أظهرت لقطات مُصورة حديثًا انخراط مجموعة من قرود الشمبانزي، في سلوك غريب، اعتبره بعض العلماء، أنه قد يكون شكلًا من أشكال ممارسة طقوس دينية مقدسة، والتي يشار إليها بأنها طقوس مشابهة للطقوس الدينية البدائية للإنسان.

ما هذا الكلام؟

رصد مجموعة من العلماء في منطقة غرب القارة الإفريقية، بعضًا من حيوانات الشمبانزي وهي تحدث ضجيجًا مرتفعًا وتقوم بإلقاء الحجارة باتجاه الأشجار، وباتجاه المناطق الفارغة بين الأشجار؛ مما يؤدي لتجمع أكوام من الحجارة.

ولاحظ العلماء أن هذه الأكوام من الحجارة، ليس لها أي غرض وظيفي واضح على صورتها هذه، لكنهم أوضحوا أنها ربما تكون مثالًا على ما اعتبروه «نموذجًا لنسخة مبكرة من سلوك ممارسة الطقوس الدينية». فقيام الشمبانزي بتجميع أكوام الحجارة بهذه الصورة، هو أمر مشابه لأكوام الحجارة الخاصة بممارسة الطقوس الدينية، والتي عُثر عليها عبر تاريخ البشر.

هذا الاكتشاف قد يكون عاملًا مساعدًا جيدًا للعلماء والباحثين، لمعرفة المزيد عن أسس الأديان البشرية، وممارة الطقوس والشعائر، وكيف تشكلت هذه الأنشطة على مرّ التاريخ البشري.


الشمبانزي واستخدام الحجارة

ويشير العلماء إلى أن كلًّا من الشمبانزي وغيرها من القرود، تقوم منذ أمد بعيد، باستخدام الحجارة وبعض المواد الأخرى، كأدوات تستخدمها في مواقف مختلفة، مثل استخدامها كسارة بندق مع الأطعمة التي تملك قشرة صلبة بحاجة إلى الكسر. لكن السلوك الجديد الذي لاحظه العلماء، لا يبدو أن له أي غرض وظيفي واضح.

وقد كتب الباحثون عن الأمر قائلين، إن «هذا يُمثّل أول سجل موثق من خلال مشاهدات متكررة لأفراد من الشمبانزي يستخدمون الأحجار لأغراض أخرى غير الحصول على الطعام».

ويؤكد الباحثون من خلال ورقة بحثية، أن العرض الذي قدمته حيوانات الشمبانزي هذه، والمتمثل في الطقوس والسلوك الشبيه بالطقوس الدينية البدائية، لوحظ وجودها في أماكن معينة، ما يدل على أن الطقوس تتم في أماكن ومواقع محددة ومعروفة للشمبانزي.

ماذا عن البشر؟

وبالنسبة للبشر، فإن المباني والتجمعات الحجرية، ترمز لمجموعة واسعة من الأشياء، والتي لها استخدامات تتعلق بعمليات الدفن والأضرحة المرتبطة بها.

ويشير الباحثون إلى أن عمليات الدفن وبناء المقابر والأضرحة عند البشر، تشبه إلى حد كبير سلوك الشمبانزي الذي تم ملاحظته من قبل هؤلاء الباحثين. لكنهم أشاروا أيضًا إلى أن سلوك الشمبانزي هذا يمكن أن يمثل اتصال مباشر بالطقوس الدينية عند البشر.

فالسكان الأصليون في مناطق غرب أفريقيا، وهو نفس المكان الذي تم فيه تصوير سلوك الشمبانزي العجيب، يقومون أيضًا بجمع الحجارة عند الأشجار المقدسة، مع ملاحظة أن هذا السلوك البشري تم رصده في عدة مناطق أخرى حول العالم، وهو سلوك قال عنه الباحثون إنّه «يشبه إلى حد مخيف ما اكتشفناه مع الشمبانزي».

إحدى الباحثات المشاركات في هذه التجربة المميزة، قالت إن تجربة مشاهدة الشمبانزي وهي تنظر حولها، ثم تقوم بقذف الصخور تجاه جذع الشجرة، هو بمثابة أمر «لا مثيل له، لدرجة أني قمت بالصراخ من الرعب عند مشاهدته لأول مرة».

وتقول الباحثة، إن وسم المسارات والمناطق باستخدام معالم معينة مثل أكوام الصخور، هو إحدى الخطوات الهامة التي تمت خلال التاريخ البشري. وقيام الشمبانزي بتحديد منطقتها وأرضها عبر وضع أكوام الحجارة، يمكن أن يمنحنا فكرة عمّا إذا كان الشمبانزي بشكل عام يعتبر أن له أرضًا ومنطقةً جغرافيةً كدولة له.


الشمبانزي هو..

والشمبانزي هو أحد حيوانين لا يوجدان إلا في قلب القارة الإفريقية دون غيرها، وينتمي إلى فصيلة القردة العليا ويتركز في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، وخصوصًا في غابات الكونغو.

يوجد فصيلتان من الشمبانزي تم التعرف عليهما منذ عام 1928، إحداهما هي الشمبانزي المتعارف عليه، والآخر هو ما يطلق عليه اسم بونوبو. ويتميز الشمبانزي بأنه أكثر عدوانية ويكون للذكر الهيمنة بشكل أكبر، بينما بونوبو يتميز بأنه أكثر سلمية، وتكون للأنثى الهيمنة.

والشمبانزي يُعدّ من أنواع القردة الكبيرة، إذ يبلغ طوله بين 130 – 160 سنتيمترًا، ويتراوح وزنه بين 30 – 60 كيلوغرامًا، ويتميز بطول ذراعيه، التي تصل كل منها إلى 2,7 متر، مع عضلات كتف وأذرع أقوى كثيرًا، من تلك الموجودة عند الإنسان. ويتميز الشمبانزي بأنه يعيش في مجتمعات ذات مجموعات ذكورية أو أنثوية.

بين الشمبانزي والإنسان

يقوم الشمبانزي بصناعة الأدوات التي تساعده في الحصول على الطعام من البيئة الموجودة حوله، كما أن لهذه الحيوانات إستراتيجيات متطورة للصيد، والتي تتطلب التعاون والنفوذ والسلطة، ووجود ترتيب هرمي للقيادة. وتتميز بأنها واعية ومتيقظة دائمًا، كما أنها متلاعبة وقادرة على الخداع.

يمكن للشمبانزي أن تتعلم كيفية استخدام الرموز، ويمكنها أن تستوعب جوانب اللغة الخاصة بالإنسان، بما في ذلك الترتيبات العددية وأسس التعامل بالأرقام. والأخطر والأهم من هذا، هو أنهم قادرون على التخطيط التلقائي لدولة مستقبلية أو حدث مستقبلي معين!

وتتواصل الشمبانزي مع بعضها البعض بطريقة شبيهة بالتواصل بين البشر دون الكلام، طريقة أشبه بلغة الصم والبكم، لكن يتم فيها استخدام بعض الأصوات وحركة الأيدي وتعبيرات الوجه. وأظهرت بعض التجارب أن الشمبانزي لها القدرة على إعادة الكلام البشري. وأظهرت أيضًا بعض الأبحاث التي أجريت على أدمغة هذه الحيوانات، أن عملية التواصل بين الشمبانزي وبعضها البعض تنشط منطقة في المخ، في نفس الموقع الذي يقع فيه مركز اللغة عند الإنسان.

تقوم الشمبانزي أيضًا باصطياد وقتل بعض أنواع القردة البدائية مثل القرد الأحمر، وتستخدم لحومها كإحدى الأدوات الاجتماعية داخل مجتمعهم. وفي عام 2013، أظهرت دراسة علمية أن الشمبانزي يمكنها حل بعض الأحاجي والألعاب على سبيل التسلية.

وقالت الدراسة إن الشمبانزي تحب حل هذه الألغاز بنفس الطريقة التي يحب بها المدمنون على الكلمات المتقاطعة حل الألغاز. ويشير العلماء إلى أن الشمبانزي تملك نفس المستوى من الراحة والسعادة عند حل الألغاز التي يحصل عليها الإنسان أيضًا. ولاحظ العلماء أن الشمبانزي التي تقوم بحل هذه الألعاب تقوم بذلك سواء كان هناك مكافأة في النهاية أم لا؛ مما يدل على أنها تقوم بذلك بغرض المتعة والترفيه ليس إلا.

ويشير العلماء إلى أن الشمبانزي، عند حل هذه الألعاب أو الألغاز، تشعر بنفس المستوى من المكافأة النفسية التي يشعر بها الإنسان عند حل الألغاز والأحاجي. وتختلف الشمبانزي عن بعض الحيوانات التي يمكنها حل الأحاجي أو الوصول لنهاية المتاهة من أجل الوصول للطعام فقط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد