على مرِّ عدة قرون، حازت الدولة الإسلامية منذ نشأتها على عداءٍ خالصٍ من كلِ مُنافسيها؛ فالعرب الذين لم يكن لهم شأنٌ بين الأمم حتى ذلك الحين، حاربوا في وقتٍ واحدٍ أكبر قوتين، فأسقطوا مملكة الفُرس، ثم ضمّوا مصر فحازوا بها على ثُلث عائدات الإمبراطورية الرومانية، وبعدما أخضعوا الشام وفلسطين، صار في حوزتهم صليب الصلبوت، أحد أقدس الآثار المسيحية في القدس.

وفي نطاقٍ جُغرافيٍ امتد من تخوم الصين إلى شواطئ الأندلس، سيطر المسلمون على طرق التجارة البرية والبحرية العالمية آنذاك، وهي القوة التي مثّلت وقتها إحدى الضرورات الحتمية للازدهار والاستقرار، ثم اتّسعت آمالهم، فأسقطوا «القسطنطينة»، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وقلب المسيحية في أوروبا لأكثر من 11 قرنًا، لكنّ هذا التاريخ الكبير لم يخلُ من أوقات انحطاط للدولة التي تمزقت دويلاتٍ غرقت في صراعتها الداخلية سبّبه في بعض الأحيان «السلاطين الضعاف» الذين ورثوا السُلطة والخلافة. التقرير التالي يرسم لك تاريخ الوجه الآخر لثلاثة من أعظم الحكام المسلمين أورثوا دولتهم القوية لأبناءٍ أضاعوا مجد آبائهم.

محمد بن أبي عامر.. ماذا فعل أبناء أعظم حاكمٍ للأندلس؟

كان محمد بن أبي عامرٍ فتى من أبناء الجزيرة الخضراء –جنوب الأندلس-، في عهد أقوى حُكامها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، الذي قاد الملوك الأوروبيين إلى السير إليه، وتقبيل يده على مشهدٍ من الناس، لكنّ الفتى سليل العوامِ، وابن دهماءِ القوم طمع في حُكم الأمويين منذ صباه، وهو الحُلم الذي ظنّ رفاقه أنه صعب المنال، خاصة أنّ صاحبهم ليس سليل البيت الأموي الحاكم.

(مسجد قرطبة في الأندلس)

وفي عهد الخليفة الحَكَم المستنصر، تدرج الشاب الطامحُ في الخلافة، حتى صار الرجل الثاني في الدولة، والحاجب الذي حَجَرَ على الخليفة الصبي «المؤيد بالله»، ثم حكم الحاجب المنصور الأندلس قرابة ربع قرن، مؤسسًا دولة داخل الدولة، كما خاض 54 غزوة لم يُهزم فيها مرة واحدة قط، حتى وصلت حدود دولتِه في أوروبا إلى أراضٍ لم يطأها حاكمٌ مسلمٌ قبله أو بعده.

يقارن المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان في موسوعته «دولة الإسلام في الأندلس» بين أقوى خلفاء بني أمية الخليفة عبد الرحمن الناصر، وبين الحاجب المنصور: «إذا كان عهد الناصر ألمع صفحة في تاريخ إسبانيا الإسلامية، فإن عهد المنصور لا يقل لمعانًا وتألقًا، بل ربما امتاز على عهد الناصر بما أحرزه من تفوق في السلطان والقوى العسكرية».

أوصى محمد بن أبي عامرٍ لابنه عبد الملك بالحجابة من بعده، بينما حصل ابنه الآخر عبد الرحمن على قيادة الجيش، واستمرت الوصاية نحو تسع سنواتٍ على الخليفة هشام المؤيد بالله، وبعد موت عبد الملك خلفه أخوه عبد الرحمن شنجول في الحجابة، وينسب إليه بعض المؤرخين سقوط الدولة العامرية التي أسسها أبوه، بل وسقوط الدولة الأموية، وبداية سقوط الأندلس نفسها، لأنّ مقتله أشعل ثوراتٍ انتهت بتمزيق الدولة، وبداية ظهور عهد ملوك الطوائف.

أعلن عبد الرحمن شنجول نفسه وليًا للعهد، وهو ما كان كافيًا للثورة التي شهدتها الأندلس، والتي انتهت بقتله وخلع الخليفة وتنصيب الأمير الأموي محمد المهدي بالله، الذي تصفه المصادر التاريخية بأنه لم يكن جديرًا بالحُكم، وتسببت سياساته الطائشة في اقتتال الأمراء داخل البيت الأموي.

قام محمد المهدي بسجن الخليفة المخلوع المؤيد بالله، ونفى ولي عهده، وسجن عددًا من كبار الأسرة الأموية، وقرر تسريح سبعة آلاف جندي من الجيش، وحين كثر الخصوم عليه دارت معركة كان النصر فيها حليف المهدي، ليضطر الأمير الأموي المستعين بالله الاستعانة بملك قشتالة الإسباني لهزيمة المهدي والوصول إلى الحُكم. وبالرغم من انتصاره وتنصيبه خليفة، إلا أن فلول جيوش المهدي الهارب اتصلت بملك قشتالة وطلبوا مساعدته نظير دفع مبلغٍ ضخم من النقود الذهبية، وحين انتصر الجيش على المستعين بالله دخلوا قرطبة وحرروا الخليفة المؤيد بالله ليتولى فترة خلافته الثانية.

أدرك الخليفة المؤيد بالله أنّ مملكة قشتالة تضرب الأمويين بعضهم ببعض، وأنها خطرًا كبيرًا على مُلكه، ولكثرة الحروب الداخلية التي خاضها لم يكن له طاقة بها، علاوة على أنه لم يستطع الحفاظ على إرث أبيه المستنصر بالله ومن بعده الحاجب المنصور في الحفاظ على الحصون التي استوليا عليها والتي بلغت 200 حصن صارت في النهاية هدية مقدمة إلى الملك الإسباني.

ورغم كل ما قدمه المؤيد بالله لملك قشتالة، إلا أنّ الأخير تركه دون حماية، حين حوصر من الأمازيغ الذين أسقطوا مُلكة واستباحوا قُرطبة، وعيّنوا المستعين بالله مرة أخرى للخلافة الثانية.

لكنه لم يمض سوى ثلاث سنوات حتى قُتل عام 407 هجريًا، وتولي من بعده أربعة أمراء على التوالي (المرتضى بالله، والمستظهر بالله، والمستكفي بالله، والمعتد بالله). وفي عام 418، سقطت الدولة الأموية بعدما أغرقتها الدماء وتمزقت أوصالها من كثرة الصراع على الحُكم، وظهرت حقبة ملوك الطوائف بإعلان كل أمير نفسه خليفة لإمارة صغيرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الحاجب المنصور الذي حكم الأندلس ربع قرن دون أن يعتلي كرسي الخلافة!

قصة محمد بن أبي عامر انتهت عقب سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس عام 1492، بتنصير عائلته وتعميد كل أحفاده، وبينما يُشار إليه بأنه أعظم حاكمٍ للأندلس طيلة بقائها ثمانية قرون، إلا أنّ أبناءه يُنسب إليهم البداية الفعلية لسقوط الأندلس.

 خلفاء صلاح الدين الأيوبي.. قصة خيانة الأيوبيين للقدس

رغم أنّ مسيرة الكفاح لتحرير بيت المقدس تبدأ فعليًا من الدولة الزنكية بقيادة عماد الدين زنكي التي حاربت الفرنجة وتولت التمهيد للمعركة الفاصلة، إلا أن صلاح الدين الأيوبي قطف بشكل أوضح ثمرة الانتصار في النهاية، بداية بتوحيد مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت راية الخلافة العباسية، بعد أن قضى على راية الفاطميين التي امتدت نحو قرنين ونصف من الزمان، ثم وصل أخيرًا إلى المسجد الأقصى بعدما هزم الصليبيين هزيمة منكرة في معركة حطين عام 1187 ميلاديًا.

تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم الشام وفلسطين ومصر إلي التقسيم بعد وفاة صلاح الدين نتيجة التنافس بين أفراد أسرته، فكانت مصر من نصيب ابنه الأول عماد الدين الذي لقب بالعزيز، ودمشق من نصيب ابنه الثاني الأفضل نور الدين علي، وحلب من نصيب ابنه  الثالث الظاهر غازي غياث الدين، والكرك والشوبك من نصيب الملك العادل أخو صلاح الدين.

ما لبثت الأسرة الحاكمة أن تنازعت فيما بينها على أملاك السُلطان الأيوبي، لتبدأ فترة الدسائس والمكائد والانقلابات وتقسيم الإمارات التي انتهت بسيطرة العادل على مُلك ابن أخيه وتولى حكم مصر منفردًا عام 1200 ميلاديًا، فقام ببسط نفوذه علي الشام، وإعادة الدولة الأيوبية تحت حكم سلطانٍ واحد، في وقتٍ لم تكف الحملات الصلييبة عن غزو بلاد المسلمين بين الفينة والأخرى.

فعل العادل لاحقًا مثلما فعل أخوه بتقسيم الدولة على أبنائه، فأعطى ابنه الكامل حكم مصر، والمُعظم عيسي دمشق، والأشرف موسى حلب. لتبدأ القصة المعروفة تاريخيًا. تعرضت مصر للحملة الصليبية الخامسة عام 1218، ورست الحملة على الضفة الغربية للنيل المواجهة لمدينة دمياط، ولم تُجْدِ محاولات الكامل في الدفاع عن المدينة، ومنع سقوطها، وفي الوقت الذي راسل فيه إخوته طلبًا لجيوشهم، كان يراسل الصليبيين طالبًا منهم الجلاء عن مصر، مقابل إعطائهم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية، وجميع ما فتحه صلاح الدين من مدن الساحل الشاميّ، وبالرغم أن الجيش الصليبي رفض العرض لثقته في إحراز نصرٍ سهل، إلا أنّه تعرض لهزيمة مفاجئة بسبب موسم الفيضان، فانسحبوا دون شروط.

نشب صراع بين السلطان الكامل وأخيه المعظم عيسى صاحب دمشق، واستعان كل منهما بمن يحقق له الظفر؛ فاستعان المعظم عيسى بالسلطان جلال الدين الخوارزمي سلطان الدولة الخوارزمية، واستنجد السلطان الكامل بالإمبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية في غرب أوروبا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«إيكونوميست»: كيف أصبح صلاح الدين الأيوبي بطلًا عند الغرب؟

طلب الملك الكامل من الإمبراطور مساعدته في حربه ضد أخيه المعظم عيسى، مقابل تسليم بيت المقدس وجميع فتوحات صلاح الدين في الشام، ووقع الطرفان الاتفاقية التي عُرفت باسم «اتفاقية يافا»، والتي على إثرها بدأت الحملة الصليبية السادسة التي انتهت بتتويج فردريك الثاني ملكًا على القدس. يصف المؤرخ المصري المقريزي أنباء استقبال الخبر قائلًا: «اشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم الكامل، وأذّنوا على بابه في غير وقت الأذان، واشتد الإنكار على الملك الكامل».

الظاهر بيبرس.. الابن لم يكن سر أبيه

في قلب مدينة دمشق، وعلى بُعد أمتارٍ من الجامع الأموي العتيق، يقبعُ ضريحٌ حجري دُفن داخله رجلان من سبعة قرون مضت، أحدهما هو الظاهر بيبرس؛ سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية الذي أحيا خلال حكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعد ما قضى عليها المغول في بغداد، بينما يرقد بجواره ابنه الذي خلفه في الحكم وهو ابن الثامنة عشر عامًا، ثم لحق به بعد عامين.

(مسجد الظاهر بيبرس في القاهرة)

لم يكن الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان بن الملك الظاهر بيبرس يمتلك دهاء أبيه في تدبير شؤون الحُكم، ويصفه المؤرخون بأنه جمع بين فساد الرأي إلى جانب سوء التدبير فانتهى به الحال مخلوعًا من على كُرسي أبيه بعد عامين.

أبقى الملك السعيد على الأمير بيلبك الذي عيّنه بيبرس في نيابة السلطنة، إلا أنه لم يلبث طويلًا حتى مات، واُتهم السُلطان بدس السم له بنصيحة من خاصكيته –حرس السُلطان- من الأحداث الذين أحاطوا به، يقول المقريزي في كتابه «السلوك لمعرفة دول الملوك»: «كان بيلبك محنكا في السياسة وله خبرة بشؤون الحكم، فلما مات بدأت أحوال الملك السعيد تضطرب وتختل».

عين الملك السعيد بعدها الأمير شمس الدين الفارقاني نائبًا للسلطنة لكنّ الخاصكية لم يحبوه فأوغروا صدر السُلطان عليه فخلعه وعيّن بدلًا منه الأمير شمس الدين سنقر، لكنه لم يصمد هو الآخر من الوشايات فلحق بأصحابه، وفي النهاية نجح الخاصكية في تولية واحدٍ منهم، وهو «سيف الدين كوندك»، وهو ما لم يعجب «لاجين الزيني»، أحد أقرب الخاصكية للملك السعيد، فنشبت بين الرجلين عدواة سُرعان ما أحرقت القصر بمن فيه.

أما خارج القصر، فراح الملك السعيد يقدم صغار المماليك من خاصكيته على أكابر الأمراء، فقبض على أصدقاء أبيه وأودعهم السجن، ثم زادت الوحشة بينه وبين الأمراء الصالحية. ثم قبض على عدة من  الأمراء من مماليك والده، فاجتمعت له من العداوة أكثر ما حاز من السُلطان.

يقول المقريزي: «ذهب خاله الأمير بدر الدين محمد بركة خان إلى أخته أم السلطان، وقال لها: قد أساء ابنك التدبير بقبضه على مثل هؤلاء الأمراء الأكابر، والمصلحة أن ترديه إلى الصواب، لئلا يفسد نظامه وتقصر أيامه. فلما بلغ الملك السعيد ما قاله خاله لأمه قبض عليه هو الآخر».

بالعودة إلى صراع الخاصكية داخل القصر، فالخاصكية ومنهم أخصّهم عنده «لاجين الزيني» أشاروا على السُلطان بعزل أكابر الأمراء وسلب إقطاعاتهم وتوزيعها على أنفسهم، والفرصة كانت مواتية حين خرج أولئك الأمراء على رأس جيش قوامة 10 آلاف جندي من مصر والشام لشن غارة على مملكة قيليقية –جنوب شرق تركيا-، إلا أنّ نائب السُلطان «سيف الدين كوندك» حذر الملك السعيد من سوء عاقبة ذلك التصرف، فعُزل هو الآخر بعد وشايات قرر بعدها الانتقام، وتحذير الأمراء قبل القبض عليهم، فأشعلوا تمردًا لم يكن السُلطان مُستعدًا له.

سياسة

منذ سنة واحدة
الناصر محمد بن قلاوون.. المملوك الأعرج الذي ثار من أجله أهل القاهرة

وفي الوقت الذي كان الملك السعيد في دمشق، توجه الأمراء بمن معهم من الأجناد إلى مصر، فحاصروا قلعة الجبل التي وصلها الملك السعيد سرًا بعد ذلك، فضُرب حصارٌ استمر حتى تفرق عن السلطان أتباعه، فقرر الإذعان للشروط وخلع نفسه عام 1279، وتوجه بعدها إلى مدينة الكرك –الأردن حاليًا-. وفي عام 1280، توفي الملك السعيد وهو في عمر الـ 21، بعد سقوطه من على حصانه وهو يلعب الكرة، وقامت أمه بنقل جثمانه إلى دمشق حيث دفن بجانب أبيه الظاهر بيبرس، حيث قصة الابن تختلف تمامًا عن قصة أبيه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد