عادة ما يجري تصوير الأم على أنها رمز الحب والرفق واللطف، تربت وتحنو وتمتد يدها بالطعام والعناية، ولكن. ليس ثمة ضمانات، فاليد ذاتها يمكن أن تقتل دون مقدمات، فمنذ اليوم الأول بعد الولادة وحتى سنوات، يظل احتمال القتل قائمًا، دون أي ريبة حول الأم، حتى يصير الاحتمال حدثًا أكيدًا، وسط وجوه مذعورة تتساءل مرة بعد أخرى «كيف يمكن للأم أن تصير قاتلة؟»

نعم خطرت لي الفكرة!

«أعرف انه لا تقاس أعمار الأمهات بالسنين، ولكن بما استودعه الله في قلوبهن من خير العطاء فإذا انتهى أخذهن الموت» *محمد حسن علوان

“نعم خطرت لي أفكار سيئة بشأن ابني»، تتحدث، مروة عصمت، طبيبة شابة، خاضت تجربة اكئتاب ما بعد الولادة مرتين، تقول: «بعد ولادة ابني الأول أصابني اكتئاب ما بعد الولادة، لم أكن أعرف كيف يمكنني التعامل مع هذا الطفل الصغير، والذي صار فجأة مسئولًا مني، كنت أتألم من جرح الولاده القيصرية، وتجربة الرضاعة للمرة الأولى، لم يكن لدي خلفية عن أي شيء، كنت أشعر بالرعب كلما نظرت إلى «سرته» ذلك الجزء الذي أنتظره كي ينفصل عن جسد صغيري، كنت أشعر بالعجز حين يبكي، وقتها –منذ تسع سنوات- لم يكن هناك محموعات «فيسبوك»، أو ثقافة مشاهدة «يوتيوب» كي أشعر أنها ليست مأساتي وحدي، أو حتى أتلقى بعض الدعم».

يتصور البعض أن التجربة الأولى قد تمنح الأم مناعة من تكرار المأساة، لكن هذا لا يحدث دائمًا، تقول مروة: «رزقت بابني الثاني عقب ثماني سنوات، لكنني فوجئت بنوع مختلف من الاكتئاب، هذه المرة كانت لدي المعرفة، وقرأت، كان لدي استعداد لكنني لم أكن قادرة على التأقلم، بسبب ذلك التغيير الكبير الذي حدث في حياتي فجأة، قبل ولادة ابني الثاني كنت أستطيع الحركة بحرية، أخرج وأسافر، كانت السفرية الأخيرة حين تركته لجدته وسافرت وصديقتي الإسكندرية ليومين، لكنني صرت مقيدة من جديد، لم يعد لدي وقت خاص أو خصوصية من أي نوع، ابني الثاني كان كثير البكاء، لدرجة مؤذية، حتى إنني لشدة الشعور بالاستياء بدأت تراودني أفكار سيئة بشأنه!».

قتل بالجملة.. ما السبب؟

«الأمهات يمتن مبكرًا.. حتى إن امتد بهم العمر الي الثمانين!» *رضوى عاشور «قطعة من أوروبا» 

قتل فردي أو بالجملة، هكذا تتحول الفكرة إلى فعل قيد التنفيذ لدى أمهات كثيرات، لعل أشهرهن حاليًا تلك السيدة المصرية بمحافظة الدقهلية والتي أقدمت على قتل أطفالها الثلاثة (أكبرهم 10 سنوات وأصغرهم أربعة شهور)، والتي أنهت حياتهم ذبحًا قبل أن تبادر بقتل نفسها أيضًا دون جدوى، إذ نجت لتبقي في المستشفى في حالة سيئة.

لم يكن ذلك هو الحادث الوحيد من نوعه، الفعل ذاته سبقتها إليه أم بريطانية أقدمت على قتل أبنائها الثلاثة أيضًا، خنقًا، لكن المحكمة برأتها حيث ثبت معاناتها باكتئاب ذهاني حاد، واضطراب عاطفي ثنائي القطب من النوع الثاني، ما أدخلها في حالة من الوهم والذهان.

تشير دراسة إلى أن الأمهات القاتلات يعانين من اكتئاب متكرر وذهان، وربما خضعن لعلاج سابق للصحة العقلية أو عانين من أفكار انتحارية، وقد حدد الباحث فيليب رينسيك خمسة دوافع أساسية لدى الأمهات، تدفعهم لقتل أطفالهن هي:

  • الإيثار: فتقتل الأم طفلها بدافع الحب وتعتقد أن الموت في مصلحة الطفل، كي لا يواجه عالمًا لا يطاق، وغالبًا ما تعتقد الأم مريضة الذهان أنها تنقذ طفلها من مصير أسوأ من الموت.
  • الذهان الحاد: في هذه الحالة تقتل الأم أطفالها دون أي دافع، فقد تتبع الأم هلوسة وأوامر وهمية بقتل أطفالها.
  • سوء المعاملة القاتل: في هذه الحالة لا يكون القتل مقصودًا، أو نتيجة متوقعة، ولكنه يحدث نتيجة سوء معاملة الأطفال التراكمي والإهمال المزمن للطفل.
  • انتقام: في هذه الحالة تشعر الأم بأن طفلها يمثل لها عائقًا، وأنه -الطفل- غير مرغوب فيه.
  • انتقام من الزوج: هذه واحدة من أندر الحالات، فنادرًا ما تقتل أم طفلها لإيذاء الوالد عاطفيًّا!

الموت للذكور وأطفال العام الأول

«الميلاد وجه الموت، الموت قفا الحياة، لا شيء مجاني في هذه الدنيا، عندما تمنحك الحياة شيئًا فهذا لا يعني أنها تحبك أو تؤثرك، بل يعني ذلك – وببساطة متناهية – أنها تعقد صفقة معك، وسيكون ثمة ثمن لكل شيء» –  *بثينة العيسى «تحت أقدام الأمهات» 

في دراسة بعنوان «قتل الأطفال» توصل الباحث دي ليستر، إلى أن قتل الذكور يحدث بمعدل أعلى من معدل قتل الإناث في العالم، وأن معدل قتل الاطفال عمومًا كان أعلى في الدول التي تظهر فيها معدلات الانتحار أعلى، لكن هل القتل مرتبط أكثر بعمل معين؟

هذا ما سعت دراسة بريطانية بعنوان «وأد الأطفال في إنجلترا» لقياسه، إذ خلصت إلى أنه في ويلز بإنجلترا يكون الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة واحدة معرضين لخطر الوقوع ضحايا للقتل، أكبر بأربعة أضعاف من الأطفال الأكبر سنًّا أو عامة السكان، وظل المعدل السنوي لقتل الرضع 45 طفلًا لكل مليون، ثابتًا منذ صدور قانون لمكافحة جرائم قتل الأطفال عام 1957 عكس الانخفاض التدريجي في معدل وفيات الرضع.

وأوضحت الدراسة أن الأطفال من اليوم الأول في حياتهم يكونون عرضة للخطر، إذ شكل الاطفال حديثو الولادة 21% من الضحايا، أما 13% من القتلى فكانت أعمارهم بين يوم واحد إلى شهر واحد، وأثبتت الدراسة النتيجة التي سبق للدراسة السابقة تأكيدها، فقد تبين أن الضحايا من الذكور أكبر من الإناث، خاصة في الشهور الثلاثة الأولى، ولأن كثيرًا من الأمهات لا يعترفن في البداية، فقد تبين عبر الدراسة أنه يجري تسجيل الأم مشتبهًا به عادة، ويوجَّه الاتهام فعليًّا إلى 36% منهن فيما بعد، وقد أدينت جميع الأمهات المذكورات في الدراسة بقتل أطفالهن، باستثناء اثنين.

حسنًا، دراسة إضافية حول الموضوع ذاته أكدت أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 شهرًا لديهم أعلى معدل للإيذاء في جرائم القتل مقارنة بأي فئة عمرية أخرى، بل إنه ثمة اعتقاد بأن جرائم القتل لهذه الفئة العمرية بالذات أقل من الحقيقة وتخضع للتشويه في الوقت نفسه !

وهكذا يصير فعل القتل «ترند»

لم يكد حادث سيدة الدقهلية وأطفالها الثلاثة يقع حتى اجتاحت مواقع التواصل الرسالة الأخيرة للسيدة، وكافة التفاصيل- الدقيقة جدًّا- حول الأمر، الدكتور إيهاب هندي، أخصائي الطب النفسي وعلاج الادمان بالمعهد القومي للجهاز العصبي والحركي في مصر، كان واحدًا ممن تابعوا الحادث، وحوادث أخرى مشابهة عديدة، توقف كثيرًا عند خطوة نشر رسالة وتفاصيل قتل الأطفال الثلاثة والانتحار.

يقول في حديثه مع «ساسة بوست»: «تداول تفاصيل حالات قتل الاطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي وإتاحة بيانات الأطفال الصحية، وتفاصيل حياة الأم والعائلة، من أول دقيقة لآخر دقيقة، بالنسبة لنا نحن الأطباء النفسيين، أكبر مشكلة، لأن أي شخص لديه ميول انتحارية سيرى مثل تلك النماذج محفزة له، هكذا يصير معدل الانتحار أكثر ثلاثة أضعاف، الأمهات الراغبات في الانتحار وقتل أطفالهن يصير لديهن نموذج حي للمشهد المخيف، يرين كل هذا الاهتمام، وكافة التفاصيل التي يحلمون بها، بوصفها أحلامًا ومشاعر، سواء كن يتلقين علاجًا أو لا، فجأة يصير الحلم واقعًا، ويصير التنفيذ واردًا في أي لحظة، كأن أمرًا ما أضاء في العقل فجأة، هكذا تبدأ خطوة اتخاذ الاجراءات».

يواصل هندي حديثه قائلًا: «ثمة فوضى في التشخيصات، ما إن يظهر خبر لأم قتلت أطفالها، حتى يجري تشخيصها فورًا باكتئاب ما بعد الولادة، في حين أن أي طبيب يحتاج لأجل الوصول إلى التشخيص وقتًا طويلًا جدًّا، مهما كان التشخيص. هناك دائمًا تشخيص مبدئي قد يتغير عقب شهر أو اثنين، ومع رحلة العلاج قد تتغير التصنيفات الطبية التي نعمل على أساسها، فيتغير التشخيص بالتبعية، ولأجل هذا نعطي أنفسنا المساحة والوقت الكافيين للتشخيص السليم عمومًا ودون ذكر حالة بعينها.

ويشير هندي إلى أن «الاضطرابات النفسية المصاحبة للولادة، جزء مهم في الطب النفسي، ندرسه وحده ويستغرق وقتًا، لأنه متعلق بتغييرات هرمونية وكيميائية وأعباء بيولوجية مرتبطة بالحمل والولادة والعمل وكفالة الأسرة، ما يجعل تشخيصات طبية عديدة مرتبطة بالولادة، وتلك الأم التي تتمنى الموت يوميًّا دون اهتمام بالأنشطة اليومية»، مضيفًا أن ثمة أسبابًا عديدة قد تدفع الأم لقتل أطفالها مثل:

  • ذهان ما بعد الولادة: وهو عبارة ضلالات وهلاوس، في الدماغ، تراود الأم أفكار مرضية خاطئة ثابتة، لا تتغير، مثلًا، ستسمع الأم في هذه الحالة صوتًا يأمرها «اقتلي أولادك خلصيهم من الحياة، هيا امنحيهم الراحة ماذا تنتظرين؟ دعيهم يدخلون الجنة»، الذهان يجعل المريض يسمع الصوت فعلًا.
  • وسواس قهري بعد الولادة: عبارة عن أفكار مرضية خاطئة متكررة، تقول لها اقتلي أولادك، قد لا تنفذ لكنها تظل أفكارًا متكررة وقهرية.
  • اكتئاب ذهاني حاد مصحوب بضلالات وهلاوس: وهو اكتئاب حاد، مصحوب بهلاوس وضلالات.
  • اضطراب وجداني ثنائي القطب مع الولادة: والذي يأتي مع الحمل أو الولادة، وقد تأتي أول نوبة مع الشهور الأولى من الحمل.

ويخبرنا د. إيهاب الهندي أن «ما بين 3 إلى 6% من السيدات يصيبهن اكتئاب ما بعد الولادة، ويتكرر الأمر في الولادات التالية ليصل إلى 50%، وأن التوعية بالأمراض النفسية، تفرق في أن المسألة ليست متعلقة بقلة الإيمان أو أنها ملبوسة أو أن هناك جِنًّا، فالمشكلة أنه تظل السيدات شهورًا يطرقن أبواب الدجالين والصديقات قبل اللجوء لطبيب، بالرغم من أن العلاج الدوائي أو جلسات تنظيم إيقاع المخ، الكهربائي – وفق ما تستدعي الحالة – تساعد كثيرًا».

مؤكد أن «حبة دواء واحدة، قد تتسبب في عودة الحياة لإيقاعها الطبيعي، وقد يستمر الدواء من ستة شهور لسنة، بعدها تعود الحالة طبيعية تمامًا لأن الاضطرابات النفسية بنسبة كبيرة جينية المنشأ، نتيجة «لخبطة» في كيمياء المخ، فتحتاج إلى تدخل دوائي ليستعيد المخ إيقاعه، فالاضطرابات الذهانية والهلاوس والضلالات، يكون حلها الوحيد توجيه المريض إلى طريق العلاج النفسي، كي يحصل على فرصته، وهذا من شأنه تقليل حالات جرائم عديدة تقل بسبب عدم التدخل الطبي».

أم قاتلة vs أب قاتل: التعاطف من نصيب الأمهات!

«الأمهات لا يذهبن للجنة بعد وفاتهن، بل يحصلن على إذن خاص من الله للبقاء فى الجوار مدة أطول للعناية بأطفالهن» *إليف شافاق

في الحلقة الـ16 من مسلسل سجن النسا – مسلسل مصري جرى عرضه عام 2014 بطولة نيللي كريم وإخراج كاملة أو ذكري –  ظهرت شخصية حياة، والتي جسدت دورها الوجه الجديد وقتها دنيا ماهر، تلك السيدة التي تعاني وسواسًا قهريًّا يجعلها تخشى على أبنائها من كل شيء، فتمنعهم الخروج، حتى إلى المدرسة، خشية القتل أو الخطف، قبل أن تقرر في النهاية قتل الجميع عبر وضع سم في الطعام، وتناولت الوجبة المسمومة بصحبة أسرتها لتتخلص من حياتها وحياتهم معًا في اللحظة ذاتها، بدافع الحب والخوف والحماية.

يشبه الأمر تصرف القطط حين تأكل صغارها، خوفًا وحبًّا، ويرى باحثون أن التعامل مجتمعيًّا مع حالات قتل الأم لأطفالها تحدث بشكل أقل صرامة، وإن تمت بشكل دموي، مقارنة بقيام الوالد بالفعل نفسه، حتى إن كان القتل من دون عنف أو جروح، حيث ألمحت الدراسة إلى حالة من التسامح والتعاطف مع القاتل إن كانت الأم هي الفاعل مهما بلغت شناعة الفعل ودمويته.

كيف يمكن الوقاية؟

«ما أتعس الأمهات» *ليلى الجهني «الفردوس اليباب» 

في الواقع الوقاية أمر صعب، لأن العديد من عوامل الخطر مثل اكتئاب الأم، والحرمان الاجتماعي، شائع بين الأمهات غير القاتلات، ما يجعلهن مرشحات لأن يكن قاتلات محتملات! كان هو الدافع وراء دراسة بعنوان «قتل الأطفال من قبل الأمهات: الأنماط والوقاية»، إذ خلص الباحثان سوزان فريدمان وفيليب ريزنيك، إلى أن  مأساة قتل الأطفال من قبل أمهاتهم حدث عبر التاريخ وفي جميع أنحاء العالم، وحاول كلا الباحثين أن يحددا الأطراف القادرة على التنبؤ، مع توصية بتحسين طرق تحديد الأطفال والأمهات المعرضين للخطر، وقدموا مجموعة من الاقتراحات للوقاية مثل:

  • تحديد الامهات المكتئبات اللائي لديهن قدرة على القتل واللائي سبق لهن محاولة الانتحار في وقت مبكر.
  • يجب أن تؤخذ التهديدات على محمل الجد ولا يجري التعامل مع حديث الأم عن عجزها عن رعاية طفلها بوصفه أوهامًا.

علوم

منذ 4 سنوات
«اكتئاب ما بعد الولادة».. الوجه الآخر لضحكات المواليد الجدد
  • الأمهات المصابات بالذهان اللواتي يخشين أن يعاني أطفالهن من مصير أسوأ من الموت، بسبب أوهام الاضطهاد يجب إما أن يدخلن إلى مستشفى أو يجري فصلهن عن أطفالهن، لكن التعرف إلى إصابة الأم بهذه الحالة يكون صعبًا، فمن النادر مشاركة الأم لمخاوفها وأفكارها مع أحد لكن يمكن استنتاج الأمر إذا ما كانت الأم تفحص صحة أطفالها وسلامتهم بشكل متكرر.
  • يعد الفحص المبكر وتحديد المرض العقلي قبل الولادة أو بعدها أمرًا مهمًّا، فـ4% من الأمهات المصابات بذهان ما بعد الولادة غير المعالج سوف يرتكبن جريمة القتل بحق أطفالهن.

المصادر

تحميل المزيد