في عام 1949، سيطر الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونج على السلطة في الصين، عقب حرب أهلية انتصر فيها الشيوعيون على القوميين، كانت الصين في هذه الفترة تئن تحت الفقر وتعتمد على اقتصاد بدائي يقوم على الغزل والأقمشة والقطن والحبوب.

جاء ماو تسي تونج، وانتهج المبادئ الاشتراكية المطبقة لدى الاتحاد السوفيتي في محاولة منه لإنعاش الاقتصاد الصيني، فقام بتأميم التجارة الخارجية وأغلق المصارف وطرد الأجانب المستثمرين، ثم توجهت الصين الشيوعية الشعبية باليد العاملة في البلاد نحو صناعة الحديد والصلب، فقد أجبر الناس على العمل في ظروف قاسية، وأهمل القطاع الفلاحي.

قادت هذه السياسة الشيوعية الصين إلى كارثة اقتصادية في نظر العديد من المراقبين؛ تسببت في مجاعات ماحقة راح ضحيتها الملايين من السكان، مما حذا بالحزب الشيوعي الحاكم إلى إعادة النظر في سياساته، وأبعد ماو تسي تونج عن مقاليد الحكم، وبدأ خطة اقتصادية جديدة سنة 1966، قامت على التوجه نحو القطاع الزراعي وتقليص السيطرة المركزية للدولة على الشركات والبلدايات المحلية، بالإضافة إلى بناء الجيش والبنية التحتية للبلاد.

انعكست إيجابًا هذه الخطة على اقتصاد الصين، وصار البلد يحقق اكتفاءً ذاتيًا من حيث الغذاء، وارتفع إنتاجه الصناعي، بحيث وصل معدل النمو المتسارع إلى %12 خلال السبعينات من القرن الماضي، لكن رغم ذلك بقي الفقر والفوضى يلفان الصين.

ومع بدايات الثمانينات، أحدثت الصين قطيعة تامة مع الشيوعية الاقتصادية، ودخل البلد في النمط الرأسمالي الليبرالي، حيث فتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الأجنبية، وقللت تدخل الدولة في السوق، وتوجهت نحو البحث العلمي والتعليم، مستفيدة من بعثاتها نحو أوروبا وأمريكا لبناء نظام تعليمي، بعيد عن النظام الثقافي السائد سابقا الغارق في الأدبيات الشيوعية.

كانت تلك المرحلة هي بداية النهضة الحقيقية للصين، فقد أقلع الاقتصاد الصيني بشكل تسارعي لا يقل عن 11% كل سنة حتى بداية الألفية الجديدة، الأمر الذي حول الصين من بلد بائس يغرق في الفقر والمجاعات ومنهار الاقتصاد، إلى دولة اقتصادية عظمى متنامية بشكل مستمر، تنافس الريادة الأمريكية نفسها على الساحة الدولية.

لكن هذه الريادة للصين، لا تتجاوز ميداني الاقتصاد والقدرات العسكرية، إذ على الرغم من أنها تبنت الاقتصاد الليبرالي وتخلت عن الاشتراكية الاقتصادية السوفياتية، إلا أنها لم تعمد إلى تبني الإصلاحات الليبرالية على كافة المجالات، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، الأمر الذي يجعل نهضتها ذات وجهين، وجه اقتصادي عسكري براق ووجه آخر غارق في التخلف في نظر البعض.

على مستوى السياسة

تجري سياسة جمهورية الصين الشعبية في إطار من جمهورية اشتراكية يحكمها الحزب الواحد، الذي هو الحزب الشيوعي، تحت قيادة الحزب الشيوعي، الذي يسيطر على الحكم في الصين منذ تقلده السلطة في أربعينيات القرن الماضي، حيث ينصب نفسه دستوريا نظام حكم وحيد، وتتفرع من هذا الحزب كل أجهزة الدولة، المكتب السياسي ومجلس الدولة ومجلس نواب الشعب والمحاكم والجيش ولجان الأقاليم والمدن.

ويجدد الحزب الشيوعي هياكله من خلال الانتخابات المحلية والوطنية، حيث يتم اختيار أعضاء المكتب السياسي بعد مناقشة وتحقيقات دقيقة لخلفيات المرشحين وخبراتهم وآرائهم، وهو المكتب الذي يفرز رئيس الصين، الذي يكون له مسيرة طويلة مع الحزب الشيوعي.

يتكفل الحزب الشيوعي بإدارة شؤون البلاد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، كما تتبلور كافة القرارات والقوانين في قمة السلطة، لدى الرئيس والمكتب السياسي، ليتم إنزالها بشكل عمودي نحو الأسفل.

ومنه تغيب في الصين الأعراف السياسية الديموقراطية، حيث لا وجود للتعددية الحزبية أو المعارضة السياسية، مثلما لا توجد انتخابات شعبية مفتوحة، أو مرشحون مختلفو التوجهات. علاوة على ذلك، لا تعترف الصين في دستورها بمبادئ الحكم الديموقراطي، الممثلة أساسًا في فصل السلطات الثلاث (الحكومة والبرلمان والقضاء)، وتوزيع صلاحيات السلطات بشكل متوازن، واستقلالية القضاء، وبدل ذلك تختزل الصين كافة الصلاحيات والسلطات في القمة، لدى الرئيس ومكتبه السياسي.

وبسبب طبيعة نظام الحكم السياسي، تصنف دولة الصين من الدكتاتوريات العصية على التغيير، واحتلت في مؤشر الديموقراطية العالمي المرتبة 135 ضمن 165 بلدًا في العالم، بحسب تقرير «فريدم هاوس» لـ 2016.

على مستوى حقوق الإنسان

تصف المنظمات الحقوقية الصين بـ«الدولة القمعية» التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل ممنهج، إذ ما يزال النظام الصيني يرفض حريات التعبير وحرية المعتقد وحرية الصحافة، كما ما تزال الحقوق المدنية للمواطنين ضعيفة في الصين، رغم أن الأخيرة وقعت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تقول «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها الصادر في 2016 إن الحكومة الصينية «تفرض قيودًا صارمة على حرية التعبير عبر الرقابة والعقاب، ويشمل ذلك الإنترنت والصحافة والإعلام والجمعيات الناشطة»، وأحصت المنظمة عشرات الناشطين والإعلاميين الذين طالتهم يد الرقابة الصينية، مثل الصحافية البارزة غاو يو المدانة بالحبس سبع سنوات جراء زعم بتسريبها وثيقة داخلية للحزب، تطالب بالمزيد من الرقابة على الأفكار الليبرالية والإصلاحية، وعضو «حركة المواطنين الجُدد»، شو تشي يونغ، بالإضافة إلى مئات الصحافيين والناشطين والمحامين.

أما على صعيد الحريات الدينية، فتحصر الصين ممارسة الشعائر الدينية بخمس ديانات المُعترف بها رسميا، وتسمح بها فقط في أماكن العبادة المُعتمدة رسميا فقط. وفوق ذلك تفرض رقابة شديدة على أنشطة هذه الأديان الخمسة، حيث تتابع السجلات المالية للهيئات الدينية، وتتحكم في تعيين الموظفين، وفي المنشورات، ومناهج المدارس التعليمية، وتعرض الكثير من المتدينين، من البوذيين والمسيحيين والمسلمين، إلى حملات قمعية من طرف الحكومة الصينية.

من جهتها، منظمة العفو الدولية تتحدث عن الصين في تقريرها لـ2017، بأنها تواصل سن وتطبيق سلسلة من قوانين الأمن الوطني الجديدة التي تمخضت عن تهديدات جسيمة لحماية حقوق الإنسان، وذكرت أن التعذيب يعد نشاطا شائعا في الصين كأسلوب لنزع الاعترافات، بالإضافة إلى أحكام الإعدام التي تتصدر بها الصين العالم.

على المستوى الاجتماعي والثقافي

على الرغم من أن اقتصاد الصين يحتل المركز الثاني عالميًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث الناتج الداخلي الخام، إلا أن ظواهر الفقر ما تزال متفشية في المجتمع الصيني، حيث يوجد أكثر من 55 مليون شخص يعيشون في الفقر في أنحاء مختلفة من البلاد، حسب الحكومة الصينية، بالرغم من الانخفاض الشديد للفقر في الصين، من 61% في عام 1990 إلى 4.2% في 2014، بعد النهضة الاقتصادية الصينية.

وبسبب الكثافة السكانية للصين، فإن الدخل الفردي للمواطن الصيني تفصله هوة شاسعة مع دخول المواطنين الأوروبيين، إذ لا يتجاوز 3349 دولارًا، بينما أستراليا يصل لديها متوسط الدخل الفردي إلى 43 ألف دولار، ناهيك عن أن الدخول الفردية في الصين لا تخضع لتوزيع متقارب على مستوى أفراد المجتمع، إذ يتسع التفاوت بين الأغنياء والفقراء وبين المدن والأرياف.

ثم إن الصين تعرف ظواهر اجتماعية تعمق ما يسميه الباحثون بالتخلف الاجتماعي، فقد جاءت الصين في المركز الثاني بعد الهند من حيث عدد الخاضعين للعبودية المعاصرة بنحو 3.4 مليون شخص، كما تذكر منظمة «وولك فري» الأسترالية، المختصة بقياس مؤشر العبودية عالميًا. كما ما تزال الصين متخلفة عن البلدان المتقدمة الخمسين من حيث الرعاية الصحية والنظام التعليمي، ويصنف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2016، الذي يقيس مؤشرات الصحة والتعليم والمساواة والدخل الفردي، الصين في المرتبة 90 عالميًا.

من جانب آخر، فشلت الصين في استغلال الإعلام والفنون والسينما من أجل صناعة نموذج راق للثقافة الصينية يمكن تسويقه خارجيًا، كما تفعل البلدان العظمى، نتيجة التضييق على حرية التعبير، مما أدى إلى نقص شديد في حيوية المجال الثقافي بالصين.

ولهذه الأسباب، التي تبرز تخلف الصين على مستوى رفاهية العيش بالنسبة للمواطنين، تصنف الصين كدولة في العالم النامي وفق المؤشرات الدولية، بالرغم من اقتصادها المتقدم، الذي يخفي الشق المتخلف لهذا البلد، على مستوى السياسة وحقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي والفنون.

المصادر

البنك الدولي، الصين
الصين، أحداث عام 2016
منظمة العفو الدولية، الصين
عرض التعليقات
تحميل المزيد