اختفت الطفلة المغربية نعيمة، في غفلة من الجميع، وتوارت عن الأنظار في ظروف غامضة منذ 17 أغسطس (آب) الماضي بإحدى قرى منطقة زاكورة بالمملكة المغربية. هبَّت أسرة نعيمة الفقيرة مع ساكنة القرية إلى البحث عنها في أرجاء المكان؛ لكن دون جدوى، وبمرور الأيام وانقطاع الأمل، أذعن الأبوان إلى مصير فلذة كبدهما غير المبشر، وأن نعيمة لن تعود مرة أخرى إلى المنزل.

بعد 42 يومًا، كان أحد الرعاة يطوف بغنمه بجبل في المنطقة ولاحظ بقايا عظام تبدو بشرية، فأعلم السلطات بالأمر، وسرعان ما تبيَّن أنها تعود إلى الطفلة نعيمة، البالغة من العمر خمس سنوات والمختفية منذ أزيد من شهر، ليفترض الجميع فورًا أن الأمر يتعلق بعصابات اختطاف «الأطفال الزوهريين» لاستعمالهم في التنقيب عن الكنوز، وبالفعل  أوقفت السلطات بعد العثور على رفات الصغيرة بأيام، مشتبهًا به قد يكون له علاقة بالجريمة، لديه سوابق في هذا الشأن.

الطفلة نعيمة، آخر ضحايا جرائم الشعوذة في المغرب – المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي

وترتبط ظاهرة اختطاف الأطفال واختفائهم بالمغرب أساسًا بجرائم الشعوذة، أو تحديدًا بما يسمى «بَحَّاثي الكنوز»، وهي عصابات تمتهن التنقيب عن الذهب، باستعمال خليط من الوسائل التقنية الحديثة والممارسات السحرية البدائية، وقد يصل بها الأمر إلى التضحية بالأطفال استرضاءً للجن – بحسب اعتقادهم – وتوثق التقارير الإخبارية بشكل متكرر حوادث اختطاف أطفال لها صلة بالباحثين عن الكنوز.

لكن.. من هم الأطفال الزوهريون؟

يعتقد المشعوذون والباحثون عن الكنوز أن هناك أطفالًا استثنائيين يسمون بـ«الزوهريين»، يُمكنهم استخراج الكنوز  المخبوءة من باطن الأرض بسلام، دون إثارة حفيظة الجن الحارس للخبيئة الثمينة. إذ إن الطفل «الزوهري» – بحسب المعتقدات الشعبية – ينتسب إلى ذرية الجن، لكن استُبدل به حين ولادته مولود من بني البشر، لهذا يكون هذا الطفل مميزًا ومقربًا إلى الجن، كما يُتداول في موروث السحرة.

ويتميز هؤلاء الأطفال – بحسب الموروث الخرافي – بعلامات معينة، مثل خط مستقيم يقطع راحة اليد بشكل عرضي، وخط آخر يمر باللسان بشكل طولي، ويظن السحرة والمشعوذين أن دماءهم تجذب الجن.

يبدأ مسلسل الاختطاف، عندما تصل عصابة البحث عن الكنز برفقة المشعوذ إلى مكان الدفينة المرصود، ربما عن طريق رَسْمَة قديمة ما أو حتى بواسطة أجهزة كشف المعادن الحديثة أو بمجرد تخمين، فيدخل المشعوذ في سجال مع الجن، ويخبره الأخير – كما يعُتقد – أن عليه جلب وليمة من دماء أو أطراف أطفال «زوهريين» تحت سن العاشرة، كي يتنازل طواعية عن خزينة الذهب التي يحرسها.

بعدها تشرع العصابة في البحث عن «طفل زوهري» ولدًا كان أو فتاة، وغالبًا ما يتوجهون إلى القرى المهمشة والمنسية في البلاد، وعندما يجدون الطفل المرغوب – ذي الصفات المتعارف عليها – يختطفونه بالقوة، ثمَّ يأخذونه إلى مكان الكنز المزعوم، ويقدمون دمه وجسده قربانًا للجان، قبل الشروع في الحفر من أجل استخراج الدفينة.

وبسبب هذه الاعتقادات الخرافية، يتعرض العديد من الأطفال الأبرياء سنويًّا، خاصة في بلاد المغرب العربي، إلى الاختطاف والاعتداءات الوحشية من قبل عصابات البحث عن الكنوز والمشعوذين، وكثيرًا ما ينتهي المطاف بالطفل إلى الموت بشكل مروع.

ثقافة الكنوز المعجونة بالخرافة

تنتشر ظاهرة استخراج الكنوز اليوم في مختلف البلدان، خاصة مع توفُّر الأجهزة التقنية الحديثة القادرة على كشف المعادن تحت الأرض، بل يمتهنها البعض بوصفها حرفة للعيش حتى في أمريكا. غير أنها في المغرب – تحديدًا – تكتسي لباسًا أسطوريًّا عجائبيًّا، تحضر فيه الشعوذة والكرامات، للتغلب على الجن الذي يحرس الدفينة واستخراج الكنز.

وتشيع نوعًا ما ثقافة البحث عن الدفائن الثمينة في البلاد باستعمال الشعوذة، فكما يقول بول باسكون، السوسيولوجي المعروف بأبحاثه المتعلقة بالمغرب، «لو أنصتنا للمغاربة فلربما اعتقدنا أن المغرب مستودع كبير للكنوز».

تاريخ

منذ 4 شهور
تعاويذ ودمى لجلب الحبيب.. قصة السحر والحب عبر التاريخ

وقد جسَّدت واقعة غريبة هذا الهوس السحري بالكنوز عام 2018، عندما ادعى رجل مريض عقليًّا بمنطقة بولمان أنه «ولي من أولياء الله»، وأن الإله أوحى له في المنام بأن هناك كنزًا في مكان بالجبل، وأنه الوحيد القادر على استخراجه بفضل كرامته، فتمكن بالفعل من إقناع ساكنة المنطقة شديدة الفقر، وقاد الآلاف من البائسين في حر رمضان نحو قمة جبل هناك، طمعًا في نصيبهم من الكنز الذي سيخرجه «الولي المزعوم».

غير أنه عند بعض مشعوذي الكنوز، تتجاوز الممارسات السحرية، من تعاويذ وهتافات غريبة وادِّعاءات دينية؛ إلى أفعال وحشية تتعلق بالتضحية بالأطفال قربانًا للجان كي يسمح لهم بأخذ الدفينة، وهي ممارسة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، حينما كانت القبائل البدائية تقدم قرابين بشرية لآلهتها المقدسة.

ويبدو أن التاريخ العريق للمجتمع المغربي مع الخرافة، كالإيمان بالجن والشعوذة؛ يوفر أرضية خصبة لهذه الممارسات السحرية البدائية، التي تنتقل في بعض الأحيان إلى ارتكاب جرائم وحشية عندما تجري التضحية بالأطفال بوصفهم قرابين لاستخراج الكنز المزعوم.

قرابين بشرية للبيع! سوق سوداء للأطفال الزوهريين

تحضر أنشطة الشعوذة المرتبطة بالأطفال في بعض البلدان الأفريقية أيضًا وفي الهند، وقبل أشهر ألقت السلطات الهندية القبض على ثلاثة أشخاص، بما فيهم ساحر مشعوذ، بعد محاولتهم تقديم تضحية بشرية بطفل لاستعادة كنز مدفون. وتوسُّع هذا النشاط خارج المغرب يغري عصابات إجرامية تمتهن بيع الأطفال في أفريقيا، بعد أن باتوا عملة صعبة في سوق عالم «الشعوذة والبحث عن الكنوز».

الأمر الذي يجعل عائلات الأطفال «الزوهريين» في البلاد يعيشون رعبًا حقيقيًّا، وكوابيس من إمكانية اختطاف أبنائهم من قبل المشعوذين المحليين، أو العصابات السوداء التي تتاجر في الأطفال، فتتحول علامة طبيعية في اليد أو العين إلى لعنة تطارد أبناءهم، وتُدخل عائلتهم في خوف دائم.

ويشير تواتر ظاهرة اختطاف الأطفال لأغراض مرتبطة بالشعوذة إلى تقصير كبير من جانب السلطة المغربية، التي لا يبدو أنها تبذل جهدًا كافيًا لمحاربة هذه العصابات المُشعوذة، وحماية صغار المغاربة بخاصة في القرى المنسية بالجنوب الشرقي للبلاد.

كما يظهر أيضًا أن السياسات الحكومية فشلت تمامًا في محاربة الدجل والخرافة، اللذين ما يزالان منتشرين في المغرب اليوم على نطاق واسع، وهو ما يصنع أرضية خصبة للممارسات السحرية الخطيرة على الإنسان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد