هل يصبح كوكب الأرض بعد عدة عقود أو حتى قرون، كوكب الشمبانزي؟

أحد أهم الأسباب التي جعلت البشر مرنين، هي القدرة على إعادة تشكيل السلوك وفقًا للمتغيرات التي تحدث من حولنا. وقد شهدنا هذا وقت انتشار فيروس كورونا، عندما تبنى البشر عادات جديدة سريعًا مثل ارتداء الكمامة، والتباعد الاجتماعي، والالتزام بالحجر، وهذا مجرد مثال واحد على قدرة البشر على التكيف مع التغيرات البيئية، وتلك القدرة على التكيف هي التي شكلت التطور البشري.

في الماضي ومنذ ملايين السنين، بسبب تغير المناخ الجذري الذي تسبب في توسع الغابات أو انكماشها بمرور الوقت، كان على أسلافنا الأوائل التأقلم مع كمية وأنواع الغذاء والمأوى المتاحين في ظل الظروف البيئية الجديدة، وبسبب تلك المرونة التي تتمتع بها تصرفات البشر؛ استطعنا الصمود حتى وقتنا هذا، لكن – وفقًا لأحدث الدراسات- يبدو أننا لسنا وحدنا الذين نتمتع بتلك القدرة على التأقلم، فقد أثبت الشمبانزي قدرات مثيرة للاهتمام في مواجهته للتغير المناخي، تختلف عن باقي الحيوانات الموجودة على كوكب الأرض الآن، فكيف يحدث ذلك؟ هذا ما سنجاوب عنه في هذا التقرير.

الحيوانات القادرة على التكيف يصعب عليها مواكبة التغير المناخي

في ظل ما يتعرض له كوكب الأرض من تغيرات مناخية، تعرضت الكثير من الكائنات الحية لخطر الانقراض بسبب عدم قدرتهم على التأقلم على الظروف المناخية الجديدة التي تتسبب في تغييرات جذرية في البيئات التي يعيشون فيها، وطرق الحصول على الطعام، وهذا لأن الاحتباس الحراري له تأثير مباشر في الطبيعة والموجودات التي تعودت تلك الكائنات على التعامل معها.

هجرة الطيور

أشارت دراسة نشرت عام 2019 إلى احتمالية حدوث انقراض جماعي للحيوانات، وتحديدًا الطيور منها، بسبب التغير المناخي؛ نظرًا إلى عدم قدرتها على التكيف بسرعة كافية. وأكد الباحثون في الدراسة أن الحيوانات لا تتكيف بسرعة كافية لمواكبة التغير المناخي السريع؛ الأمر الذي يجعلها عرضة لخطر الانقراض.

حددت الدراسة بعض أنواع الطيور المعروفة والشائعة، مثل طائر القرقف الكبير والقرقف الأزرق والطيور البحرية، موضحين أنه من المفترض أن تكون تلك هي الأنواع القادرة على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة، ومع ذلك فهي حتى وقت الدراسة – 2019- لم تجد الطريق لتتكيف مع التغيرات المناخية السريعة للكوكب، ولذلك يعد هذا مؤشرًا خطيرًا على أنواع الحيوانات والطيور النادرة التي ليس لديها القدرة الكافية على التأقلم من الأساس، ووصفت الدراسة أن مستقبل الحيوانات النادرة في ظل  التغير المناخي يعد مستقبلًا «قاتمًا».

ولكن في العام 2020 نشرت دراسة رصدت ظاهرة مهمة في مملكة الحيوان، وهي أن الشمبانزي يختلف عن جميع الحيوانات في تعامله مع التغير المناخي، وأنه لديه القدرة على الصمود في وجه ما يحدث للكوكب الآن.

الشمبانزي: «مزيد من التغير المناخي يعني مزيدًا من التطور»

«لدى الشمبانزي مرونة سلوكية مميزة»؛ هكذا صرحت إيمي ماكلان الباحثة في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية، والمؤلفة الرئيسية للدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Communications»، وتضمنت تلك الدراسة بيانات جرى جمعها لمدة تسع سنوات عن 144 مجموعة مختلفة من مجتمعات الشمبانزي في 15 دولة بأفريقيا.

في إطار تلك الدراسة، حاول الباحثون رصد مدى تنوع سلوكيات كل مجموعة منها وعلاقتها بالتغيير المناخي الموجود في المنطقة التي يعيشون فيها، وما تأكد منه مؤلفو الدراسة، أنه كلما كانت المنطقة التي تعيش فيها جماعة شمبانزي تتعرض لتغيرات مناخية جذرية، مثل ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الماء، واختفاء بعض أنواع النباتات؛ زادت وتنوعت سلوكيات المجموعة بهدف الوصول إلى حلول تساعدهم على التأقلم مع تلك الظروف.

وكلما كانت الظروف البيئية أصعب، طوَّر سلوكًا أكثر تعقيدًا ليتأقلم مع الوضع. ووضحت إيمي في الدراسة أن هذا الكشف يمنح علماء الحيوان الأمل في قدرة الشمبانزي على التكيف مع المشكلات المستمرة الناتجة من التغير المناخي والاحتباس الحراري، وأن الأمر كان مثيرًا للاهتمام بالنسبة لمؤلفي الدراسة، نظرًا إلى أن الشمبانزي الأكثر قرابة في سلسلة التطور البشرية – وفقًا لنظرية التطور- وأكدت إيمي أنها ستعمل على دراسات قادمة لرصد العلاقة بين جيناته وقدرته على التطور، وفي رأيها أن الشمبانزي يستخدم ماضيه التطوري لمواجهة مستقبل مناخي مجهول، وكأن التاريخ يعيد نفسه.

الشمبانزي يبدأ في استخدام الأدوات

استخدام الأدوات لتناول الطعام هو سلوك عادة ما يتفرد به الإنسان، والذي اكتسبه في رحلة تطوره منذ ملايين السنين، لكن بعض مجموعات الشمبانزي التي تعيش في غابات تأثرت بالتغير المناخي؛ لجأت في السنوات الأخيرة لممارسة هذا السلوك بهدف توفير المزيد من الطعام، ويعد السلوك الأكثر إثارة للاهتمام، هو استخدام غصون الشجر وسيلة لإخراج النمل والحشرات من الجحور؛ حتى يكون من الأسهل على الشمبانزي تناولها.

شاهد هذا المقطع لترى كيف يستخدم الشمبانزي غصن الشجر لتناول الطعام:

قد يظن البعض أن هذا الأمر بسيط، لكن استخدام الحيوان للأدوات يتطلب قدرًا كبيرًا من الذكاء والتطور، خاصة وأن العملية تبدأ من التفكير في تطويع غصن الشجرة لغرض آخر، وقطع الغصن المناسب في الحجم ليكون صالحًا لدخول الجحور الصغيرة، ثم الحفر للوصول إلى أماكن الحشرات، ومن ثم استخدامه لالتقاط الحشرات من داخل الجحر، وهي عملية عقلية معقدة، ما يؤكد أن التغيرات المناخية التي تسببت في نقص الطعام ببعض البيئات التي يعيش فيها الشمبانزي، قد ساهمت بشكل مباشر في تطور سلوكياته، وتطوره العقلي أيضًا.

في واحدة من الدراسات التي نشرت في نهاية عام 2019 حول التغيرات المرصودة في تصرفات الشمبانزي، كتب مؤلفو الدراسة: «علم الشمبانزي الصيد ليأكل الحشرات، فأنت تضمن له الطعام مدى الحياة، لكن إذا علمته طريقة أفضل لاستخدام الأدوات في جمع الفرائس؛ قد يغير هذا مسار التطور».

والغريب في التصريح أنه لا يتحدث عن أفعال البشر، وحين تحدثوا عن التعلم كانوا يقصدون الشمبانزي نفسه، والذي أثبتت تلك الدراسة التي قادها باحثون في جامعة واشنطن في سانت لويس وجامعة ميامي وكلية فرانكلين؛ أنه قادر على تعليم صغار الشمبانزي تلك المهارات، ما يضمن أن تلك الثقافة الجديدة في السلوك التي يكتسبها الشمبانزي ليست حالات فردية، بل إنها تُمرر للأجيال القادمة، وهذا التصرف – توضح الدراسة- يعد واحدًا من أهم السلوكيات الاجتماعية التي تميز البشر، وتبني الشمبانزي لها، هو أكبر دليل على تطورها أمام الصعوبات التي تواجه مناخ الكوكب.

الشمبانزي يظهر أكثر من 30 سلوكًا تطوريًّا

استخدام الأدوات في تناول الطعام لم يكن السلوك المستجد الوحيد الذي رصدته الدراسة لدى مجموعات الشمبانزي التي تعيش في أماكن تأثرت بالتغيير بالمناخي، بل إن الدراسة رصدت 31 سلوكًا جديدًا يؤهل الشمبانزي على التأقلم مع تلك التغيرات، وقد أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم «الذخيرة المتنوعة في السلوك» نظرًا إلى أن الشمبانزي يستخدمها سلاحًا يحارب به التغير المناخي.

تلك المهارات التي طوَّرها الشمبانزي في سلوكياته، من استخدام الأدوات، وتوطيد العلاقات بين الجماعات من خلال التعلم وتمرير المعلومات، واللجوء لبرك المياه لتهدئة حرارة أجسادهم المتأثرة من التغير المناخي، وتعلم طرق جديدة للصيد وتناول الطعام؛ سيكون لها الفضل في أن ينجو الشمبانزي من مخالب الاحتباس الحراري والمصير الذي ينتظر الأرض، إن لم تجر السيطرة على التغيرات المناخية، لكن العلم الحديث استطاع أن يجد في كل هذا جانبًا إيجابيًّا.

إعلام

منذ شهر
«الإندبندنت»: كيف تتربح منصات التواصل الاجتماعي من الإساءة إلى الحيوانات؟

والمثير للاهتمام في هذا الأمر؛ ليس فقط رصد السلوك التطوري المعقد لهذا الحيوان، بل إن هذا الرصد قد يكون له دور مهم ونظرة ثاقبة للأصول التطورية للقدرات الثقافية لدى البشر، وورد في الدراسة ما يلي: «يتميز التطور البشري بظهور وتطوير تقنيات معقدة من السلوك، والتي كانت تُرجع لقدرة الجنس البشري على نقل المهارات بعضهم إلى بعض من خلال آليات التدريس والتقليد، ومع ذلك فإن العلم لم يستطع تحديد تلك الأصول ورصدها بمراحلها»؛ الأمر الذي يجعل من مراقبة ما يحدث للشمبانزي الآن بسبب التغيرات المناخية؛ نافذة حيَّة على مراحل نظرية التطور.

الفكرة بشكل عام تبدو غريبة ومخيفة، فإذا كان الشمبانزي – وفقًا لنظرية التطور وما ورد في الدراسات الحديثة- يعيد التاريخ التطوري للبشر، فهل سنشهد بأعيننا تطور الشمبانزي حتى يصل لمرحلة الإنسان الأول؟ أم – وهذا الاحتمال الأكثر غرابة- سيفنى البشر بسبب التغيرات المناخية؛ وتبدأ جماعات القرود بعد تطورها حضارة جديدة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد