في الوقت الذي يترقب فيه العالم، بعد أقل من شهر، مناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال، والذي يوافق 12 يونيو (حزيران) من كل سنة، يتبنى المغرب قانونًا يسمح بتشغيل الأطفال في البيوت، دون السن 18 عامًا، ما أثار سخط المجتمع الحقوقي، محليًا ودوليًا، ولا تزال تداعيات الجدل حول الموضوع مستمرة حتى الآن.

تشغيل الأطفال مُباح في المغرب

تعود القضية إلى 13 مايو (أيار) 2013؛ عندما طرحت حكومة عبد الإله بنكيران، خلال ولايتها الأولى، مشروع قانون رقم 19.12 بعنوان «شروط الشغل والتشغيل، بالنسبة للعمال المنزليين»، يسمح بتشغيل الأطفال القاصرين، دون سن 18 عامًا.

جُوْبِهَ القانون حينها، بمعارضة شديدة من قبل بعض الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية، ما اضطر الأغلبية الحكومية إلى إدخال تعديلات متتالية عليه، منها رفع السن الأدنى لتشغيل الأطفال من 15 إلى 16 سنة، وإلزام المشغلين بإجراء فحص طبي في كل ستة أشهر للعمال القاصرين، ما بين 16 و18 سنة، لديهم، ليتم أخيرًا تمريره في البرلمان والمصادقة عليه رسميًا من طرف الحكومة المغربية في 10 مايو (أيار) 2016.

ويعاني المغرب من ظاهرة استفحال تشغيل الأطفال؛ إذ تُشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط، في بحث أجرته وطنيًا عام 2014 حول عمالة الأطفال، إلى أن حوالي 69 ألف طفل بين السن السابعة و15 سنة يشتغلون، منهم 61 ألف في الأرياف، وسبعة آلاف في المدن. ويضيف تقرير المندوبية، أن 76% من الأطفال المُشَغَّلِين، لم يحصلوا على أية شهادة مدرسية، وأغلبهم يعمل في الأنشطة الفلاحية والحرف اليدوية والتجارة، وفي المنازل.

تجدر الإشارة إلى أن الأرقام المذكورة، تخص فقط العمال الأطفال المصرح بهم، دون احتساب القاصرين الذين يعملون لدى مشغليهم بـ«شكل سري»، أو الذين يعملون لدى أسرهم فيما يعرف بـ«مساعدة رب العائلة» في العمل.

وتُحيل تقارير أخرى إلى رقم يفوق بكثير ما هو معترف به رسميًا؛ إذ يصل العدد إلى 600 ألف طفل، تتراوح أعمارهم بين السابعة و14 سنة، يعملون.

وتمثل الفتيات نسبة 90% من الأطفال المنزليين، الذين يهمهم القانون المعني، معظمهن ينحدرن إلى الأوساط القروية الفقيرة، وقدمن إلى المدن للعمل لدى الأسر الميسورة كخادمات، بأجر متوسطه 9 دولار في الشهر لمساعدة عائلاتهن الغارقة في العوز.

وفي دراسة حديثة لمنظمة العفو الدولية، شملت 400 أسرة بمناطق مختلفة من المغرب، خلصت إلى أن الفقر والهشاشة هي السمة الرئيسة لأسر الأطفال المشغلين؛ إذ إن 21% من الأسر التي يفوق عدد أفرادها ستة أشخاص، لا يتعدى إنفاقها الأسبوعي 20 دولار، أي تقريبًا ثلاثة دولارات للفرد الواحد أسبوعيًا، كما أن أكثر من 63 بالمائة منهم ليست لديهم تغطية اجتماعية.

وتشير منظمة الطفولة التابعة «للأمم المتحدة» (اليونيسيف)، أن هناك حوالي 215 مليون طفل، أقل من 18 عاما، يعملون. تتركز النسبة الساحقة في دول العالم النامي، وتقول المنظمة إن عمالة الأطفال «تعزز دورات الفقر بين الأجيال، وتقوض الاقتصادات الوطنية وتعرقل التقدم باتجاه تحقيق الأهداف الإنمائية، كما أنها ليست سببًا فقط، ولكنها أيضًا نتيجة لعدم المساواة الاجتماعية التي يعززها التمييز».

انتقادات حقوقية دولية ومحلية

خلَّف قانون تشغيل الأطفال المنزليين، الذي تبنته حديثًا الأغلبية الحكومية بالمغرب، ردودًا متواترة لاذعة، جاءت من منظمات دولية ومحلية، اعتبرت أن القانون مخالفًا للاتفاقات الدولية في هذا الصدد، وانتهاكًا لحق الطفولة. بينما دافعت حكومة بنكيران عن سماح تشغيل الأطفال، ما بين 16 و18 سنة، بأنه جاء نتيجة إكراهات من قِبَل فقر بعض العائلات في القرى، التي لا تجد وسيلة لضمان قوتها غير إرسال أبنائها للعمل، كما أن القانون يضع شروطًا معينة يعاقب المشغل؛ إذا لم يلتزم بها.

وانخرط المغرب في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، منذ عام 1990، وسن قانونًا يجرم تشغيل الأطفال دون سن 15 فما فوق، تحت رقم 65 في مدونة الشغل سنة 1999، تنص المادة فيه، رقم 143، على أنه «لا يمكن تشغيل الأحداث، ولا قبولهم في المقاولات، أو لدى المشغلين، قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة».

وسبق لليونيسيف أن علقت على القانون المغربي بشأن تشغيل القاصرين، بقولها إن «تشغيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة، كخادمات في المنازل، لا يتبع روح اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل والاتفاقيات 138 و182 لمنظمة العمل الدولية»، مضيفةً أن القانون يعارض مصحة الطفل ومن الواجب إلغاؤه.

أما منظمة «حقوق الإنسان الدولية» (هيومن رايتس ووتش)، فقد اعتبرت أن القانون «لا يلبي اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العمال المنزليين»، موجهة مجموعة من الملاحظات إلى الحكومة المغربية، منها رفع السن القانوني للعمل إلى 18 سنة.

من جهتها، نددت الجمعيات الوطنية بالقانون الذي يتيح تشغيل القاصرين؛ إذ وصفته حركة «اليقظة المواطنة»، بأنه يعاكس الجوهر الدستوري للمملكة، الذي ينص «على توفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية»، واعتبرت محاولات الحكومة تسويغ عمالة الأطفال تحت بند «العمل اللائق» بأنها تكريس للفهم الحاط بالكرامة، والتمييز الاجتماعي بين أفراد المجتمع.

بدوره، وجه «الائتلاف الجمعوي من أجل حظر تشغيل القاصرات كخادمات في البيوت» مذكرة إلى الحكومة والبرلمان المغربي؛ يحث فيها على ملاءمة قانون تشغيل العمال المنزليين للتشريعات الدولية، ورفع سن العمل إلى 18 سنة فما فوق.

وقد أطلق نشطاء حقوقيون عريضة إلكترونية على موقع «أفاز» العالمي للمطالبة بإلغاء قانون تشغيل الأطفال، دون السن 18 سنة، في البيوت، ويلقى رواجًا لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

كيف يمكن فهم الظاهرة في المغرب

تنتشر ظاهرة تشغيل الأطفال بشكل عام لدى دول العالم الثالث؛ ويعد الفقر والهشاشة المحرك الرئيس لاستمرار هذه الظاهرة واستشرائها بشكل كبير داخل المجتمع، إلا أن هذا لا يمنع من أن لكل بلد حيثياته وسياقات الخاصة التي تساهم في التطبيع مع عمالة الأطفال.

ينحدر معظم العمال القاصرين في المغرب من الأوساط القروية وضواحي المدن، والتي ترزح تحت نير التهميش والإهمال من قبل الدولة طوال عقود من الزمن، نتيجة السياسة المركزية التي تتبعها السلطات السياسية للبلد، ولا ترى في الأرياف والقرى سوى خزانات أصوات، ترفع نسب المشاركة، في كل مناسبة الانتخابية، أمام الرأي العام الدولي.

كما تلعب «الأمية» المستشرية بالقرى والمناطق المهمشة، دورًا محوريًا في دفع الآباء أطفالهم نحو العمل؛ باعتبارهم كمورد مالي، يمكن الاستثمار فيهم، بدلًا من استمرارهم في طريق الدراسة، الطريق الذي لم يعد يضمن مستقبل قوت الأسرة، كما كان يتصور الوعي الجمعي المغربي سابقًا.

أضف إلى كل ذلك، الإطار القانوني المشجع على تشغيل الأطفال دون السن 15 سنة؛ إذ يعاقب القانون على تشغيل القصر، فقط بالغرامة المالية، أو في أقصى الحالات؛ إذا تكرر الأمر يعاقب بثلاثة إلى ستة أشهر، كما تبين المادة 143 من مدونة الشغل. علاوة على أن القانون لا يضع وسيلة واضحة لرصد المشغلين الذين يستغلون الأطفال، فضلًا عن معاقبتهم عن الانتهاكات التي تصاحب عادة تشغيل الأطفال، من قبيل التحرش الجنسي والضرب والسب.

يمكن القول «إن استفحال ظاهرة تشغيل الأطفال في المغرب، هو نتاج وضع سياسي وثقافي واقتصادي وقانوني تعيشه البلاد»، أو كما قال الباحث الاجتماعي «عبد الرحيم العطري» «لا يمكن أن نقرأ الظاهرة بعيدًا عن الشرط «السوسيو ـ سياسي» المنتج للهشاشة والاحتقان؛ فسنوات طويلة من الاختيارات «غير الشعبية» ومن برامج التنمية المعطوبة، لا يمكن أن تنتج، إلا إعاقات مجتمعية بالجملة، وما ظاهرة تشغيل الأطفال، إلا ترجمة واقعية لجزء من هذا الخسران والإفلاس المجتمعي العام».

نفس الباحث يرى، أن التعاطي «المناسباتي المصلحي» مع ظاهرة عمالة الأطفال في المغرب، لا يمكنه أن يحل المشكلة، إلا بقراءتنا للظاهرة في سياقها العام، وبالتالي تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية والقانونية المسئولة عن إنتاجها.

في هذا الإطار، توجه منظمة اليونيسيف جهودها في مكافحة عمالة الأطفال بالمجتمعات المحلية، نحو تغيير قبولها ثقافيًا أولًا، ثم بعدها دعم برامج تنموية توفر دخلًا؛ كبديل للعائلات،  وبرامج أخرى لضمان حصول الأطفال على التعليم، وفي نفس الوقت، حث تلك الدول على الامتثال للاتفاقات الدولية من خلال تغيير قوانينها في هذا الشأن، باعتبار الطفولة مرحلة للنماء النفسي والصحي والاجتماعي، الذي بدوره يحدد نوعية حياة الجيل المقبل.

المصادر:

المصادر

تحميل المزيد