جلس على عرش مصر – ومعها الشام أحيانًا والمغرب أحيانًا أخرى – على مدار التاريخ، سلاطين أو ملوك لم يتجاوزوا عمر الطفولة، دعا لهم الناس على المنابر فيما كان هناك آخرون يحكمون فعليًّا. قُدر لبعض هؤلاء الملوك الأطفال أن يمتلكوا زمام الحكم، وقُدر لآخرين أن يرحلوا مبكرًا،  بينما كان القتل من نصيب بعضهم، ودار حولهم صراع الأمراء للسيطرة على الحكم باسمهم، وحاول بعضهم حين اشتد عوده إنهاء نفوذ الأمراء حوله فلم ينجح. هذه حكايات بعض هؤلاء الحكام وما جرى لهم.

1. المستنصر بالله.. اعتلى الحكم 60 عامًا

كان عمر المستنصر بالله عند وفاته 67 عامًا، بقي منها في الخلافة 60 عامًا كاملة، تبدلت فيها أحواله وأحوال مصر كما لم تتغير أبدًا في تاريخها.

وهو المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بأمر الله، الذي أصبح ولي عهد الخليفة حين كان عمره سبعة أشهر فقط، وبايعه الناس للخلافة حين بلغ السابعة من عمره عام 420هـ، وتولى شؤون الحكم عنه الوزير أبو القاسم الجرجرائي، وامتد حكمه حتى عام 487هـ.

تاريخ

منذ 8 شهور
بدر الدين الجمالي.. قصة المملوك الأرمني الذي أنقذ مصر من الهلاك

امتلك المستنصر زمام الحكم حين بلغ الرشد، لكن صراعات الأمراء حوله، والتي تدخلت فيها أمه بعد وفاة الوزير الجرجرائي؛ هددت حكمه لاحقًا وتسببت في فتنة كبرى لم تكن في الحسبان. فوقعت في عهده المجاعة التي عُرفت بالشدة المستنصرية و«أكل الناس فيها بعضهم بعضًا»، وكانت شدة لم تشهد مصر مثلها منذ عهد النبي يوسف!

روى المؤرخون كيف كان المستنصر يركب وحده في موكبه دون أن تجد حاشيته ما تركبه، فكانوا يمشون حوله، حتى إن وزيره ذهب إليه على بغلته فاستولى عليها غلمان قرب القصر وذبحوها ليأكلوها، ولم يستطع الوزير أن يفعل معهم شيئًا.

اضطرمت الفتن وازداد الغلاء حتى استُدعي أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا، فدخل برجاله لينقذ مصر ويتولى تدبير أمور البلاد ليضع نهاية لحكم الخليفة المستنصر الذي صار منذ ذلك الحين بلا أمر ولا نهي، فقد حجر عليه بدر الجمالي حتى وفاته وتولى بعده ابنه المستعلي بالله، وتولى أمر الحكم منذ بداية عهده أيضًا بدر الجمالي أمير الجيوش.

2. الآمر بأحكام الله.. المسكين الذي مات بالسكين

هو سابع الخلفاء الفاطميين في مصر، وكان عمره خمس سنوات حين نُصِّب خليفة، فتولى تدبير الدولة بدلًا منه الوزير الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش، وحين بلغ الآمر سن الرشد قتل الوزير الأفضل واختار المأمون وزيرًا له. وكما ذكر ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» فقد عُرف عن الخليفة سفكه للدماء واستياء الناس من ظلمه، كما عُرف عنه تقاعسه عن الجهاد، فاستطاع الصليبيون في عهده أن يستولوا على عدة مدن وحصون، أهمها القدس وعكا، بحسب ما ذكره ابن تغري.

وعُرف عن الآمر بأحكام الله، ميله للهو، حتى إنه لم يكن يحسن خطبة الجمعة. وقد كانت العادة أن يخطب الخليفة ثلاث جُمعات من كل شهر، فدبر وزيره المأمون لحضور الخليفة صلاة إحدى الجمع ليشاهد فصاحة الإمام، ففهم الخليفة قصد الوزير واستنابه ليخطب الجمعة بعد ذلك اليوم.

