السينما تجسيد للواقع؛ لذا يحاول صانعو الأفلام نقل الواقع وتأثيراته إلى الشاشة بواقعية كبيرة، مستخدمين برامج الحاسوب وتأثيرات السينما والخدع الفنية، فيما ساعد علم الكيمياء في إضفاء المزيد من الواقعية على تلك المشاهد السينمائية، وهذا ما سنتناوله في السطور التالية.

منازل وسيارات مشتعلة: نيران مزيفة ومنمنمات محترقة

هل بالفعل يشعلون النيران في المنازل والسيارات؟ بالطبع لا، فعند الحاجة إلى مثل التأثيرات السينمائية، يعمل فنيو الألعاب النارية ذوو الخبرة على إجراء تفاعلات كيميائية لإنتاج الحرارة والضوء والصوت، يستخدم الفنيون لإنتاج النيران أنبوبًا عموديًّا متصلًا بمصدر للغاز القابل للاحتراق، ثم يشعلونها بشرر كهربائي.

مصدر الصورة: coopersfire

عادةً ما يكون الغاز المستخدم هو غاز البروبان في وجود الهواء للحصول على الأكسجين الذي يساعد على الاشتعال، ولإضافة بعض السخام واللون إلى اللهب النظيف الناتج، يمكن إضافة كميات صغيرة من الوقود الأخرى، كذلك يمكن إضافة عناصر من مجموعة الفلزات القلوية كالبوتاسيوم، ومجموعة الفلزات القلوية الترابية كالمغنسيوم، ويجري التفاعل على النحو التالي: C3H8 + 5O2(g) → 3CO2(g) + 4H2O(g)

أما في حال كان المطلوب تصوير حريق لعقار ضخم أو سفينة هائلة، فيلجأ صانعو الألعاب النارية إلى المنمنمات لجعل الانفجارات والحرائق سهلة الاحتواء. والمنمنمات هي نسخ صغيرة مماثلة لنظيرتها الكبيرة المراد إحراقها، وعند إشعال النيران في المنمنمات، يأتي دور التصوير لإظهارها في صورة أكبر عبر توجيه عدسات التصوير من زوايا معينة.

جروح الأسلحة البيضاء: تفاعل كيميائي بين الجلد والسكين

تتكرر مشاهد حوادث السيارات والشجار بالأسلحة البيضاء في الكثير من الأعمال الفنية، فتتناثر الدماء هنا وهناك، وقد تتساءل من أين يأتون بكل هذه الدماء؟ والحقيقة أن هذا ليس دمًا بالأساس.

يلجأ صانعو الأفلام إلى سحر الكيمياء لإنتاج مادة لونها مشابه تمامًا للون الدم، وللحصول عليه يستخدمون مركب حديديك قابل للذوبان في الماء (إما كلوريد الحديديك أو نترات الحديديك) مع مركب ثيوسيانات البوتاسيوم.

ويكون التفاعل على النحو التالي: Fe(NO3)3(aq) + 3KSCN(aq) → Fe(SCN)3(aq) + 3KNO3(aq)

لنتخيل سويًّا أحد المشاهد الشائعة، حينما يطعن أحد الأشخاص شخصًا آخر فتسيل الدماء، هنا تكون حافة السكين – غير الحادة للدواعي الأمنية- مغموسة في نترات الحديديك السائلة، بينما تكون مادة ثيوسيانات البوتاسيوم عديمة اللون موجودة على الجلد، وحين التلامس يحدث تفاعل كيميائي ينتج منه مادة ثيوثيانات الحديديك ذات اللون الأحمر الدموي، والمعروف بالدم المزيف، وهناك اتجاه آخر لاستخدام ألوان الطعام للوصول إلى درجة لون الدم الحقيقي، فإما أن يمزج اللون مع شراب الذرة الخفيف، وإما أنه يخلط مع سائل منظف الأطباق.

كسر الزجاج: السكر هو الحل

يضرب زميله بالزجاجة فوق رأسه، فيتناثر الزجاج ليملأ الأرجاء، حتمًا ستكون النتيجة وجود بعض الإصابات أولها الرأس المضروب، ولكن لا بد أن هناك خدعة يلجأ إليها صناع السينما لتفادي إصابة الممثلين وطاقم العمل، فما هي؟

الزجاج المستخدم في المشاهد السينمائية ليس زجاجًا حقيقيًّا، وإنما يُصنع من تسخين السكر والماء مع إضافة شراب الذرة لمنع تبلور السكر مرة أخرى، يمكن صنع زجاج ملون بإضافة ألوان طعام إلى الخليط أثناء الصنع. رغم أن خطورة زجاج السكر قليلة جدًّا مقارنة بالزجاج الحقيقي، فإنه قد يتسبب في حدوث بعض الإصابات.

في الوقت الحالي، أصبح استخدام الراتنجات الحرارية شائعًا في صنع الزجاج المستخدم في التأثيرات السينمائية. تُستخدم في هذه الصناعة مجموعة من الراتنجات المشتقة من الستايرين (مركب كيميائي عضوي معين لديه الصيغة الكيميائية C8H8)، وتُسخن حتى 300 درجة مئوية ثم تسكب في قالب معدني ساخن، وعندما تبرد يمكن تكسيرها بسهولة، كما يمكن إعادة تسخينها وتشكيلها من جديد.

الضباب: عليك بالثلج الجاف

ينشأ الدخان بوصفه ناتجًا ثانويًّا لعملية الاحتراق، ويكون الدخان الناتج من الاحتراق عبارة عن خليط من الغاز والسائل وبعض الجزيئات الصلبة التي تشكل خطورة على صحة البشر؛ لذا لا يخوض صناع السينما تجربة حرق الأشياء في كل مرة يريدون الحصول على تأثيرات دخانية في أماكن التصوير، لكنهم يلجؤون إلى البدائل.

يعد استخدام النيتروجين السائل أو الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون الصلب) مع الماء الساخن من أبسط الطرق وأكثرها أمانًا للحصول على الدخان، ويكون الدخان المنطلق في هذه الحالة عبارة عن بخار ماء شديد البرودة، لكنه لا يكون ناجحًا في الحالات التي تتطلب ضبابًا خفيفًا متطايرًا، لأن الضباب الناتج من النيتروجين السائل أو الثلج الجاف يكون أكثر كثافة وأثقل من الهواء.

ولتحقيق الكثافة المطلوبة، لجأ صناع الأفلام إلى استخدام مركب رباعي كلوريد التيتانيوم الذي يتحلل فور تعرضه للهواء، ويتحد مع بخار الماء لينتج قطرات من حمض الهيدروكلوريك وجزيئات أوكسي كلوريد التيتانيوم.

ويكون التفاعل على النحو التالي: TiCl4(s) + H2O(l) → TiOCl2(s) + 2HCl(aq)

نواتج هذا التفاعل خطيرة لدرجة أن هذه الطريقة لم تعد مستخدمة في صناعة الأفلام، وحلت مكانها طريقة أخرى لإنتاج الدخان من تفاعل حمض الأستيك مع أحد مركبات سيكلوهيكسلامين مثل رابع كلوريد التيتانيوم، إلا أن الدخان الناتج من هذا التفاعل شديد الاشتعال وسام للبشر أيضًا.

استقر صناع التأثيرات السينمائية في النهاية على استخدام طريقة أقل سمية وأقل تكلفة، وتكون عن طريق استخدام خليط من الماء والجليكول، وهو ما يعرف تجاريًّا باسم عصير الضباب، ويمكن التحكم في كثافة الضباب بتغيير نوع الجليكول، حيث يكون الضباب الناتج من استخدام البروبلين جليكول أكثر كثافة من الناتج من استخدام الجلسرين. وينشأ الضباب في هذه الحالة عن طريق تمرير عصير الضباب عبر فوهة شديدة السخونة ومرتفعة الضغط، ثم رشه في الهواء، وتساعد المروحة في الحصول على توزيع مثالي للضباب، من أجل التأثيرات السينمائية المطلوبة.

وثلوج لا تذوب لأجواء شتوية طوال العام

لتصوير مشاهد رومانسية أسفل حبات الثلج المتطايرة، لن ينتظر مخرج العمل قدوم فصل الشتاء القارس، وإن كان التصوير في أيام الشتاء، فكيف له أن يتنبأ بموعد سقوط الثلج بالطريقة والكمية التي يريدها؟

من أجل هذه التأثيرات، كان استخدام الثلج الصناعي هو الحل الأمثل، في البداية، صُنع الثلج الصناعي من خلال مادة الفوميت الموجودة داخل طفايات الحريق، مع السكر والماء والصابون، وكان هذا الثلج قابلًا للرش ليجعل المشهد أكثر واقعية.

لم تعد هذه الطريقة شائعة حاليًا، وأصبح استخدام بولي أكريلات الصوديوم أكثر شيوعًا في صناعة السينما؛ ولأنها مصنوعة من تكرار وحدات متكررة من المونومر، فإن لها قدرة فائقة على امتصاص الماء.

عندما يذوب بولي أكريلات الصوديوم في الماء، تحل جزيئات الماء محل أيونات الصوديوم وتشكل روابط هيدروجينية قوية مع مجموعات حمض الكربوكسيل، يتضخم البوليمر، لكن الروابط بين السلسلتين تمنعه ​​من الذوبان؛ وتظل جزيئات الماء محاصرة داخل شبكة البوليمر، ومع إضافة المزيد من الماء، يتشابه القوام بشكل ملحوظ مع مسحوق الثلج، يتميز ثلج البولي أكريلات بالحفاظ على مظهره فترة طويلة دون الانضغاط على عكس الثلج الحقيقي؛ ما يمنح التأثيرات السينمائية النتيجة المطلوبة.

مجتمع

منذ شهر
عالم بلا بشر ووحوش في الشوارع! كيف يخدع بعض مؤثري السوشيال ميديا متابعيهم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد