في الوقت الذي يصعد فيه نجم السيناتور الأمريكي الشاب، باراك أوباما، في انتخابات الرئاسة الأمريكية التمهيدية، ممثلًا مفاجأة لا يستهان بها، في أروقة الحزب الديمقراطي وفي العاصمة أيضًا، وبالرغم من أن الإعلام الأمريكي يحفل بكل ما هو غريب، إلا أن براندون أرمسترونج، مقدم غرفة أخبار شبكة ذي أونيون، وضيفه الكاتب والصحافي هاريسون جادلي، قدما إحدى أغرب التغطيات المتلفزة السريعة، ربما للعام بأكمله.

في مارس (آذار) لعام 2008، صدرت دراسة من منظمة العفو الدولية، تصنف فيها دول العالم على أساس مختلف عما نألف، ليس على مؤشرات الازدهار أو الحرية أو الثراء أو الناتج المحلي، وإنما تبعًا لمدى تلقي أطفال هذه الدول تدريبًا عسكريًّا.

في المقابلة القصيرة، ناقش براندون مع هاريسون ترتيب الولايات المتحدة المتأخر، إذ أتى أطفال أمريكا في المرتبة 138 عالميًا، من حيث تلقيهم تدريباتٍ عسكرية وقتالية متقنة، في الوقت الذي احتل فيه أطفال سيراليون وأوغندا والكونغو، وغيرها من الدول المنخرطة في صراعات دائمة، المراتب الأولى في الرماية بالبنادق، وتحديد الألغام واكتشافها، والقتال بالخناجر، وفي وقت يسأل فيه براندون عما ينبغي أن يفعل لتدارك الفجوة، يجيب هاريسون بضرورة حدوث ثورة في التعليم الأمريكي تبدأ من المنزل، وحتمية تعليم الأطفال أساسات البقاء على قيد الحياة، ومدللًا بمقتطف من كتابه المعنون بـ«الهدف: التعليم»، يشرح فيه هاريسون مهارات يمكن تلقينها من الآباء للأبناء في المنزل، كأن يقوم الأب في منتصف ليلة معينة بإشعال النيران في حجرة ابنه، لينمي غريزة البقاء لديه.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=Tmvw7N-Nn1U ” width=”800″ height=”450″ ]

بدا الاتجاه السابق غريبًا ومثيرًا لانتقادات واسعة نسبيًا، تبعًا لصعود نسب مشاهدة ذي أونيون، باعتبارها شبكة ناشئة حينها، ودافعًا لإثارة التساؤل المتجدد عمّا إن كانت الولايات المتحدة تبالي بأطفال الدول الفقيرة، أم إن مصالحها تتحكم في المشهد، إلا أن ضغط المنظمات الحقوقية دفع بالكونجرس لتمرير مشروع قانون «حماية الجنود الأطفال»، أو ما يعرف اختصارًا بـ«CSPA»، ليوقعه الرئيس الأمريكي جورج بوش، في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) لنفس العام، وقبل نهاية رئاسة بوش بثلاثة أشهر. قانون يتيح للولايات المتحدة بموجبه توقيع عقوبات، أهمها وقف الدعم والمساعدات العسكرية، على حكومات الدول التي يثبت استخدامها أو دعمها لفصائل مسلحة تستخدم أطفالًا في أعمالها القتالية في أي مكان في العالم، وبدا وكأن القانون انتصار كبير للمنظمات الحقوقية، لكن الحقيقة أن شيئًا لم يتغير.

الصومال.. أطفالٌ فوق العادة!

«عندما ينضم طفل في التاسعة من عمره لتنظيم الشباب، سيتحول في الـ16 من عمره إلى أسد»، يقول الجنرال عبد الرحمن توريار، مدير المخابرات الصومالية (نيسا NISA)، في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست، في أبريل (نيسان) الماضي.

كما يقول ضابط مخابرات صومالي، تحدث لصحيفة واشنطن بوست، رافضًا الكشف عن هويته، فإن المخابرات الصومالية لا تفعل أي شيء إلا بعلم المخابرات المركزية الأمريكية CIA))، وفي الوقت الذي سجلت فيه منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف)، 300 حالة رسمية لأطفال صوماليين جُنّدوا من قبل قوات رسمية حكومية في عام 2015 فقط، وهو الأمر الكفيل بإيقاف المساعدات العسكرية الأمريكية، فإن أوباما استمر في استثناء الجيش الصومالي من قانون الـCSPA، تبعًا لدواعي تعاون الولايات المتحدة مع الصومال، والموجه ضد تنظيم الشباب، ما يمكن اعتباره فرع تنظيم القاعدة في البلد الأفريقي الفقير.

لا تتمتع المنظمات الحقوقية الدولية، أو تلك العاملة في مجال رعاية الأطفال، بنفوذ كبير في مواجهة السلطات المحلية، وتحديدًا المخابرات والشرطة الصوماليتين، أو المخابرات المركزية الأمريكية، بصفتها شريكًا أساسيًا لمخابرات مقديشو، أو البيت الأبيض بالطبع، وتدور اللعبة كالآتي: تضغط المنظمات الدولية على جميع الأطراف، فتستعمل تلك الأطراف صلاحياتها الأمنية الواسعة لفرض طوق كامل من السرية على ما يحدث، فتستغل المنظمات الدولية سلاحها الرئيس وهو الإعلام، فيتبارى المسؤولون في واشنطن، أو في مقديشو في نفي ما يحدث، أو الاكتفاء بتصريحات تؤكد أن المسألة أعمق مما يتناولها الجميع.

يمكن رؤية ذلك في أكثر من مثال، كتصريح الجنرال توريار نفسه، قائلًا إن أجهزة الصومال الأمنية تتحرك من منطلقات أخرى، تختلف عن منطلقات اليونيسيف، متجاهلًا كل قلق المنظمة بشأن زج الأطفال في الصراعات، واستخدامهم جواسيس يرشدون المخابرات إلى عناصر حركة الشباب، وهو الأمر الثابت، حتى إن المخابرات أدارت في السنوات السابقة مركزًا تأهيليًا، يتم فيه رعاية الأطفال الذين قاتلوا مع الحركة المصنفة على قوائم «الإرهاب» الدولية، إلا أن ضغط اليونيسيف نجح في نقل 30 طفلًا منهم إلى مركز «علمان» الحقوقي، في مقديشو أيضًا، إلا أن اليونيسيف ما زالت تقدر أعداد الأطفال الواقعين تحت سيطرة المخابرات بالمئات، تبعًا لتأكيدات مسؤول صومالي رفيع المستوى، رفض كشف اسمه لدواعٍ أمنية.

تُقدّر اليونيسيف أعداد الأطفال الواقعين تحت سيطرة المخابرات الأمريكية بالمئات (مصدر الصورة: هيومان رايتس ووتش)

أما الميجور جنرال «محمد شيخ حمود»، مدير جهاز الشرطة الحالي، ومدير المخابرات السابق، فقد اختصر كل ذلك وقرر أن يخرج الأطفال من دائرة الطفولة، قائلًا إن المعايير العمرية تختلف في الصومال عنها في الغرب، وأن بعض مناطق الصومال، كمقاطعة بونتلاند في الشمال، تنص قوانينها على اعتبار كل من هو فوق 14 عامًا بالغًا. «أنتم تنظرون إلى العُمر، نحن ننظر إلى الجسد»، مكملًا ببساطة.

في عام 2014 وقعت اليونيسيف اتفاقية مع الحكومة الصومالية، يُسلَّمُ بموجبها الأطفالُ المقاتلون الهاربون من تنظيم الشباب، إلى المراكز التأهيلية غير الحكومية، وعلى رأسها مركز علمان غير الربحي، في غضون 72 ساعة فقط من هروبهم. وجاءت الاتفاقية بعد ضغوط طويلة، استمرت عدة سنوات، في خضم ما بدا وكأنه فخ لا يمكن الفرار منه، حيث يهرب الطفل أو المراهق بعد سنوات من القتال في التنظيم، لتتلقفه المخابرات الصومالية ثم تبدأ في استغلاله غالبًا باعتباره «فار- مووق»، التعبير الصومالي المحلي الموازي للمرشدين (المُخبرين)، انتهازًا لما وصفه الجنرال توريار بـ«المعرفة الواسعة»، قاصدًا ما يمتلكه هؤلاء الأطفال من معلومات عن التنظيم ومقاتليه، وفي بعض الأحيان تقوم «NISA» بإجبارهم على ارتداء زي الجهاز الرسمي، ما يعرضهم لخطر الاغتيال فيما بعد، أو كما قال أحد المراهقين: «إنه أمر مخيف، لأنه يمكن للجميع الآن معرفة أنك تعمل مع المخابرات».

لم يختلف رد جون برينّان، مدير المخابرات المركزية الأمريكية، كثيرًا عن ردود نظيره الصومالي عبد الرحمن توريار، عندما أرسل العام الماضي خطابًا رسميًا إلى سيناتور ولاية أوريغون، رون وايدِن، ردًا على سؤال السيناتور له عن كيفية تصرف وكالة المخابرات المركزية في حال اكتشافها انتهاكات حقوق إنسان يقوم بها أحد حلفائها عبر المحيط، ليخبره جون أن «CIA» تقوم بعملية تقييم لهذا الحليف «ضمن إطار الأمن القومي»، ثم تقرر إن كانت ستستمر في علاقتها الثنائية معه أم لا، وحينها تعطي وكالة المخابرات المركزية له تدريبات مكثفة، في مراعاة معايير حقوق الإنسان، «وتقليل الانتهاكات إلى حدها الأدنى».

واشنطن.. «المربي الفاضل»

تفضل الولايات المتحدة دائمًا لعب دور «المربي الفاضل»، كما يطلق عليها البعض، الحاكم لقيم العالم المتحضرة، والمحافظ عليها، ولكونها القوة الأولى عالميًا واقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، يبدو هذا الدور سهلًا لعبه بالنسبة إليها، صعبًا على الانتقاد؛ ولذلك وعندما يستخدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الأطفال في حربه بالعراق، تبرز الانتقادات بخصوص حقوق الإنسان، وحاجة العالم لتحرك حاسم من الولايات المتحدة، وعندما تأتي جماعة بوكو حرام النيجيرية، في العام المنصرم، مستخدمة المراهقين في أعمال قتالية، وللفتيات في تفجيرات انتحارية، ينتفض العالم عليها، ومن الناحيتين الأخلاقية والسياسية، فلا جدال على ذلك، لكن على الجانب المقابل، يغض العالم بصره عن شيء أهم، عن دور الولايات المتحدة نفسها في كل ما يحدث.

منذ عام 2010، وقت دخول قانون «CSPA» حيز التنفيذ، وعلى مدار خمس سنوات، عامين في فترته الرئاسية الأولى، وثلاثة في الفترة الثانية، قام باراك أوباما بالتلويح في تصريحات مختلفة باستخدام قانون حماية الأطفال مرات عديدة، ضد حكومات تستخدم أطفالًا في جيشها بشكل غير رسمي، أو تقوم أجهزتها المخابراتية باستخدام هؤلاء الأطفال جواسيس، إلا أنه وفي الوقت نفسه، وبانتظام مثير للتساؤل، استخدم حق الرئيس في استثناء أي دولة تعرف الولايات المتحدة أنها متورطة في استخدام الأطفال عسكريًا وبطريقة غير شرعية، من عقوبات القانون، منذ بداية العمل به وحتى عام 2015، وشمل الاستثناء مِن قطْع المعونات العسكرية دولًا مثل اليمن والصومال ونيجيريا والكونغو.

خلال السنوات الخمس، قدمت إدارة أوباما ما يقرب من مليار دولار مساعداتٍ عسكرية لهذه الدول، مقابل منع 35 مليون دولار فقط تطبيقًا لقانون حماية الأطفال، وفي تلك الفترة أيضًا، كان أمام أوباما 30 مناسبة مختلفة لتطبيق القانون، إلا أنه وإدارته لوحا بالعقوبات، وقرر هو بنفسه استخدام «استثناء الرئيس» لدولة ما لدواعي الأمن القومي 22 مرة، منهم 15 مرة استثناءً كاملًا، وسبعًا بشكل جزئي، وفي الاستثناءات الكاملة تصل المساعدات بلا أي نقص، أما في الاستثناءات الجزئية فتصل المساعدات العسكرية إلى الدول المعنية باقتطاعات خاصة من الحكومة الأمريكية.

شملت قائمة «CSPA» للعام الماضي ثماني دول هي سوريا، واليمن، وجنوب السودان، والسودان، والكونغو، ونيجيريا، وبورما، والصومال، إلا أن أوباما استثنى خمس دول من الثماني استثناءً كاملًا، وحجزت الإدارة 25 مليون دولار بحكم القانون من مساعدات اليمن. نمطٌ لم يتوقف أوباما عن تكراره، وتبين في تلقي الصومال واليمن وحدهما، على مدار الأعوام الخمسة المنصرمة، ما يفوق 300 مليون دولار، بينما في العام الماضي، وفي ظل الانتقادات المتصاعدة، بدا وكأن البيت الأبيض لا يلقي بالًا لما يقال، وخرج مايلس بي كاجينس، أحد متحدثي مجلس الأمن القومي، ليخبر الجميع أن كل دولة في القائمة «يتم تناولها على حدة، وبحرص على العلاقات الثنائية وأمن أمريكا القومي»، في وقت سعت فيه الإدارة الأمريكية، أواخر العام الماضي، لإعطاء الجيش النيجيري مساعدات تحت مسمى حربها ضد جماعة بوكو حرام مبلغًا يتجاوز المليار دولار، في عامنا الحالي، الجيش نفسه الذي لا يخرج من قائمة «CSPA» تقريبًا.

الأمن القومي الأمريكي أهم من حقوق الأطفال

رغم جهودها الضخمة، فإن صوت جو بالنسبة للبيت الأبيض يدوي في الفراغ تقريبًا. جو بيكر، مديرة قسم حقوق الأطفال بمنظمة «هيومان رايتس ووتش»، وبروفيسور حقوق الإنسان بجامعة كولومبيا الأمريكية، وصاحبة الباع الطويل في قضايا تجنيد الأطفال واستخدامهم في أعمال عسكرية أو انتحارية من قبل حكومات أو منظمات إرهابية، والمعروفة بخبراتها وتحقيقاتها الميدانية في تسع دول على الأقل، تسرد أرقامًا «مخيفة» في معرض ردها العام الماضي على أوباما، حين أعلن قراره باستئناف المساعدات العسكرية للدول المتورطة تحت قائمة قانون تجنيد الأطفال.

في الوقت الذي استخدم فيه «تنظيم الدولة»، في خلال عام كامل، من يناير (كانون الثاني) 2015، وحتى يناير (كانون الثاني الماضي)، 89 طفلًا في عمليات مختلفة طبقًا لتحليل باحثين في جامعة جورجيا الأمريكية، انتفض الإعلام الأمريكي على أثره، فإن أوباما قرر في العام نفسه، إرسال ملايين الدولارات لكل من السودان وجنوب السودان، الدولتان اللتان استخدمتا حوالي 13 ألف طفل في حربهما، أو اليمن، التي قدرت اليونيسيف وجود طفل أو مراهق (أقل من 18 عامًا)، من كل ثلاثة مقاتلين هناك، وإن كان أوباما قد أوقف المساعدات العسكرية حين حدوث الثورة، فإنه فوض إمكانية استمرار المساعدات من عدمها لوزير خارجيته جون كيري، لتستمر المساعدات مرة أخرى مع منع 25 مليون دولار فقط كما ذكرنا، قرارات مخيبة للآمال كما تصفها جو.

يبرز هنا تساؤل هام: «هل يبدو قرار وقف المساعدات العسكرية مؤثرًا بأي شكل؟»، على الأرجح، ويُمكن الاستدلال على ذلك بالكونغو، الدولة الأفريقية التي مزقتها الحرب الأهلية، وصاحبة واحد من أعلى المعدلات العالمية في تجنيد الأطفال، حيث 30 ألف طفل على الأقل قاتلوا في الحرب الأهلية الثانية، وذلك عندما اتخذ أوباما قرارًا بوقف المعونات العسكرية في عام 2012، حتى توقِّع حكومة كينشاسا اتفاقية ثنائية مع الأمم المتحدة، تقضي بالامتناع الفوري عن استعمال الأطفال مقاتلين، وهو ما حدث بالفعل ووقعت الكونغو الاتفاقية، لتسجل فيما بعد انخفاضًا ملحوظًا وضخمًا في عدد المقاتلين تحت 18 عامًا، ولم تسجل اليونيسيف في 2014 إلا حالتين فقط، مما مثل تطورًا دعا بالبيت الأبيض لإعادة المساعدات مرة أخرى.

ما نعرفه أرقامًا رسمية فقط كافٍ ليُصبح الأمر مأساة عالمية أُخرى، فعشرات الآلاف من الأطفال يُستخدمون مقاتلين ودروعًا بشرية، وكتائب أولى في الصراعات، والفتيات منهم في العبودية الجنسية، في 14 دولة حول العالم.

وبينما تُركز الأضواء الصحافية في كل مكان تقريبًا على «تنظيم الدولة»، وعلى مصطلحات فضفاضة كـ«الحرب على الإرهاب»؛ يبدو لنا أن تجاهلًا تامًا ومتعمدًا، يتم باستمرار وبلا توقف لممارسات الولايات المتحدة نفسها، فواشنطن ترعى رسميًا وفعليًا نشاطات تجنيد الأطفال، بمساعداتها المالية التي لا تنقطع بمئات الملايين من الدولارات، وبدعم رسمي من أكبر جهاز أمني عالمي وشراكات يقيمها تحت دواعي الأمن القومي مع أجهزة أمنية تنتهك حقوق الإنسان بلا توقف، وبدفاع رسمي أيضًا، كما ورد في تصريح برينان، مدير «CIA» وجاسوس أمريكا الأول كما يطلق عليه، وربما تبذل جو بيكر ومن ورائها هيومان رايتس ووتش واليونيسيف وغيرهما من المنظمات الحقوقية الدولية، جهدًا كبيرًا في سبيل القضاء على هذه الظاهرة، إلا أن الولايات المتحدة، مَن بيدها أوراق اللعبة الرئيسية، والأكثر قوة وتأثيرًا، لا يبدو لديها أي نية جادة لإيقاف ما يحدث «لدواعي الأمن القومي».

عرض التعليقات
تحميل المزيد