في أغسطس (آب) من عام 2016؛ أعلنت منظمة اليونيسيف عن وجود أكثر من 700 مليون حالة زواج أطفال في العالم، منهم ما يقرب من رُبع مليون فتاة تزوجت قبل سن الخامسة عشرة. وأوضحت اليونيسيف أن نسبة من هؤلاء الفتيات يتعرضن إلى اضطرابات نفسية وصحية قد تؤدي إلى الوفاة أحيانًا. وعندما نقرأ عن حالات زواج الأطفال أو القُصّر، ونفكّر في البيئة الثقافيّة أو المنطقة الجغرافيّة التي قد تكثر فيها هذه الحالات؛ فأوّل ما سيقفز إلى مخيلاتنا أنها قد تحدث في الدول العربية أو الشرق الأوسط بشكل عام، أو في الدول الفقيرة في آسيا أو في إفريقيا، ولكننا قد نصدم عندما نقرأ أن الولايات المُتحدة الأمريكية شهدت ما بين عامي 2000 و2015 أكثر من 200 ألف حالة زواج أطفال، مُعظمهم من الفتيات. جميعنا بالطبع سيستغرب حدوث مثل هذه الجرائم في الدولة التي تستضيف فوق أراضيها أكبر مؤسسات حقوق الإنسان والجمعيات المدافعة عن الطفولة والمحاربة للبيدوفيليا، ولذلك في الأسطر القادمة، سنطّلع على حجم هذه الظاهرة المُثيرة للجدل، ومدى انتشارها في الولايات المُتحدة.

بعض الحالات تزوّجت في سن العاشرة!

طبقًا لمجموعة إحصائيات قامت بها مؤسسة «Unchained At Last»؛ فإن 207.468 قاصرًا قد «تم إجبارهم» على الزواج في الولايات المُتحدة في الفترة من عام 2000 وحتى عام 2015، وتقول المؤسسة التي أنشأها مجموعة من المتطوّعين الذين عانوا من الزواج الإجباري في طفولتهم: إن هذا الرقم أقل بكثير من الحقيقة، لأن هنالك ثماني ولايات في أمريكا لم توفّر نتائج دقيقة لحالات زواج القصر الفعلية التي حدثت فيها.

وشهدت ولاية «نيوجيرسي» وحدها ما يقرب من 3500 حالة، بعضها لم تتجاوز العروس فيها 13 عامًا، ولكن 70% من الحالات تتراوح أعمارهم ما بين 16 و17 عامًا. وتشهد الحالات زواج ذكور قصّر أيضًا، ولكن الغالبية التي تعاني من هذه الظاهرة هن الفتيات. أما عن أصغر الحالات؛ فشهدت ولاية تينيسي أصغر حالة زواج لفتاة عام 2006 وكانت الفتاة حينها في سن العاشرة، حيث جرى تزويجها لشاب يبلغ من العمر 25 عامًا.

وفي استطلاع رأي قام به مركز «Tahirih» لأكثر من 3 آلاف حالة من حالات زواج القصّر، حدثت جميعها في الولايات المُتحدة في الفترة بين عامي 2009-2011؛ فإنّ 90% من هذه الحالات تم إجبارها على الزواج المُبكر قبل أن تبلغ سن الثامنة عشرة، وقد جرى هذا الإجبار باستخدام أساليب عدة: مثل العنف المنزلي، والتهديد. وأوضح الاستطلاع أيضًا أن بعض أسر المُهاجرين زوّجوا بناتهم وهن طفلات بسبب تهديدات بترحيلهم من الولايات المُتحدة، في حالة رفضهم عروض الزواج من رجال أصحاب نفوذ.

 

زواج الأطفال مُتاح في 27 ولاية أمريكية

في عام 2014، أصدرت ثماني دول نامية قانونًا بتجريم ومنع زواج القصر دون 18 عامًا، هذه الدول كانت: جواتيمالا، وزيمبابوي، والسلفادور، وتنزانيا، وجامبيا، وتشاد، وملاوي، وهندوراس. وعلى الرغم من ضعف حالة حقوق الإنسان في هذه الدول؛ إلا أنها مضت قدمًا في طريق القضاء على ظاهرة زواج الأطفال، في نفس الوقت الذي تشهد فيه الولايات المُتحدة، الكيان الأكبر اقتصاديًا وسياسيًا في العالم والأكثر مناداةً بحقوق الإنسان في العالم 27 ولاية لا يوجد في قوانينها حدّ أدنى للسن التي يسمح للفتيات بالزواج فيها، وفي ثماني ولايات أخرى الحد الأدنى للزواج أقل من سن 16، مثل ولاية ألاسكا وولاية شمال كارولينا التي تنصّ قوانينها على أن الحد الأدنى للزواج بالنسبة للفتيات هو 14 عامًا. أمّا في ولاية نيوهامبشير، فإن الحد الأدنى هو 13 عامًا بالنسبة للفتيات و14 عامًا بالنسبة للفتيان.

زواج الأطفال

الحد الأدنى للزواج في الولايات المُتحدة – مصدر الصورة «Tahirih».

وعلى الرغم أيضًا من أن القانون العام للزواج في الولايات المُتحدة لا يسمح للفتيات بالزواج قبل سن 18؛ إلا أن نظام الحكم الفيدرالي في الولايات المُتحدة يسمح لبعض الولايات أن تسن مجموعة من القوانين الخاصة بها، لذلك تسمح معظم الولايات في أمريكا للقضاة الذين يوثّقون حالات الزواج بمنح استثناءات لزواج أطفال لم يبلغوا السن القانونية بعد. وهذه الاستثناءات ليست محددة في معظم الولايات، لذلك ففي بعض حالات يسمح للفتاة القاصر بالزواج من شخص اعتدى عليها جنسيًا، ويسمح للفتيات القصّر بالزواج من صديقها الذي مارست معه علاقة حميمة أدّت إلى الحمل.

وفي حالاتٍ أخرى – وهي الأكثر شيوعًا – في زواج الأطفال في الولايات المُتّحدة: يتم الموافقة على توثيق حالة الزواج من فتاة قاصر أو طفلة بعد الحصول على موافقة أبويها فقط، دون حتى تدوين موافقة الطفلة على الزواج، وبالطبع فإن الآباء في الأغلب يقومون بإجبار الفتيات على الزواج، ولا يحق للقاضي أو للموظف الذي يُجري عملية توثيق الزواج الاعتراض في حالة موافقة الأبوين، حتى وإن كانت الفتاة تبكي وتنتحب أمامه؛ فهو لا يملك الصلاحيّة القانونية لتسجيل اعتراضه.

في مايو (آيار) الماضي، وتحديدًا في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، عُرِضَ مشروع قانون عُرف باسم «A3091»، والذي يجرّم ويمنع زواج الأطفال دون سن ـ18 تحت أي ظرف من الظروف، ولكن هذا المشروع رُفِض بشكل مُباشر من حاكم الولاية والمرشح الرئاسي السابق «كريس كريستي»، وبرّر كريستي رفضه بأن هذا القانون سوف يدفع الحكومة للدخول في نزاعات مع المجتمعات الدينية والمحافظة في ولاية نيوجيرسي، والتي تشتهر بأنها أكثر الولايات الأمريكية التي تشهد حالات الزواج من الأطفال.

 

نهايات تعيسة: التسرُّب من التعليم والأمراض

جميع الحالات الموثّقة لزواج الأطفال طالت كل المجتمعات والطوائف من المسلمين والمسيحين بمختلف طوائفهم، واليهود وحتى المجتمعات العلمانية. وتنتشر هذه الظاهرة في الأسر المتوطنة في الولايات المُتحدة منذ زمن، وأيضًا بين المُهاجرين، فلا يوجد فئة عرقيّة أو دينيّة بعينها تكثر فيها هذه الظاهرة، ولكن الشيء الوحيد المتّفق عليه بين هذه الحوادث هو أن الفتيات اللاتي يتعرضن لحالات زواج قصري قبل بلوغ عامهن الثامن عشر يكنّ أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان والضغط العصبي بنسبة تزيد 23% عن هؤلاء اللاتي يتزوجن بعد عامهن الثامن عشر. ومعظم هؤلاء الفتيات تُفسد روابطهن الاجتماعية بعد الزواج في سن صغيرة؛ فيبتعدن عن أصدقائهن ويتسرب معظمهن من التعليم لأنهن أصبحن مسؤولات عن أسرة وأطفال. وفي حالة حدوث طلاق – وهو ما يحدث غالبًا – تجد الفتاة نفسها في مأزق معقد للغاية، فمن الممكن أنها لم تتجاوز العشرين بعد، ويتوجب عليها العمل من أجل رعاية طفل أو طفلين أو ربما ثلاثة. ولأن الفتاة قد تتزوّج في أغلب الحالات من رجل يكبرها بعقد أو اثنين؛ فغالبًا ما تكون عرضة للعنف المنزلي، مما يسبب لها اضطرابات نفسية، دفعت بعضهنّ بالفعل إلى الانتحار.

المصادر

تحميل المزيد