المدافع الإيطالي صاحب ال37 عامًا كان عنصرًا أساسيًّا في بطولة أمم أوروبا، التي توجت بها إيطاليا منذ يومين؛ لا سيما وأن العديد من اللقطات الطريفة له خلال البطولة نُشرت نشرًا مكثفًا على مواقع التواصل الاجتماعي: مثل لقطة جذبه للاعب إنجلترا ويكي ساكا، وعناقه العنيف لجوردي ألبا لاعب منتخب إسبانيا في مباراة النصف النهائي.

على الرغم من كبر سنه؛ كيلليني لم يكن ضمن كتيبة إيطاليا التي توجت بكأس العالم عام 2006 في ألمانيا، فضلًا عن ذلك؛ فهو قبل انتصار ليلة الأحد؛ كان قد عاش العديد من لحظات الانكسار في البطولات الدولية والقارية؛ أولاها كان في عام 2012 عندما هُزمت إيطاليا في نهائي البطولة الأوروبية بهزيمة ثقيلة بأربعة أهداف مقابل صفر لصالح منتخب إسبانيا، ثم هزيمته هو ورفاقه في يوفونتس أمام برشلونة في نهائي دور أبطال أوروبا عام 2015، ثم تكرار الخسارة نفسها أمام ريال مدريد عام 2017، فبات رجل يألف الانكسارات وعلى موعد دائم مع خيبات الأمل.

مسيرة كيلليني سواء كانت مع يوفنتوس أو منتخب إيطاليا؛ بها العديد من المحطات الملهمة والصعبة والمضحكة في بعض الأحيان، وفي هذا التقرير سوف نأخذك عزيزي القارئ في رحلة لتعرف أكثر عن المدافع الصلب جورجيو كيلليني.

كيلليني يوفنتوس.. فضيحة ونكسة ووفاء وانتصار

في عام 2005 كان كيلليني على موعد مع خطوة محورية في تاريخه الكروي؛ عندما انتقل إلى نادي يوفنتوس الإيطالي أحد أعرق أندية الكالتشيو (الدوري الإيطالي). ابتسمت الحياة له حينها وضحكت أكثر عندما فاز بلقبه الأول للدوري في الموسم نفسه؛ ولكن سعادته لم تكتمل بسبب فضيحة «الكالتشيو بولي».

كيلليني في أول ظهور له مع يوفنتوس، مصدر الصورة: بلانيت سبورت

في يوليو (تموز) عام 2006 أصدر القضاء الإيطالي مجموعة أحكام نهائية في قضية الكالتشيو بولي على عدة أندية إيطالية – كان يتصدر قائمتها نادي يوفنتوس – بعد ثبوت تورط تلك الأندية في قضايا تلاعب بالمباريات من خلال التهديدات ومنح الرشاوي للقائمين على بطولة الدوري وحكام المباريات.

قائمة عقوبات فضيحة الكاليتشوبولي، مصدر الصورة: بي بي سي

وكان نصيب يوفنتوس من الأحكام قاسيًا بعض الشيء؛ فقد جرى تجريده من لقب بطولة الدوري التي حصل عليها عام 2005، بالإضافة إلى خصم جميع النقاط التي حصل عليها في مسابقة الدوري عام 2006 وبذلك أصبح في المركز الأخير بعد أن كان متصدرًا؛ ومن ثم هبط إلى الدرجة الثانية.

بسبب هذا القرار رحل العديد من نجوم الفريق عن يوفنتوس كان من بينهم قائد منتخب إيطاليا الحاصل على كأس العالم في العام نفسه، كانافارو، الذي انتقل إلى ريال مدريد، فضلًا عن السويدي إبراهيموفيتش، الذي ذهب إلى نادي إنتر ميلان الإيطالي وسيطر معه على لقب الدوري بعد هبوط يوفنتوس.

كيلليني في أول مباراة له مع يوفنتوس في دوري الدرجة الثانية، مصدر الصورة: بي بي سي 

ولكن قائمة أخرى من النجوم الإيطاليين والدوليين رفعوا شعار الوفاء ليوفنتوس، وظلوا في الفريق حتى صعدوا بالفريق مرة أخرى إلى الدوري الإيطالي؛ كان من بينهم الحارس الإيطالي جيجي بوفون ونجم منتخب إيطاليا أندريا بيرلو والنجم التشيكي نيدفيد، وعلى الرغم من أنه أتى قبل عام واحد فقط بالإضافة إلى تلقيه عدة عروض هو الآخر للرحيل، فإن كيلليني كان وفيًّا لجماهير يوفنتوس وظل في الفريق.

الإصابة لا تمنع كيلليني من اللعب، مصدر الصورة: دايلي ميل

وعندما عاد يوفنتوس إلى الدوري الإيطالي مرة أخرى لم يكن بالقوة نفسها التي كان عليها عندما هبط، ولكن كيلليني ورفاقه ظلوا مع الفريق حتى فاز بالدوري عام 2012، وفي عام 2013 فاز يوفنتوس مرة أخرى بالدوري بعد أن حصل على 102 نقطة، وهو أعلى عدد نقاط وصل إليه نادي فائز بالدوري في الدوريات الأوروبية جميعًا، وسيطر بعدها يوفنتوس على بطولة الدوري حتى الموسم الماضي الذي فاز به إنتر ميلان.

المدافع الكلاسيكي الذي لا يحب جوارديولا

الدفاع ثم الدفاع ثم الدفاع، الدفاع هو ما يميز المدرسة الكروية الإيطالية، في كافة البطولات التي فازت بها إيطاليا – باستثناء يورو 2020 – كان الدفاع وغلق المساحات على المنافس هو أهم سمات الأداء الإيطالي؛ حتى إنه في كثير من الأحيان كان المُنتخب الإيطالي يُتهم بقتل متعة كرة القدم؛ ولكن الطليان يؤمنون دائمًا بالمبدأ الكروي الشهير الذي يقول: «البطولات والمباريات الكبيرة تُكسب ولا تُلعب».

أما عن كيلليني فهو مدافع كلاسيكي يمتلك كل الصفات والمهارات الدفاعية المناسبة لطريقة «كاتيناتشو (Catenaccio)»، وهي آلية الدفاع الإيطالية الأشهر والتي تعتمد على الدفاع والضغط وغلق المساحات على المنافس من خلال الدفاع بمجموعة كبيرة من اللاعبين، ويكون المدافعون هم مركز الطريقة وهدفهم الأهم هو قطع الكرة والقضاء على هجمات المنافس، لا سيما وأن كاتيناتشو في اللغة الإيطالية تعني «مزلاج الباب».

 

وفي عام 2018 هاجم كيلليني المدرب الإسباني بيب جوارديولا وقال: «خطط جوارديولا دمرت أجيالًا من المدافعين الإيطاليين»، وفسر كيلليني تصريحه بعد ذلك بأن الأدوار الجديدة التي منحها جوارديولا اعتمادًا على ابتداء اللعب من الخلف ونقل الكرات بين أطراف الملعب، جعلت منهم يظهرون بشكل أنيق، ولكن تلك التكتيكات التي طبقها جوارديولا في برشلونة ثم بايرن ميونخ، ولاحقًا في مانشستر سيتي؛ أنست المدافعين دورهم الأساسي، وهو قطع الكرات ومنع المنافس من التسجيل.

وبالطبع من ينتقد فيلسوف الهجوم الكروي في العقد الأخير، عادةً ما يكون في المركب نفسها مع أنصار خطط الدفاع الكلاسيكية، مثل المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي، وصف كيلليني قائلًا: «كيلليني يمكنه أن يقدم تدريبًا احترافيًّا عن الدفاع في جامعة هارفارد الأمريكية»، وجاء التصريح في سياق حديث مورينيو في مؤتمر صحفي عقب هزيمة مانشستر يونايتد – الذي كان يديره مورينيو – أمام يوفنتوس في إحدى مباريات دوري أبطال أوروبا عام 2018.

على جانب آخر فإن أهم ما يميز أداء كيلليني في السنوات الماضية هو ثبات أدائه الدفاعي، رغم تعرضه للإصابة أكثر من مرة؛ ولكن في كل مرة كان يعود كما كان وأحيانًا أفضل. 

كيلليني يتعامل بجدية مع الدفاع ضد هجمات المنافس دون النظر إلى نتيجة المباراة؛ فإذا نظرنا إلى مباريات بطولة أمم أوروبا 2020؛ سوف نجد مثلًا أنه في مباراة إيطاليا وتركيا، تحديدًا في الدقيقة الثانية من الوقت بدلًا من الضائع، نفذ كيلليني انزلاقًا حماسيًّا في منطقة الستة أمتار ليقطع الكرة من أمام المهاجم التركي قبل أن يسجل هدفًا، رغم أنه لو كان سجل هذا الهدف لم يكن ليؤثر في سير المباراة، لأن إيطاليا كانت متقدمة بثلاثة أهداف مقابل صفر؛ ولكن إيمان كيلليني بدوره قائدًا للفريق منعه من التخاذل.

 

مشهد ساكا ليس الأول.. مشاهد غير مألوفة لكيلليني في الملاعب

إن لم تشاهد النهائي الأوروبي بين إيطاليا وإنجلترا؛ فأنت على الأرجح شاهدت العديد من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحتوي على هذه اللقطة التي يجذب فيها كيلليني المدافع العملاق قميص لاعب إنجلترا الصغير، ساكا، من الخلف حتى أسقطه أرضًا؛ تلك اللقطة التي تناولها الجميع في سياق مُضحك على مواقع التواصل الاجتماعي؛ يمكن أن تُصنف أحد العوامل التي منحت إيطاليا اللقب؛ لأن ساكا لو مر بالكرة كان من الممكن أن يقود هجمة خطيرة على المرمى الإيطالي تنتهي بهدف يقتل أحلام الطليان ويمنح الإنجليز اللقب.

في مباراة النصف النهائي، كان لكيلليني مشهد غريب آخر عندما لكم قائد المنتخب الإسباني، جوردي ألبا، وهو يضحك أثناء قرعة تنظيم ركلات الجزاء الترجيحية، وبعد القرعة احتضنه في عناق شديد وهو يضحك، صنفه البعض فيما بعد أنه كان محاولة من كيلليني للسخرية من جوردي ألبا وإفقاده ثقته بنفسه قبل ركلات الجزاء، وهو الأمر الذي أنكره كيلليني تمامًا موضحًا أنه كان فقط على سبيل الدعابة ليس أكثر.

في كأس العالم عام 2014، وأثناء مباراة إيطاليا ضد منتخب أوروجواي؛ على ما يبدو أن المهاجم الأوروجوياني، لويس سواريز، كان قد ضاق ذرعًا من ضغط كيلليني عليه طوال المباراة وتدميره لأي محاولة يحاول سواريز خلقها للتسجيل أو حتى استلام الكرة؛ لذلك، وفي إحدى الألعاب الهوائية عضَّ سواريز كيلليني في الكتف في واقعة شهيرة أنكرها سواريز خلال المباراة، ولكنه اعترف بعد أن وقع عليه الاتحاد الأوروبي عقوبة الإيقاف، واعتذر في بيان رسمي لكيلليني في تغريدة على حسابه الرسمي على موقع «تويتر».

«الخبث جزء من كرة القدم. لتجاوز منافس يجب أن تتحلى بالذكاء»، وردت هذه العبارة على لسان كيلليني في كتاب سيرته الذاتية، وهي توحي لنا بالكثير عن شخصيته في الملعب، وهي الشخصية التي من الممكن أن يختلف معها الكثيرون أو يروها لا تجسد أفضل معاني الروح الرياضية والتسامح، لكنه على الجانب الآخر نموذج في الإصرار الدائم على الفوز والتحمل والجلد. إنه العجوز الذي أثرى مكتبة كرة القدم بلقطات لا تنسى، بعضها يطفح بالحماسة والعنفوان، والآخر لا يخلو من الفكاهة.

قصة إنسان

منذ 7 شهور
«ماتت كرة القدم».. ماذا لو حكت نابولي وبوينس آيرس والقدس قصة مارادونا؟

المصادر

تحميل المزيد