«العادات التي نُكسبها للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، هي التي تُحدد ما إذا كان الأطفال سيعيشون حياة الفقر أم الثراء، أو الإنتاجية أم الخمول، أو الخير أم الشر. فلنعلمهم العادات الجيدة منذ صغرهم لنضمن لهم مستقبلًا آمنًا»، تقول الشاعرة الأمريكية ليديا سيغورني.

خلال نهاية القرن السابع عشر، كان يدور جدل حاد بين الفلاسفة والمفكرين، حول مدى أهمية مرحلة الطفولة في حياة الفرد، فكان البعض منهم يعتبرها مجرد فترة «زائدة لا مفر منها» في حياة الإنسان، بينما ذهب قسم آخر إلى أنها فترة محددة لمستقبل شخصية المرء، إلى الحد الذي جعل واحدًا منهم، وهو رائد الفلسفة التجريبية جون لوك، يصفها بـ«الصفحة البيضاء»، التي سترسم فيها البيئة المحيطة عقل الفرد بعد أن يكبر.

ومع تقدم طرائق البحث العلمي في البيولوجيا وعلم النفس، وتنامي التخصصات المهتمة بالطفولة، أصبح العلماء يتلمسون شيئًا فشيئًا، بعض الحقائق عن تلك المرحلة الغامضة في حياة الإنسان، فتبين فعلًا أن ما يتلقاه الفرد من تجارب وخبرات ومعارف، في مراحل طفولته المبكرة؛ يمثل القسم الأكبر من جبل الجليد الغاطس تحت سطح عقلية الراشد.

ولم يكن ليخفى عن العديد من الأنظمة الشمولية والتنظيمات الراديكالية، فعالية استغلال تلك المرحلة لتفريخ أجيال موالية لأيديولوجياتها. هكذا فعلت النازية والفاشية، وها هي الآن تفعلها بعض الجماعات «الأصولية»، التي من بينها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

«تنظيم الدولة» يُسيطر على 250 ألف تلميذ!

في نهاية شهر فبراير (شباط) المنصرم، انتشر مقطع فيديو على شبكة الإنترنت، يظهر فيه رجل من «تنظيم الدولة» يرافق طفله، ويساعده على ركوب سيارة مزدانة بالمتفجرات. ويبدو الوالد سعيدًا برغبة ابنه الصغير في القيام بعميلة انتحارية بريف حلب الشمالي.

في الواقع لم يكن «الانتحاري الصغير» أول صبي يستخدمه التنظيم، فقد سبق أن ظهر مقاتلون أشبال في مقاطع فيديو عديدة، وهم يعدمون رهائن لدى «داعش»، كما أن عديدًا من التقارير تكشف عن إرسال التنظيم لمئات الأطفال إلى جبهات القتال.

وكانت منظمة الأمم المتحدة قد نشرت تقريرًا فبراير (شباط) 2015، تتهم فيه تنظيم الدولة الإسلامية بـ«تجنيد الأطفال، وإخضاعهم لتدريبات عسكرية واستخدامهم مخبرين وحراسة مواقع إستراتيجية وحراسًا على نقاط التفتيش، واستخدامهم في العمليات الانتحارية، ودروعًا بشرية»، محذرة من أن التنظيم الذي وصفته بـ«المتطرف»، يهدف إلى تخريج «جيل من المقاتلين سينظرون إلى العنف على أنه أسلوب حياة».

صفحة «الرقة تُذبح بصمت»، المعنية بتغطية أخبار مدينة الرقة السورية، ذكرت أن التنظيم – المُسيطر على المدينة والتي يعدها عاصمة لدولته – قد شيد مجموعة من معسكرات «الأشبال»، حيث يقوم التنظيم بتدريب الأطفال على استعمال السلاح، وتلقينهم عقيدته وأفكاره.

لا توجد أرقام دقيقة لعدد الأطفال الذين يستعين بهم التنظيم في حروبه، غير أنهم حتمًا يعدون بالآلاف، إذ يُسيطر التنظيم على كل مدارس ومعاهد الرقة ومناطق أخرى، ما يجعل قرابة 250 ألف تلميذ وطالب بالرقة، عرضة للاستغلال من قِبله.

وتذكر «سي إن إن»، نقلًا عن السلطات الكردية، أن التنظيم «اختطف أكثر من 600 طفل من سنجار والمدن الأيزيدية المجاورة، فيما استطاع 200 طفل فقط الهرب منهم».

الأساليب القديمة تعود من جديد

يعيش أطفال الرقة في بيئة مفعمة برائحة الموت، ومليئة بالأسلحة المتنوعة، وهو أمرٌ كاف لتحصلهم على تنشئة غير سوية، كأطفال طبيعيين، بيد أن «تنظيم الدولة» يذهب أبعد من ذلك، إذ يعمل بشكل «ممنهج» على تفريخ جيل يدين له بالولاء لدرجة الموت.

ويقول نشطاء الرقة المحليون، على صفحة «الرقة تذبح في صمت»، إن التنظيم بعد أن سيطر على مدارس الرقة، قام بإلغاء كل المقررات الدراسية، واستبدل بها أخرى تُعبّر عن أفكار التنظيم، كما أن الأطفال يتعرضون لحصص دراسية، يتدربون فيها على استعمال أنواع الأسلحة المُختلفة.

ووفق الناشطين المحليين هناك، فإن التنظيم يرغم الآباء على توقيع وثائق تقر بالآتي: «أتعهد أنا، بمشيئة الله، بأن أرسل ابني إلى المدرسة من أجل استكمال دراسته، وفي حالة عدم تنفيذ ذلك، فأنا أتحمل المسؤولية كاملة».

وكان التنظيم قد طالب المدرسين السابقين في الحكومة النظامية بإعلان «الاستتابة»، والتوقيع على نص مفاده: «أعبر أنا، الموقع أدناه، عن توبتي إلى الله عن تدريس المناهج الكفرية والقومية والإلحادية، والعمل وفق قوانين من صنع البشر».

وبالإضافة إلى استغلال التنظيم للمدارس، فإنّه يعمد أيضًا إلى بث أفكاره عبر المساجد وبنشر مقاطع الفيديو على الإنترنت. وبتمكّن التنظيم من فرض السيطرة الكاملة على مدينة الرقة، فإنّ من السهل بالنسبة إليه استقطاب سُكان المدينة المعزولين عن العالم الخارجي.

الأبرياء القتلة!

التقارير الواردة عن مدينة الرقة، سواءٌ من بعض سكانها، أو عبر صحافيين سنحت لهم الفرصة معايشة الأوضاع هُناك، تكشف عن أثر تغلغل التنظيم في بنية المدينة، فبحسب تلك التقارير فإن عديدًا من الأطفال يتسابقون للانضمام إلى التنظيم، حتى بات بعضهم يُهدد أهله حال عدم التزامهم بتعليمات التنظيم. أما البعض الآخر فُيشارك بشكل مُباشر في مهام قتالية وعمليات انتحارية.

حتى أنّ لهو الأطفال هناك، تحول إلى تمثيليات يقوم بها الصغار، تجسيدًا للحروب والمعارك التي يخوضها التنظيم، وفقًا لما جاء على موقع الآن.

ويستعمل التنظيم أساليب الترهيب والترغيب لكسب قبول الآباء، باستعمال أبنائهم في المهام الجهادية، كما يعمد أحيانًا إلى خطف الأطفال، مثلما حصل مع الأيزيديين، حين خطف 800 طفل بحسب السلطات الكردية.

ويُعزى إقبال الأطفال في الرقة على معسكرات «داعش» إلى توقف المدارس الحكومية والفعاليات المدنية بالمدينة، وبالتالي أصبحوا عرضة لاستقطاب ماكينات التنظيم الدعائية، علاوة على الامتيازات المالية والرمزية التي يحصل عليها الشبان المنضمون للتنظيم، مقارنة بأقرانهم غير المنتمين.

عنصر ضمان استمرار «داعش»

قد يسقط التنظيم بعد مُدة على أثر الضربات التي يتعرض لها واحدةً تلو الأخرى، إلا أنّ هذا لا يعني نهايته، ونهاية ما يُعبّر عنه.

استطاع تنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على مناطق واسعة في سوريا والعراق. ويفرض على أهالي السكان هناك بالمناطق التابعة لنفوذه، نظامَه الخاص به منذ سنوات، كما يعمل بكد على تنشئة الأطفال وفق عقيدته وجملة أفكاره، من خلال المدارس والمساجد والمعسكرات.

من هنا إذًا تتبدى صورة الإرث الذي سيخلفه التنظيم بعد القضاء عليه، إذ سيصطدم العالم لا محالة بجيل متشبع بقناعات جهادية، ما سينعكس سلبًا على استقرار سوريا والعالم بأسره على المدى المتوسط.

لكن يبقى السؤال هو: ما الذي يجدر بالعالم فعله لمعالجة مشكلة أطفال الرقّة، بعد القضاء على «تنظيم الدولة»؟ أو بعبارة أخرى: «كيف سيعود أطفال الرقة إلى الحياة؟».

أضف إلى ذلك كلّه، أن هناك جيشًا من أبناء المقاتلين الأجانب، الذين آثروا الانضمام إلى داعش والتبرؤ من بلدانهم الأصلية، ما يعني أن هؤلاء الأطفال هم في نهاية المطاف لا يتبعون أي جنسية سوى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي لا يعترف بالحدود، فكيف إذًا سيتم التعامل مع هؤلاء؟!

عرض التعليقات
تحميل المزيد