Embed from Getty Images

مسجد الحاكم بأمر الله حيث كان يخطب الخليفة الآمر

استمر الآمر في الحكم حتى بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، وكان المنجمون قد أخبروه بأنه سيموت مقتولًا بسكين، فكان كثيرًا ما ينعى نفسه قائلًا: «الآمر مسكين، يموت بالسكين».

وذات يوم خرج من قصره فعبر الجسر نحو جزيرة الروضة مع قليل من حاشيته، فخرج عليه جماعة من أبناء عمه كانوا يرون أنهم أحق بالخلافة، فأُعيد جريحًا إلى القصر، ومات في اليوم نفسه، وذكر المؤرخون أن الناس ابتهجوا عندما سمعوا بمقتله.

لم يترك الآمر ذرية خلفه، وكانت إحدى زوجاته حاملًا فانتظر الناس شهورًا حتى وضعت أملًا في أن يخلف الولد أباه الخليفة، لكنها وضعت بنتًا؛ فتولى ابن عمه الحافظ أمر الخلافة.

3. الفائز بنصر الله.. الطفل الذي فزع من المبايعة فذهب عقله!

ذات صباح ركب الوزير عباس، وزير الخليفة الظافر بأمر الله، إلى القصر، ودخل مقطع الوزارة في انتظار الخليفة، لكن الخليفة لم يخرج إليه، حتى إنه عرض أن يعود إليه في وقت لاحق إن كان هناك ما يشغله.

في الداخل كان الرجال في حيرة من أمرهم؛ فقد خرج الخليفة في الليلة السابقة ولم يعد! «فُقد الخليفة» وليس هناك مفر من قول الحقيقة، فأغلب الظن أنه قُتل ولو عاد الوزير غدًا فلن يجده أيضًا فلِم الانتظار.

اقترح أخوا الخليفة المفقود أن يعلنوا اختفاء الخليفة، وما إن عرف الوزير عباس بالأمر حتى اتهمها بقتله، وبادله الأخوان الاتهام، فقالا إنهما قد أقسما على طاعة أخيهما الظافر، ولم يكن بينهم خلاف، وأن القاتل في الحقيقة هو نصر ابن الوزير عباس، الذي قد ذهب الخليفة لزيارته في الليلة السابقة.

اتخذ الوزير قراره بالسيطرة على الحكم، وسريعًا أمر غلمانه بقتل الرجلين، وسأل عن مكان ابن الخليفة الظافر، عيسى ذي السنوات الخمسة. كان الطفل عند جدته لأمه فذهب الوزير إليه وحمله على كتفه وبايعه للخلافة أمام الناس.

مصدر الصورة 

نُصب موسى خليفة وسُمي الفائز بنصر الله، وتحكي بعض المصادر أنه لم يكن قد تجاوز العامين في ذلك الوقت، وتقول مصادر أخرى إن الوزير لم يكن قد رفع جثث المقتولين بعد، حين خرج بالطفل على الأمراء ليبايعوه، ولما هتف الموجودون لمبايعته فزع الطفل فزعة لم يُشف منها طول حياته، التي لم تمتد طويلًا، فعاد الطفل إلى أمه وقد ذهب عقله.

تولى الوزير عباس مقاليد الحكم، وفي الداخل دبرت النساء في القصر للانتقام من الوزير، فأرسلن يستنجدن بالصالح طلائع بن زريك، الذي كان واليًا على منطقة في صعيد مصر. وتولت إحدى عمات الخليفة الصغير التدبير لقتل الوزير عباس وصَلْب ابنه على باب زويلة حتى مات، وآلت الأمور إلى الصالح طلائع، فتلقب بالملك الصالح، وصار يدبر أمر الخليفة.

مات الفائز وهو ابن 10 سنوات، وكان الصراع على أشده بين الصالح طلائع، ونساء القصر من عمات الخليفة الذي كان في كفالتهن. إذ كان أمر الصالح طلائع قد استفحل وظهرت مساوئ حكمه، فحاولت النساء في القصر التدبير للتخلص منه. وانتهت حياة الطفل الذي فقد عقله مبكرًا، وهو لا يعلم شيئًا عن الصراعات والقتل حوله، ولا عن العرش الذي لم يحظ منه إلا بالاسم.

4. سُلامش.. ابن الظاهر بيبرس الذي جلس 100 يوم على العرش!

بتدبير من عدد كبير من الأمراء المماليك كان أبرزهم سيف الدين قلاوون، حوصر الملك السلطان السعيد ناصر الدين محمد بركة خان ابن الملك الظاهر بيبرس في القلعة، وطالبه الأمراء بخلع نفسه عن الحكم، في مقابل أن يرحل إلى الكرك ويحصل على أموالها، وحين طال الحصار نزل الملك على رغبتهم فخلع نفسه ورحل إلى الكرك، وتعهد بألا يتصل بأحد من النواب وألا يستميل الجند.

اجتمع الأمراء بعدها حول الأمير سيف الدين قلاوون، وعرضوا عليه السلطنة، فأجابهم بأنه لم يخلع الملك السعيد طمعًا في السلطنة وأن الأولى ألا يخرج أمر الحكم عن ذرية الظاهر بيبرس.

لكن في الحقيقة كانت القلاع ما تزال في يد نواب الملك السعيد وكان أغلب العسكر من الأمراء الظاهرية، ورأى قلاوون أن الأمر لن يستتب له فآثر التروي، وهكذا أُحضر سُلامش ابن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وهو ابن سبع سنوات، ليصبح السلطان الملك العادل بدر الدين سُلامش، وكان لا بد من اختيار أتابك له.

تعني كلمة أتابك الأب الأمير أو الوالد الأمير، وتتكون من مقطعين «أتا» بمعنى أب و«بك» بمعنى الأمير، كان الأتابك يتولى الوصاية على سلطان أو أمير صغير حتى يبلغ سن الرشد، ويصير منصبه بعدها شرفيًّا.

أقسم الأمراء على طاعة السلطان سُلامش ووقع الاختيار على الأمير سيف الدين قلاوون ليكون أتابكه، والأمير عز الدين أيبك الأفرم ليكون نائب السلطان، وسرعان ما شرع الأمير قلاوون في التخلص من الأمراء الظاهرية، فقبض على كثيرين منهم وملأ بهم السجون، بينما وزع الإقطاعيات على الأمراء الصالحية ممكن سيدعمونه لاحقًا.

سياسة

منذ سنتين
الناصر محمد بن قلاوون.. المملوك الأعرج الذي ثار من أجله أهل القاهرة

وكما كتب المقريزي في كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك»، فقد كان قلاوون «صورة أتابك وتصرف ملوك»، ولم تمض شهور ثلاثة حتى اجتمع قلاوون بالأمراء «في أمر السلطان» ليقول لهم «قد علمتم أن المملكة لا تقوم إلا برجل كامل» ليُخلع سُلامش بعد 100 يوم فقط من تسميته سلطانًا ويغادر مصر، ويعتلي قلاوون عرش السلطنة لتبدأ حقبة طويلة من حكمه وحكم أبنائه وأحفاده.

أما سُلامش، فيحكي ابن تغري في كتابه، «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة»، أنه أُبعد إلى الكرك التي كان نائبها أخوه السلطان السابق السعيد بركة، وأنه بعد وفاة السعيد بركة بقي سُلامش في الكرك مع أخيه الملك المسعود خضر الذي خلف السعيد بركة نائبًا عليها.

في عام 1286 أرسل قلاوون نائب السلطنة إلى الكرك حيث حاصرها لبضعة أيام ثم استولى عليها ونقل سُلامش وخضرًا إلى القاهرة بعد أن طلبا الأمان واستسلما له، وقد استقبلهما قلاوون استقبالًا حارًّا في القاهرة، وسمح لهما بحرية التجوال والحركة، لكن لم يلبث بعد مرور أربع سنوات أن اعتقلهما مع أمهما في الإسكندرية تمهيدًا لنفيهم إلى القسطنطينية، بعد أن أخبره ابنه الأشرف بأنهما قد اتصلا بالأمراء الظاهرية، حيث توفي سُلامش في القسطنطينية، عام 1291، دون أن يبلغ 20 عامًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد