أغلقت عديد من المدارس في مختلف أنحاء العالم أبوابها؛ حرصًا على سلامة طلابها ضمن إجراءات التباعد الاجتماعي المتبعة خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، الذي فرض الحجر المنزلي على الأطفال والآباء على حدٍ سواء. وهنا تظهر مشكلة وخيمة لا تقل أهمية عن الفيروس التاجي نفسه؛ فعندما يلزم الأطفال البيت، يقضون ساعات أطول على شبكة الإنترنت، وهي فرصة ذهبية لن يفوتها مستغلو الأطفال.

أشار تقرير حديث نشرته وكالة تنفيذ القانون التابعة للاتحاد الأوروبي (اليوروبول)، إلى زيادة النشاط الرقمي، لمحاولات استغلال الأطفال جنسيًّا عبر شبكة الإنترنت. ولوحظ أن مستغلي الأطفال ينشطون في المواقع والمنتديات، التي يُتوقع أن يكون فيها صغار السن الأكثر عرضةً للاستغلال؛ بسبب العزلة الاجتماعية، وقلة الرقابة، وقضاء كثير من الوقت على أجهزة الكمبيوتر. كذلك، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي) تحذيرًا من هذا الخطر للآباء في جميع أنحاء البلاد.

فما الطرق التي يجري من خلالها محاولات الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت؟ وكيف يمكن للآباء والأمهات التعامل مع الأمر؟

الاعتداءات الجنسية على الأطفال عبر الإنترنت بالملايين!

عندما بدأ طفل كيت البالغ من العمر 13 عامًا، بلعب ألعاب الفيديو «ماين كرافت (Minecraft)»، و«فورت نايت (Fortnite)»، لم يساورها القلق حيال ذلك، وتركته يلعب في الغرفة حيث كانت تراقبه. لقد كانت فقط متحفظة بشأن لعبة «جراند ثيفت أوتو (Grand Theft Auto)» التي حظرتها في منزلها؛ لأنها كانت عنيفة للغاية.

ولكن بعد حوالي ستة أسابيع، شاهدت كيت شيئًا مروعًا ظهر على الشاشة، فيديو لطفل صغير يمارس البهيمية (ممارسة الجنس مع الحيوانات). دفعتها الصدمة لتفقد حساب ابنها على منصة «ديسكورد (Discord)»، حيث يمكن للاعبين الدردشة في أثناء اللعب. وهناك، رأت أن المحادثات مع اللاعبين الآخرين كانت مليئةً بلغة رسومية، وصورًا لأفعال جنسية نشرها المشاركون، ولدى استجواب طفلها حول ذلك، أجهش في البكاء.

Embed from Getty Images

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تلك القضية، التي لم تكن الوحيدة من نوعها، بل مثل هذه الأخبار  تنتشر على نحوٍ متزايد. ففي عام 2018، أفادت شركات التكنولوجيا باكتشافها أكثر من 45 مليون واقعة، تتضمن مواد اعتداء جنسي على الأطفال في منصاتها. وفي العام نفسه أيضًا، أُدين ثلاثة رجال من ولايات أمريكية مختلفة بإدارة شبكة جنسية اجتذبت على مدار سنوات مئات الأطفال، الذين لا يتجاوز عمر بعضهم ثمانية أعوام، من منصات البث الاجتماعي والفيديو، التي تضم «لايف مي»، و«أوميجلي»، و«ميوزيكالي»، و«سكايب»، و«سناب شات»، وأخيرًا وليس آخرًا «تويتر».

وقد انهالت على أقسام شرطة نيو جيرسي اتصالات الآباء والمعلمين، المذعورين من الاعتداءات الجنسية على أطفالهم في مواقع الألعاب وغرف الدردشة. مع ذلك، تعتقد السلطات أن الغالبية العظمى من حالات الابتزاز لا يُبلَّغ عنها. وقد صرحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) وشركاؤها الشهر الماضي، بأن ملايين الأطفال معرضون للخطر على نحوٍ متزايد؛ إذ تنتقل حياتهم انتقالًا متزايدًا عبر الإنترنت، خلال فترة حظر جائحة كوفيد-19.

ووفقًا لـ«يونيسيف»، تأثر أكثر من 1.5 مليار طفل وشاب بإغلاق المدارس في جميع أنحاء العالم. ويتلقى عديد من هؤلاء الطلاب الآن دروسهم عبر الإنترنت، بالإضافة إلى التواصل الاجتماعي فيما بينهم. ويمكن أن يجعل قضاء مزيد من الوقت على المنصات الافتراضية الأطفال عرضة للاستغلال الجنسي والاستمالة عبر الإنترنت، حيث يتطلع المعتدون إلى استغلال جائحة كوفيد-19. وقد يُعرِّض الوقت المتزايد وغير المنظم عبر الإنترنت الأطفال لمحتوى ضار وعنيف، بالإضافة إلى زيادة خطورة التعرض للتنمر الإلكتروني.

تربية

منذ شهر
طفلك يعاني من اضطراب فرط الحركة؟ 7 نصائح للتعامل معه خلال الحجر المنزلي

كيف يخدع مستغلو الأطفال أبناءك؟

قال الدكتور هوارد تايلور، المدير التنفيذي للشراكة العالمية لإنهاء العنف: «أدت جائحة الفيروس التاجي إلى ارتفاع غير مسبوق في الوقت الذي يُقضى أمام الشاشات. ويعني إغلاق المدارس وتدابير الاحتواء الصارمة، أن المزيد والمزيد من العائلات يعتمدون على التكنولوجيا والحلول الرقمية؛ لإبقاء الأطفال قادرين على مواصلة التعلم، والترفيه، والتواصل مع العالم الخارجي. ولكن ليس لدى جميع الأطفال المعرفة والمهارات والموارد اللازمة؛ للحفاظ على أمانهم على الإنترنت».

وتعد مواقع الألعاب هدفًا شائعًا لمستغلي الأطفال؛ من أجل اقتناص ضحاياهم، ولكنهم يصطادون عديدًا من ضحاياهم أيضًا على منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستجرام» و«كيك ماسنجر». يدخل مستغلو الأطفال إلى غرف الدردشة وجلسات ألعاب الفيديو، التي تمثل بوابة وصول سهلة إلى حياة الصغار؛ فيلتقون بهم عبر الإنترنت من خلال ألعاب الفيديو متعددة اللاعبين وتطبيقات الدردشة؛ ما يسهِّل عليهم الوصول إلى منازل ضحاياهم مباشرةً. وغالبًا ما يتظاهرون بأنهم فتيان وفتيات قُصَّر، ويبدأون معهم محادثات بريئة، يبنون من خلالها الثقة تدريجيًّا، ويخدعون ضحاياهم بقصص زائفة.

لاحقًا، تتطور تلك الاتصالات إلى الضغط على الأطفال؛ كي يُرسلوا إليهم صورًا أو فيديوهات جنسية فاضحة، في بعض الأحيان بواسطة الرشاوى المالية، وأحيانًا أخرى بواسطة استغلال نقاط الضعف حول ثقتهم بأنفسهم. وبعد ذلك، يستخدم المستغلون تلك الصور وسيلةً للابتزاز؛ من أجل إجبار ضحاياهم على إرسال مزيد من المحتوى الجنسي الفاضح، والحفاظ على سرية الاستغلال الجنسي على نحو متزايد وعنيف. وقد يهددون بإرسال الصور إلى آباء الأطفال، إذا لم يمدوهم بالصور على نحوٍ مستمر.

Embed from Getty Images

وللحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، أرسلت شركات التكنولوجيا مثل «فيسبوك» و«يوتيوب» موظفيها المشرفين على المحتوى إلى المنزل، وغدت تعتمد أكثر على الأنظمة الآلية التي هي أقل دقة من المراجعين البشريين في التعرف إلى المواد غير القانونية. ومع تقييد جهود إدارة شركات التكنولوجيا لمواقعها بسبب الوباء؛ أصبح موزعو مواد الاستغلال الجنسي للأطفال أكثر جرأة؛ وباتوا يستخدمون منصات رئيسية لجذب عدد أكبر من الرواد. وتحذر بعض الشركات مستخدميها من أنها قد لا تتمكن من الاستجابة بسرعة، عند الإبلاغ عن محتوى مشكوك فيه أو غير قانوني.

كذلك، حذرت مؤسسة «مراقبة الإنترنت» – مؤسسة خيرية بريطانية تحدد محتوى الاعتداء الجنسي على الأطفال عبر الإنترنت – من أن عدد صور الاعتداء الجنسي على الأطفال التي يجري إزالتها على مستوى العالم، قد انخفض بنسبة 89% خلال الوباء؛ وذلك لأن المؤسسة تحتم عليها أن تعمل بقدرة منخفضة في ظل الجائحة العالمية. وبالاستفادة من هذا الضعف؛ تشجع موزعو مواد الاستغلال الجنسي للأطفال، وأصبحوا يستهدفون المنصات الرئيسية للوصول إلى جمهور أوسع.

وأصبح موزعو صور الاعتداء الجنسي على الأطفال يتبادلون روابط المواد على مرأى من الجميع على منصات مثل «فيسبوك»، و«يوتيوب»، و«تويتر»، و«إنستجرام»، باستخدام لغة مشفرة؛ للتهرب من أدوات الكشف الخاصة بالشركات، وفقًا لخبراء سلامة الأطفال وتطبيق القانون. وقد ارتفعت التقارير حول نشاط الاستغلال الجنسي للأطفال إلى الخطوط الساخنة الإلكترونية، بمتوسط ​​30% على مستوى العالم، وفقًا لشبكة «إن هوب (InHope)». وتعد الفتيات بالأخص الأكثر عرضة للاستغلال؛ إذ يُمثلن 90% من مواد إساءة معاملة الأطفال عبر الإنترنت.

تربية

منذ 11 شهر
«الإنترنت فيه سم قاتل».. 6 نصائح للتحكم في استخدم طفلك للإلكترونيات

كيف يتعامل الآباء مع حالات الاستغلال الجنسي لأطفالهم؟

في تقرير بمجلة «ساينتفيك أمريكان»، يقول جاك تربان، طبيب مقيم في الطب النفسي للأطفال والمراهقين، في كلية الطب بجامعة هارفارد: «لا يدرك كثير من الآباء مخاطر الاعتداء الجنسي عبر الإنترنت. وبصفتنا مختصين في مجال الصحة النفسية، غالبًا ما نرى هذه الحالات بعد فوات الأوان. فقد قابلت عددًا كثيرًا جدًّا من الأطفال في غرف الطوارئ، ممن كانوا في أزمة أو حاولوا الانتحار بسبب تعرُّضهم للاستغلال الجنسي. وظهرت على بعضهم أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة، في حين عانى آخرون من صعوبات مزمنة في الثقة بالآخرين والحميمية».

ويُضيف تربان: «بسبب الخجل المرتبط بالجنس، والذي ينفذ منه المستغلون إلى ضحاياهم، غالبًا ما يُبقي الأطفال على سرية تلك الاتصالات مع مستغليهم إلى أن تخرج الأمور عن السيطرة. إننا نعيش في مجتمع غالبًا ما يُنظر فيه إلى الجنس بوصفه شيئًا سيئًا أو مخزيًا؛ ولا يرغب الأطفال في الحديث عنه مع آبائهم. وإذا ما حصل المعتدي على صور جنسية للطفل؛ فمن المحتمل أن يشعر الضحية بالخوف من أن يرى أبواه هذه المادة. وقد يكون هذا الشعور بالخوف من الخزي الجنسي مدمرًا، ويقف عقبةً أمام الإبلاغ عن هذا الاستغلال. ولا يُدرك الأطفال عادةً أنهم هم الضحايا في مثل هذه المواقف، وإن أدركوا ذلك، سيخافوا من أن يكون للآخرين رأي مختلف أو سيئ عنهم؛ بسبب تورطهم في فعل جنسي؛ لذا يلتزمون الصمت».

ويقول إن الفعل الأكثر أهميةً الذي يمكن للآباء فعله، التحدث مع أطفالهم بصراحة عن تلك المخاطر، والتغلب على هذا الخجل؛ إذ يمكن لمحادثة واحدة أن يكون لها تأثير حقيقي. ويشدد على ضرورة أن يُجري الآباء محادثاتٍ صريحةً مع أطفالهم، واتباع نهجٍ لا ينطوي على إصدار أحكام عليهم؛ فالخزي عامل خطير هنا، ويمكن أن يدفع الأطفال إلى إخفاء اتصالات محفوفة بالمخاطر على الإنترنت في أثناء تطورها.

ولأن الخزي يتغذى على الصمت؛ يجب علينا أن نخبر أطفالنا أن بإمكانهم الحديث معنا حول الجنس، وأننا لن نكوِّن رأيًا مختلفًا أو سيئًا عنهم بسبب هذا النقاش. وعلينا أن نذكِّر أطفالنا بأننا سنظل نحبهم مهما حدث، وأن نشرح لهم أنه إذا استغلهم شخص بالغ استغلالًا جنسيًّا في أي وقت مضى؛ فإن ذلك ليس خطأهم، وأنه ينبغي لهم إخبارنا بذلك. ويوصي تربان الآباء بالتحدث مع أطفالهم عن السلوكيات المثيرة للشكوك، مثل أن يطلب منهم الغرباء الحفاظ على سرية العلاقات معهم، أو أن يطلبوا منهم الحصول على معلوماتهم الشخصية، أو أن يطلبوا نقل المحادثات معهم إلى منصات أقل رقابةً مثل «سنابشات»، أو أن يعرضوا عليهم هدايا مثل أرصدة داخل الألعاب الرقمية.

Embed from Getty Images

وعلى الجانب الآخر، توجه «ساسة بوست» بالسؤال إلى آلاء الدسوقي، طبيبة نفسية، ومشرف طبي بمشروع الرعاية الصحية الأولية، بفرع هيئة إنقاذ الطفولة الدولية في مصر، حول الأعراض التي قد تظهر على الأطفال عند التعرض للاستغلال الجنسي، والتي قد يحتاجون حينها لزيارة طبيب أو معالج نفسي. وأجابت أن «الأعراض تختلف باختلاف السن، فمثلًا قد يُعاني الأطفال ذوو السبع سنوات فما فوق من التبول اللاإرادي، في حين قد يُواجه آخرون صعوبات في النوم، وآخرون من صعوبات في التعلم». وأوضحت أن هذه الأعراض تظهر لدى التعرض لأي نوع من الضغوطات، التي يعد الاستغلال الجنسي أحد أشكالها، وأن أي تغير في السلوك عامةً يحتاج إلى مراجعة مختص.

ولدى سؤالها عن طبيعة عمل هيئة إنقاذ الطفولة، أجابت أنها منظمة دولية غير حكومية، لها أفرع في أكثر من 117 دولة. وتعمل على إنقاذ وتحسين حياة الأطفال، من خلال دعم الأطفال وذويهم في عدة محاور، تشمل التعليم والصحة والحماية، وتتعامل كذلك مع هذا النوع من الاستغلال وغيره. وعن الجهات الأخرى التي يمكن للآباء التواصل معها في مصر، قالت إن رقم خط نجدة الطفل في مصر (16000)، وتوجد لجان حماية فرعية في كل محافظة.

تربية

منذ شهرين
7 علامات تخبرك أن طفلك في حاجة إلى تعديل سلوك

كذلك، أنشأ «الخط الدولي لمساعدة الطفل» قاعدة بيانات دولية لخطوط الاتصال المباشرة، التي يمكن للآباء الاتصال بها، في حال ساورهم القلق بشأن تعرُّض أطفالهم لأي اعتداء أو استغلال جنسي. ونظمت مؤسسة «إنهاء العنف ضد الأطفال» غير الهادفة للربح، موارد أتاحتها للآباء ليحافظوا على سلامة أطفالهم في أثناء دخولهم على مجموعة متنوعة من المنصات الإلكترونية، بدايةً من «سنابشات» وحتى «إكس بوكس».

وفي السياق ذاته، توصي منظمة «يونيسيف» الآباء بالتأكد من احتواء أجهزة الأطفال على أجدد تحديثات برامج السوفت وير، وبرامج مكافحة الفيروسات. ونبهت على أهمية إجراء حوارات مفتوحة مع الأطفال، حول كيف ومع من يتواصلون عبر الإنترنت، ومشاركة الأطفال في وضع قواعد تنظم كيف، ومتى، وأين يمكنهم استخدام الإنترنت. كذلك، تنصح الآباء بالانتباه لعلامات الكرب التي قد تظهر على الأطفال، وتكون ذات صلة بنشاطهم عبر الإنترنت. هذا إلى جانب الإحاطة بكيفية الوصول إلى عدد من خطوط مساعدة الدعم، والخط الساخن.

المصادر

تحميل المزيد