تنمو أدمغة الأطفال بسرعة فائقة خلال السنوات الخمسة الأولى من الحياة؛ إذ أظهرت الأبحاث أن تجارب الأطفال في هذه السنوات المبكرة سواء أكانت إيجابية أم سلبية، جرى رعايتها أو إهمالها، تؤثر بشكل مباشر في كيفية تطور الدماغ، تاركة تأثيرًا طويل المدى في صحة الطفل وقدرته على التعلم والنجاح في الحياة بشكل عام.

 لذلك يسعى كثير من الآباء ومقدمي الرعاية إلى وضع بعض الأسس المعرفية والسلوكية والاجتماعية التي تساعدهم في دعم سلوكيات أطفالهم بشكل إيجابي، يكفل لهم حياة سوية. لكن ماذا يحدث إذا كان الأمر يتعلق بتربية طفل يعاني من إعاقة ذهنية، ونمائية مثل أطفال متلازمة داون (Down syndrome)؟

من هم أطفال متلازمة داون؟

ينقل الوالدان جيناتهم إلى أطفالهم عبر الكروموسومات. في الأطفال المصابين بمتلازمة داون، يحدث خلل ما في انقسام الكروموسومات، يؤثر هذا الخلل الجيني في مهارات الطفل النمائية والتطورية والسمات الجسدية. فيحتاج معظم أطفال متلازمة داون – على عكس الأطفال العاديين – إلى دعم إضافي للتعلم واكتساب المهارات الحياتية المختلفة؛ إذ يعاني معظم أطفال متلازمة داون من ضعف إدراكي معتدل إلى متوسط، أي إن معدل الذكاء بين 55- 70 (معتدل)، أو بين 35- 55 (متوسط).

وبشكل عام يعاني واحد من كل 10 أطفال طبيعيين من مشكلات سلوكية غير مرغوبة، ويمكن أن يشخصها بوضوح المختصون في تعديل السلوك. في المقابل يعاني طفل من كل ثلاثة أطفال مصابين بمتلازمة داون، من مشكلات سلوكية قد لا يجري تشخيصها، إلا أنها تنعكس بشكل واضح عليهم وعلى عائلاتهم.

كيف تظهر المشكلة السلوكية؟

يعتمد السلوك الطبيعي لدى الأطفال على عمر الطفل وشخصيته ونموه البدني والعاطفي. قد يكون سلوك الطفل مشكلة إذا كان لا يتوافق مع توقعات الأسرة أو إذا كان مزعجًا.

عادة ما يُحدَّد السلوك الطبيعي أو «الجيد» من خلال ما إذا كان مناسبًا اجتماعيًّا وثقافيًّا وتنمويًّا، ومدى اتساقه مع مرحلة الطفل  العمرية.

Embed from Getty Images

لكن تكمن المشكلة بالنسبة لأطفال متلازمة داون، في الفجوة بين العمر الزمني والعمر العقلي لهم، أو بمعنى أكثر وضوحًا؛ الطريقة التي يعالج بها الدماغ البيانات والمعلومات وفقًا لاختبارات الذكاء، ومدى ملاءمتها لعمر الطفل الزمني بعدد سنوات الميلاد.

4 مشكلات سلوكية شائعة يعاني منها أطفال متلازمة داون

هناك العديد من الأسباب التي قد تجعل طفل متلازمة داون يمارس سلوكيات عامة سيئة أو غير متوقعة. يمكن أن تشمل أسبابًا بيولوجية، كالجوع والعطش أو الرغبة في النوم، أو أسبابًا مرضية، باستثناء هذه الأسباب يمكن رصد مجموعة من السلوكيات الشائعة التي تحول دون اندماجهم في المجتمع المحيط بهم، والتي من بينها:

1- عدم القدرة على التمييز بين ما هو خاص وما هو عام  

واحدة من أكثر المشكلات السلوكيات الشائعة لدى أطفال متلازمة داون هي السلوكيات الجنسية غير المقبولة، مثل لمس الأعضاء التناسلية في مرحلة الطفولة المبكرة، أو التغيرات السلوكية التي تصاحب مرحلة البلوغ كالاستمناء. نتيجة لعجز الطفل عن التمييز بين ما هو خاص وما هو عام، وبين السلوكيات المقبولة اجتماعيًّا والسلوكيات غير المقبولة.

2- الحساسية للضغوط النفسية والاجتماعية والبيئية 

غالبًا ما يكون الأطفال والبالغون المصابون بمتلازمة داون، حساسين بشكل كبير للضغوط النفسية والاجتماعية والبيئية. فمرض أو فقدان أحد الأشخاص المقربين لهم أمر مدمر؛ إذ تتراجع قدرة الطفل على التفكير والتعلم ومعالجة البيانات، وعلى علاقاته داخل إطاره الاجتماعي. فقد يصاب الطفل بحالة من القلق العام والاكتئاب وصعوبات في النوم. قد تستمر هذه الحالة ويمتد أثرها على المدى الطويل وينعكس على أداء الطفل النفسي والاجتماعي والسلوكي والمعرفي.

3- الانسحاب الاجتماعي 

بشكل عام يعاني المصابون بمتلازمة داون في كثير من الأحيان من إعاقات في النطق واللغة والسمع، بينما يعانون في مرحلة الطفولة المبكرة تحديدًا من مشكلات في الإدراك والتواصل والقدرة على حل المشكلات غير اللفظية.

Embed from Getty Images

ويخلق حاجز اللغة بعض السلوكيات العنيفة، التي تكون ردَّ فعل للشعور بالإحباط أو عدم فهم الأشخاص المحيطين به، فيصاب الطفل بالاكتئاب والانسحاب الاجتماعي.

4- مشكلات الانتباه  

يعاني أطفال متلازمة داون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بوصفهما بعض النتائج المترتبة على مشكلة تدني المهارات اللغوية وعدم القدرة على التواصل بشكل جيد لديهم، ويلعب العمر العقلي دورًا مهمًّا في تقييم مدى الانتباه والاندفاع للطفل.

لكن يجب تقييم مدى الانتباه والاندفاع بناءً على العمر العقلي وليس العمر الزمني، يمكن أن يكون استخدام مقاييس تقييم الوالدين والمعلمين مثل مقاييس تقييم «Vanderbilt» و«Connors Parent and Teacher» مفيدًا في التشخيص.

إذن.. كيف نتعامل مع المشكلات السلوكية لأطفال متلازمة داون؟

إستراتيجيات التدخل لعلاج مشكلات السلوك متغيرة وتعتمد على عمر الفرد وشدة المشكلة والمواقف التي يظهر فيها السلوك بشكل أكثر شيوعًا، وتتطلب المشكلات السلوكية المزمنة تدخلَ أخصائي سلوكي وأخصائي نفسي من ذوي الخبرة في التعامل مع أطفال متلازمة داون.

وعلى الرغم من ذلك تظل الأسرة هي البيئة الداعمة الأولى للطفل، فالآباء أكثر تأثيرًا في نمو أطفالهم من المعلمين والمعالجين، خاصة في سنوات الطفولة المبكرة؛ إذ يتفاعل الآباء تفاعلًا أكبر مع أبنائهم مقارنة بالمختصين في تقديم الخدمات السلوكية والنفسية، فيكتسب الطفل الكثير من المهارات والأنشطة المختلفة التي يتشاركها مع أهله طوال اليوم، ومن بين الإستراتيجيات الفعالة:

1- التدخل المبكر 

تساعد برامج التدخل المبكر في تقديم أنشطة مصممة لدعم تطور تأخر المهارات التنموية المختلفة مثل المهارات اللغوية والحركية، كما تقدم أدلة إرشادية للآباء ومقدمي الرعاية تساعدهم في التعامل مع سلوكيات أبنائهم وتعديلها بما يتناسب مع قدراتهم ومهاراتهم التنموية.

2- اللعب 

بشكل عام يساعد اللعب في إكساب الطفل الكثير من الخبرات الحياتية؛ إذ يمكن عن طريق اللعب، والنمذجة، والمحاكاة، تمرير الكثير من السلوكيات الجيدة وتعديل السلوك بشكل مرن.

Embed from Getty Images

 3- روتين يومي 

يعاني أطفال متلازمة داون من صعوبة في تلقي التعليمات اللفظية وتذكرها إذا كانت معقدة. عادة ما يساعد خلق روتين يومي للأنشطة البسيطة مثل ارتداء الملابس وأنشطة الحمام على تعلم هذه المهام البسيطة.

يوصي العديد من خبراء السلوك بضرورة تصميم جداول مصورة تساعد الأطفال على فهم خطوات السلوك الإيجابي المراد دعمه، أو السلوك السلبي المراد تجنبه، مستغلين قدرة التعليمات المصورة على تخطي الحواجز اللغوية.

4-  المكافأة 

التعزيز الإيجابي للسلوك الجيد يعد دافعًا قويًّا للأطفال، وخاصة أطفال متلازمة داون، يمكن أن تتخذ المكافآت عدة أشكال، كالوعد بشيء ما لإقناع الطفل بأداء سلوك معين ترغب في أن يقوم به. كما يمكن أن تأخذ هذه المكافأة شكل مكافأة مادية أو هدية أو نشاط يحبه الطفل.

كما يلعب التعزيز اللفظي، مثل مدح الطفل، دورًا مهمًّا في خلق سلوكيات إيجابية ودعمها؛ لأن المديح يمنح الطفل على الفور شعورًا إيجابيًّا يمكن ربطه بالسلوك الذي أظهره للتو.

5- الحصول على المساعدة  

تساعد مجموعات الدعم، خاصة من آباء تمر بالتجربة الإنسانية نفسها، في الحصول على كثير من الأفكار التي تساعد في تعديل السلوكيات غير المرغوب فيها، وقد تختصر هذه الأفكار الكثير من الوقت والجهد.

6- ادرس طفلك 

يجب أن تصبح خبيرًا في شؤون طفلك، لا يوجد شيء مثل خبرة الأبوة والأمومة. فدائمًا ما يمتلك الأهل الحدس الأقوى في التعامل مع جميع مشكلات أبنائهم.

صحة

منذ سنتين
«المتوحد عنيف ولا يمكنه التعلم».. 5 من أشهر الأساطير الشائعة عن التوحد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد