إن التنافس الأمني الجاري بين الصين والولايات المتحدة ربما تكون له عواقب وخيمة. في خطابه أمام حوار شنغريلا – أهم مؤتمر آسيوي سنوي متعلق بالأمن – تحدث وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل عن مساعي الصين “لزعزعة استقرار المنطقة والإجراءات المنفردة التي تتخذها لبسط سيطرتها على بحر جنوب الصين”. كما عدد هيغل بعضًا من الإجراءات الصينية منها الاستيلاء على جزيرة سكاربورو ريف من الفلبين عام 2012، وتدشينها منصة نفطية على مياه متنازع عليها مع فيتنام، وإطلاقها منطقة الدفاع الجوي الصينية فوق جزر سينوكو/دايو في بحر شرق الصين والتي تتداخل مع منطقة الدفاع الجوي اليابانية.

وقد رد الجنرال زو تشنغلو أحد أعضاء الوفد الصيني للمؤتمر بوضوح على هيغل قائلاً “يرتكب الأمريكيون خطأ استراتيجيًا جسيمًا الآن، فلو اتخذتم الصين كعدو، فستصبح الصين عدوًا لكم بلا شك”.

في كتاب “سباق القرن”، يحاول جيوف داير – صحفي بالفايننشال تايمز ومدير مكتبها في بكين – التأكيد للقراء الأمريكيين على أن الصين – ورغم كل مظاهر القوة التي تظهرها – بنظامها السياسي السلطوي وهيكلها المالي الذي يدار مركزيًا سيحد من قوتها على الدوام. يقول داير أن الصين لن تحل مكان أمريكا كالقوة الأولى في العالم طالما أصر الحزب الشيوعي الصيني على الاحتفاظ بمفاتيح السلطة لنفسه.

يصف داير بناء على سنوات خبرته في الشأن الصيني مقدار الكراهية الذي يكنه المجتمع الصيني نحو اليابان. ثم يناقش زيادة الاستياء الشعبي في الصين من الولايات المتحدة. ثم يتطرق لسياسة الحكومة الصينية الواضحة التي بدأت بالنظام التعليمي.

كما يدرس داير استثمار الصين في القوة الناعمة، فبين عامي 2011 و2012 أنفقت الحكومة الصينية 8.7 مليار دولار على عمليات الدعاية الإعلامية العابرة للمحيطات في محاولة منها للترويج “للعلامة التجارية الصينية” للعالم (بالمقارنة مع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي التي أنفقت 400 مليون دولار في نفس الفترة وإذاعة صوت أمريكا التي أنفقت 196 مليون دولار). يقول داير أن هذه الأموال تذهب هباءً طالما أن الصين تظل دولة الحزب الواحد التي تقمع كل معارضيها السياسيين ومعظم فنانيها المبدعين، وتحظر كل وسائل الإعلام غير الحكومية وتواصل احتلال التبت، وتستخدم قواها العسكرية في السيطرة ببطء على بحري شرق وجنوب الصين.

يتحول داير بعد ذلك إلى الجانب الاقتصادي، حيث يستكشف الغضب المتصاعد داخل الصين بسبب حقيقة عجزها عن توظيف احتياطياتها الهائلة من العملة كورقة ضغط على حلفاء الولايات المتحدة. وذلك لأن تلك الاحتياطات تضم حوالي 2 تريليون دولار مستثمرة في سندات الخزانة الأمريكية. كما أن احتياطيات الدولار لدى الصين كانت نتيجة لتلاعب حكومتها بسعر صرف عملتها المحلية، حيث عمدت إلى خفض سعر اليوان من أجل زيادة مبيعاتها من السلع المصنعة في الصين داخل أمريكا. وإذا حاولت استخدام احتياطياتها من الدولار كسلاح مالي، فقد تشل سياسة التصدير خاصتها بما يهدد الملايين من الوظائف المحتملة.

يوضح داير أن اليوان لا يمكنه أن يحل محل الدولار كالعملة الأولى في العالم طالما أن الحكومة الصينية تمنع اليوان من التحرك بحرية داخل وخارج الصين. كما أنها ترفض التخلي عن السيطرة على أسعار الفائدة المحلية في الصين، التي يتم الاحتفاظ بها منخفضة بشكل مصطنع الآن في شكل من أشكال “القمع المالي” الذي ينقل الثروة من المدخرين المحليين للصناعيين التابعين الحزب. كما أنه لا يتوفر لديها مناخ مريح للمستثمرين العالميين الذين قد يكونون مهتمين بالاستثمار في الصين وهي دولة الحزب الواحد الذي يحافظ على نظام قانوني تعسفي وغامض فيما يخص حقوق الملكية.

وبعد تحليله للنمو المتسارع للقوة الصاروخية والبحرية للصين خلال العقدين الماضيين وما يمثله من ذلك من تهديد لمكانة أمريكا العسكرية في شرق أوروبا، يبدو داير حائرًا حول الكيفية التي يتعين على أمريكا الرد بها على الإجراءات الصينية، ولهذا فإن تحليله للاتجاهات العسكرية في شرق آسيا ليس مرضيا بالشكل الكافي. إنه يستكشف حاليًا المواضيع قيد المناقشة في واشنطن مثل معركة الجو والبحر، وإعادة تشكيل أسطول الولايات المتحدة بالتخلي عن حاملات الطائرات والاستعاضة عنها بقطع قتالية صغيرة.

بينما كان يلقى خطابًا في مؤتمر شانغريلا، صرح الجنرال تشو بأن قوة الولايات المتحدة في انحدار. ثم تساءل عما إذا كانت الالتزامات الأمنية الأميركية لحلفائها في آسيا هي الآن مجرد خدعة. مثل هذه الآراء منتشرة في بكين، فازدياد نبرة الحزم الصينية وانحسار متانة الشراكات الأمنية لأميركا في المنطقة يبدو أمرًا لا مفر منه.

رابط للكتاب على موقع goodreads 


عرض التعليقات
تحميل المزيد