يرى السلفيون طريقته المتصوفة «بدعًا شرْكية، تنحرف عن نهج السلف، ينبغي مسحها».

وتبقى الزاوية البودشيشية، واحدة من أشهر الزوايا في المغرب، التي تملك مريدين من البلد ومن جنسيات مختلفة، بمن فيهم من متعلمين وسياسيين وباحثين، بالإضافة إلى الحظوة المادية والدينية التي تهبها لها السلطة.

الزاوية والسلطة في المغرب

منذ التاريخ القديم، عرفت العلاقة بين الزاوية والمخزن مستويات مختلفة من التفاعل، تراوحت ما بين الصراع والقرب، تبعًا لقوة الزاوية ومواقفها من السلطة المركزية، حيث كان المخزن يلجأ إلى الاستعانة بدعم الزوايا لضبط مجالاته القبلية وضمان الولاء السياسي للقبائل، وكان يستقوي ببعض الزوايا، من خلال عطاياه وهباته، لمواجهة زوايا أخرى رافضة لسلطته السياسية.

لكن هذه العلاقة شهدت تغيرًا، بعد ظهور الأحزاب السياسية مكان الزوايا والقبائل، حيث تراجعت أدوار الطرق الصوفية في الناس، وغدت سوى مزارات روحانية، لا تملك نفوذًا يذكر داخل المجتمع، فلم تعد قادرة على منافسة السلطة السياسية كما كانت من قبل.

قاد هذا الضعف الذي لحق الزوايا الصوفية بالمغرب في الفترة الحديثة، إلى اندثار الكثير منها، في حين أصبحت القلة الباقية منها عرضة للاستخدام السياسي من قبل السلطة حسب الاحتياجات، وذلك يدخل في إطار توظيف السلطة للبنيات التقليدية من أجل التحكم.

 

في هذا السياق، ساهمت الدولة في إنعاش الزاوية البودشيشية، ولا سيما بعد الثورات العربية في 2011، من خلال تقديم الهبات ورعاية مواسم الزاوية، وتنظيم ملتقيات دولية لها، علاوة على الترويج الرسمي لرموزها وأنشطتها في الإعلام.

ومن ثمة لم يكن غريبًا الحضور الوازن للسلطة في تأبين الراحل الشيخ بنحمزة، عندما تقدم وفد يضم كلًّا من مستشاري الملك ووزراء في الحكومة، الموكب الجنائزي المهيب لزعيم الطريقة البودشيشية، ناهيك عن أن الملك «محمد السادس» خصص برقية تعزية للزاوية وعائلة الفقيد.

التوظيف السياسي للبودشيشية

استعملت السلطة في المغرب الزوايا الصوفية عمومًا، والزاوية البودشيشية خصوصًا، لسد مجموعة من الاحتياجات من أجل ضبط التوازنات الدينية والسياسية للبلد، ويمكن رصد هذا التوظيف السياسي للبودشيشية على مستويات عدة.

حرصت الزاوية البودشيشية على إعلان مواقفها المساندة للسلطة، خاصة في المحطات السياسية الفارقة في المغرب، والتي كان آخرها احتجاجات حركة «20 فبراير» (شباط) عام 2011، إبان ما سمي حينها بـ«الربيع العربي»، حيث خصصت بلاغًا رسميًا تدعو فيه المغاربة إلى التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء حول دستور 2011، وخرج مريدوها آنذاك، بنحو 80 ألف شخص، لدعم الدستور الذي أعلنه الملك، مثيرين دهشة الرأي العام والإعلام من حجم الخزان الشعبي الذي تملكه هذه الطريقة الصوفية.

من جانب آخر، شكلت الزوايا الصوفية بالنسبة للسلطة الحجر الأساس في سياسات الإصلاح الديني الذي باشرته بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لمواجهة الإسلاميين والسلفيين في سياق سباق الاستقطاب الديني للمغاربة، وعلى هذا الأساس كان تعويل السلطة على الزاوية البودشيشية لمحاصرة ظاهرة التطرف ومنافسة الإسلام السياسي في رقعته التقليدية، بهدف ضبط توازنات المجال الديني، بالإضافة إلى ذلك مثلت الطريقة البودشيشية ملاذًا لرجالات الدولة لتحقيق أمنهم الروحي وضمان ولائهم.

 

وعلى صعيد ثالث، لعبت الصوفية البودشيشية دورًا فعالًا في السياسة الخارجية المغربية، بفعل التسويق لها دوليًا، فمن جهة أولى ترسم أمام الغرب صورة حداثية متسامحة، بعيدة عن التيارات الأصولية، لتدين السائد بالبلد، حتى إن دبلوماسيين أجانب يزورون الزاوية، وسبق للسفير الأمريكي أن زارها مع زوجته قبل أسابيع، وهو ما يدعم صورة المغرب دوليًا. ومن جهة ثانية تستعين الدولة المغربية بامتدادها الروحي، من خلال الزوايا الصوفية، لدعم سياسة الانفتاح نحو جنوب القارة الإفريقية، مما يعزز حضور المملكة إفريقيًا.

ويخشى بعض المهتمين بالتصوف أن يُسهم التوظيف السياسي للزوايا الصوفية من قبل السلطة في تشويه هذه الطريقة من التدين، وتنميطها كنهج شعبوي تسلطي، قد ينفر الناس منها، بدلًا من أن تحافظ على استقلاليتها كمدرسة روحانية تربوية معرفية، بعيدة عن شؤون السياسة.

اقرأ أيضا: هكذا يُصبح الأحياء مرتهنين بالأموات: القصة الكاملة لثقافة «الأضرحة» في المغرب

عرض التعليقات
تحميل المزيد