2,887

يحاصر الأطفال أهلهم على مدار سنوات عمرهم بأسئلةٍ ذات طابع جنسي تثير فضولهم، وفي الغالب في مجتمعاتنا العربية لا يكون التجاوب مع هذه الأسئلة تجاوبًا علميًّا مسئولًا، وإنما يكون الأمر إما بالخداع والتضليل والاستخفاف بعقل الطفل، وإما بنهيه عن تلك التساؤلات وتذكيره بأنها تدخل في نطاق «العيب»، ووصفها بكونها «قلة أدب».

لكنهم لا يدركون أنهم بإعراضهم عن الإجابة السليمة عن هذه التساؤلات يهملون جانب التربية الجنسية، والذي لا يقل عن الجوانب الأخرى التي يحرصون عليها، وأثر ذلك يكون فادحًا، فكثير من حوادث الاعتداء الجنسي على الأطفال يكون السبب وراءها عدم وجود وعي جنسي لدى الطفل، وغياب إدراكه بحدوده الجنسية التي يجب على الآخرين التوقف عندها، وتظهر ذلك إحصائية أُجريت في كلية التربية بجامعة الملك سعود في السعودية، أكدت أن كل طفل من أربعة أطفال يتعرَّض للاعتداء الجنسي، و49% من الأطفال الذين يقل عمرهم عن 14 سنة يتعرّضون للتحرش.

ويعني مفهوم التربية الجنسية إكساب الأطفال معلومات معينة عن الجنس بأسلوب علمي مبسَّط يتناسب مع أعمارهم، والقيم المجتمعية والأخلاقية التي ينمّيها الأهل فيهم، وليس هناك خيارٌ آخر سوى اتباع ذلك؛ فالتغاضي عن تلك المهمة يعني ترك الأطفال ليحصلوا على المعلومات الجنسية بأنفسهم، وهو ما قد يصل بهم إلى مصادر مُضللة أو مُستغلة.

وبالنسبة للمخاوف التي تدور في عقول المربين حول أن التربية الجنسية قد تُفتح عقول الأبناء جنسيًّا؛ مما يدفعهم إلى الانحراف، فقد أثبتت دراسة اجتماعية أجرتها منظمة اليونسكو عام 2007، أن التربية الجنسية تؤدي إلى تأخير ظهور السلوك الجنسي عند الأطفال؛ بل عند ظهوره يكون متسمًا بمزيد من المسئولية.

مرحلة ما بعد الولادة.. تأسيس تقبُّل الطفل لجسده

ترتبط التربية الجنسية عند الكثير من المربين بمرحلة الوعي والإدراك والاقتراب من سن المراهقة، متجاهلين أن الأطفال من لحظات حياتهم الأولى يحتاجون لفهم وظائف أعضائهم التناسلية، وإدراك ماهيتها بطريقةٍ تتناسب مع عقولهم الصغيرة، وعندما يوجد هذا الوعي لديهم منذ الصغر يساعدهم على أن النمو دون خجل من أجسادهم وهويتهم الجنسية.

فالطفل يتعرف منذ ولادته إلى ذاته من خلال التجارب الحسية، فجسده هو جزء من البيئة المحيطة به، والتي يتعرَّف إليها مدفوعًا بحب الاستطلاع الطبيعي، والمتعة التي توفرها له تجاربه الحسية، لذلك فطريقة ملامسة الأم أو الأب لطفلهما وطريقة تغيير ملابسه وتنشيفه، وحمله بين أيديهما كل ذلك يساعده على الشعور بالحب والحنان، ويوفر له تجارب إيجابية مع ذاته، تكون بمثابة البداية لبناء فكرته عن هويته بشكل عام.

ويُنصح المربون بتشجيع أطفالهم على تقبل أجسادهم، وإخبارهم بالأسماء الصحيحة لأعضائهم، ومن المهم أيضًا عدم إظهار النفور عند تغيير الحفاضات، فالهدف النهائي هو أن يكون الطفل مرتاحًا مع جسده كله، وأن يرى جميع أجزائه متساوية دون شعور بالخجل أو بالعار.

من سنتين إلى 3.. ترسيخ الحدود التي تحمي الطفل من التحرش

في المرحلة السابقة أوضحنا أهمية إعطاء الطفل فرصته ليستكشف أعضاءه التناسلية، وذلك ربما يثير لديك الخوف من أن يقوم بذلك في الأماكن العامة كالمطاعم والحدائق أمام الآخرين، والحل يكون بتوعيته وإخباره أن أعضاءه التناسلية تخصه وحده فقط، وممنوع أن يلمسها أي شخص باستثناء الوالدين أو من يحل محلهما؛ لتنظيفه بعد قضاء حاجته.

تبدأ في هذه السن عملية حماية الطفل من احتمالية وقوعه ضحية لحادثة اعتداء جنسي، عن طريق إخباره بأن الآخرين لديهم أعضاء خاصة مثله ممنوع تمامًا عليه أن يلمسها، إلى جانب تعليمه الفرق بين اللمسة المقبولة واللمسة المرفوضة، وتأكيد أنه في حال لمسه أحد بطريقة لا يرتاح إليها أن يرفض ما حدث ويخبر والديه أو معلمه، ومن الأمور التي ستساعد على حمايته من التحرش مراقبة من يجلسون معه، وجعل الطفل دائمًا تحت إشراف والديه، أو من يحل محلهما.

كما ينبغي الحرص عند تغيير الحفاض للطفل أو في أثناء استحمامه، بأن لا تُلمس أعضاؤه التناسلية بشكل يثيره؛ لأن ذلك سيولد لديه شعورًا بالمتعة ربما يدفعه إلى ممارسة العادة السرية في سن صغيرة دون وعي، ومن الأخطاء الشائعة في هذه المرحلة شيوع كلمة «عيب» ردًّا موحدًا على كل ما يتعلق بالجنس؛ مما يساهم في وضع الحدود بإفراط، وينعكس ذلك انعكاسًا سلبيًّا للغاية على التربية الجنسية للطفل، ويشكل عائقًا لتحديد استقلاليته ومعرفة رغباته.

من 3 إلى 10 سنوات.. الإجابات النموذجية عن الأسئلة المحرجة

تعد هذه المرحلة العمرية بالنسبة للأهالي أكثر المراحل حرجًا؛ لأن تساؤلات الأطفال عن الجنس تكثر فيها؛ مما يجعلهم مترددين وخائفين من أن تمدهم الأجوبة بمعلومات لا ينبغي لهم معرفتها، أو تحجب عنهم أمورًا يجب أن يعلموها، ولذلك نعرض لكم بعض هذه الأسئلة وأجوبتها الصحيحة:

1- س: من أين يأتي الأطفال؟

ج: من مكان مخصص داخل بطن المرأة يُدعى الرحم.

2- س: كيف يحدث ذلك؟

ج: عندما يحب الرجل زوجته ويتزوجان، يكون لدى الرجل حيوان منوي والمرأة لديها بويضة، وعندما يلتقي الحيوان المنوي مع البويضة ينتج من ذلك طفل جميل.

3- س: لكن كيف يلتقي الحيوان المنوي مع البويضة؟

ج: يُنتج الحيوان المنوي من عضو عند الرجل اسمه الخصية -ويجب حينها توضيح ذلك بالتشريح الطبي المبسط للأعضاء التناسلية- وتنتج البويضة من عضو داخلي للمرأة اسمه المبيض، وتوضح ذلك أيضًا بالتشريح، وعندما يلتقي الحيوان المنوي والبويضة في رحم المرأة تحدث عملية الإخصاب، وتستقر البويضة في منطقة معينة غنية بالطعام في رحم المرأة، وبعد ذلك يبدأ الطفل في التشكل.

هناك عدة أمور تُلاحظ في هذه المرحلة السنية، مثل بدأ الطفل في تحسس أعضائه التناسلية، وهنا يجب أن يكون رد الفعل حكيمًا وذكيًا بعيدًا عن العنف، فعلى سبيل المثال يمكن توجيه سؤال للطفل عما إذا كانت هذه المنطقة تؤلمه؛ فإذا قال لا، نخبره أنه لا داعي لوضع يديه عليها.

ومما يلفت نظر الوالدين أن كثيرًا من الأطفال يفصحون عن رغبتهم في الزواج من الجنس المختلف عنهم، سواء كان الأم أو الأب، ويفضل عدم الاستهزاء بهذه المشاعر، فعندما يقول الطفل لأمه أريد أن أتزوجك، كل ما يمكن أن يحدث هو أن تتفهم رغبته في إظهار حبه لها، فتؤكد أنها تبادله هذه المشاعر وتخبره بأنها متزوجة من والده، وأنه عندما يكبر سيجد امرأة مناسبة يتزوجها.

كما سيكون من الرائع أن يهتم كلا الوالدين بالطفل حتى لو كان يميل إلى أحدهما أكثر، يجب أن يحصل على اهتمام ورعاية من كليهما، فذلك يرسخ لديه مفهوم احترام تعامل الآخرين مع جسمه، وأن ذلك يجب أن يتم بموافقته.

ومن المشاهد الخاطئة المتكررة محاولة أحد الأقرباء أو أصدقاء العائلة تقبيل الطفل عنوة تعبيرًا عن محبته له، أو رغبته في مداعبته أو إغاظته، وهذا أمر يجب ألا يمر مرور الكرام، فمثل هذه المداعبة توحي للطفل بأنه عاجز عن مواجهة من هم أكبر وأقوى منه، لذلك يجب أن نحترم رغبة الطفل في الرفض وأن نوصل ذلك إلى الآخرين، حتى نساعد الطفل على فهم حق ملكية جسمه؛ لوقايته من الاستغلال الجنسي الذي قد يتعرض له ممن يكبره سنًّا.

من 11 إلى 12 سنة.. حان الوقت لتوضيح المفاهيم الجنسية الغامضة

يمكن في هذه المرحلة السنية أن توضح لطفلك بشكل أكثر تفصيلًا التشريح الوظيفي للأعضاء التناسلية عند الرجل أو المرأة ووظائفها، وفي نفس السياق تشرح له أين وكيف يُنتج السائل المنوي، وعملية الإباضة، وعلامات النضوج الجنسي والبلوغ عند الجنسين من نمو الشعر في بعض المناطق، وظهور خشونة الصوت وكبر حجم القضيب والثديين، إلى جانب ظهور التخيلات الجنسية.

وعليك أثناء توضيح المفاهيم السابقة أن تخبره بأن ذلك أمر طبيعي يحدث عند كل الأطفال، ولكنه يحدث في سن مختلفة بين طفل وآخر، فعند البنات يكون بين عمر تسع سنوات إلى 14 سنة، وعند الأولاد يكون بين سن 10 إلى 15 سنة، وأيضًا عليك أن تأكد لهم إمكانية أن يأتوك في أي وقت لطلب المزيد من الشرح والتوضيح دون أي خوف.

وتتمثل المفاهيم التى ستوضّحها لهم بالتدريج في الاحتلام والعادة السرية والنشوة الجنسية، وكذلك الحمل وكيفية حدوثه بعد البلوغ، وكيف للبنت البالغة أن تحمي نفسها من الحمل بتجنبها الجنس قبل الوقت المناسب مع الرجل المناسب بعد الزواج.

كما تظهر في هذه السن أهمية توعية الأطفال بالأمراض المنقولة جنسيًّا مثل الزهري والإيدز؛ حتى لا يكونوا عرضة للفهم الخاطئ من جانب الآخرين، كما من الضروري ألا تجيب عن أي سؤال من أسئلتهم بشكل خاطئ، وإذا ما ظهر سؤال لا تعرف إجابته اطلب من الطفل أن يمهلك بعض الوقت حتى تبحث عن إجابته العلمية الصحيحة.

ولكن تذكر أن توصل إليهم بشكل واضح وقطعي أن مناقشتك لهذه الأمور معهم لا تعني أبدًا موافقتك على ممارستهم الجنس، فالمعرفة لا تعني التطبيق العملي، وأن ما تفعله معهم هدفه ألا يكونوا عرضة للاستغلال من جانب أصدقائهم في المدرسة الذين ربما ينقلون لهم معلومات خاطئة.

من 13 إلى 15 سنة.. المراقبة من بعيد تكفي

ستظهر ثمار ما بذلته من جهود في تربيتك الجنسية لطفلك في هذه المرحلة العمرية، وكل ما عليك هو أن تقوم بدورك بوصفك عامل استقرار للطفل، محاولًا مساعدته على فهم ذاته، وقد تتفاجأ من حديثه معك عن عالم الجنس الكامل المستمد من المصادر الخارجية مثل أصدقائه في المدرسة، وهنا عليك ألا تنزعج إطلاقًا، وتعيد شرح ما أوصلته إليه مسبقًا من مفاهيم ومبادئ صحيحة تطرد من عقله كل المعلومات الخاطئة، التي قد تُروج في المدرسة بين زملائه.

وانتبه أنه مع كل عام يُضاف لعمر الطفل تتغير هذه المفاهيم في عقله تدريجيًّا، مما يستدعيه أن يسألك المزيد من الأسئلة الأكثر تعقيدًا، لذلك يجب أن تكون واعيًا لما يحدث حوله، وربما تجلس معه للحديث من منطلق أسئلة «ماذا لو؟»؛ وذلك بهدف معرفة أين وصلت ثقافته الجنسية، ومن الأمثلة على الأسئلة أن تقول لطفلتك: «ماذا لو طلب منك أحد أن يمارس الجنس معك مقابل أن تتزوجا لاحقًا؟»، فمن خلال الإجابة ستلاحظ رد فعلها ومدى نضجها.

ولا تنس في حديثك مع أطفالك أن تخبرهم أن ممارسة الجنس أمر ممتع، إذا ما حدثت ضمن شروط الدين والمجتمع، والتي تضمن لهم الشكل الصحيح لها، حتى لا يتحول الجنس إلى مصدر تعاسة وندم في مجتمعهم.

ربما يتعرض بعض الأطفال الذكور في هذه المرحلة العمرية للبلطجة من جانب بعض زملائهم المثليين في المدرسة أو النادي؛ لإجبارهم على ممارسة الجنس معهم، وحينها يجب أن يكون دورك قويًّا وواضحًا، فتطمئن طفلك أن ما حدث له غير مقبول تمامًا، وأنك تدعمه في مقاومة ما يحدث، بالإضافة إلى التواصل مع إدارة المدرسة لوقف ذلك فورًا.