وسط صراع تجاري قائم بين أمريكا والصين بلغ ذروته الشهور الأخيرة، ومُرشح للتصاعد، تستمر بكين في مواجهة، أقل صخبًا، على الضفة الأخرى مع جارتها اليابان، في تنافس حول النفوذ بكافة أشكاله. النزاع الذي أفقدت خلاله بكين طوكيو كثيرًا من نقاط قوتها، تستمر جولاته، وسط تحديات كُبرى واستعدادت كلتا العاصمتين للمواجهة الصفرية بينهما.

في التقرير التالي نحاول التعرف على تبعات هذا النزاع على كلتا العاصمتين، وما هي أبرز محطاته في السنوات الأخيرة، وطرق كُل دولة لمجابهة الأخرى، وما هي النهايات المحتملة له، خصوصًا مع إشراك اليابان لواشنطن في تحالفها لمواجهة التنين الاقتصادي الذي لم تفلح أية محاولة حتى الآن في أن يتراجع عن تحركاته.

بحر الصين الجنوبي وجُزر سينكاكو.. من هنا تسلل التنين لحصار اليابان

تحولت منطقة بحر الصين الجنوبي إلى ساحة نزاع تستثمر فيها بكين نفوذها السياسي والعسكري، كوسيلة استعراضية لمصادر قوتها أمام اليابان، عبر اتباع سياسة توسعية تسميها «خط القطاعات التسعة»، وتصبح هذه المنطقة المائية منفذًا هامًا لبسط الهيمنة الصينية وتقييد محاولات يابانية بالتحالف مع واشنطن تحاول الحد من النفوذ الصيني.

وتكتسب هذه المنطقة، وهي عبارة عن مسطح مائي ضخم، أهمية كبرى في التجارة العالمية، نظرًا لكونها بوابة عبور لما يربو على نصف السفن التجارية في العالم، والتي تُقدَّر قيمة البضائع التي تُقلُّها تلك السفن بأكثر من 5 تريليونات دولار سنويًّا، وهي قيمة تُعادل ما يزيد على إجمالي الناتج المحلي للهند واتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مجتمعة.

فقد مضت الصين نحو إنشاء جزرًا اصطناعية في جزر «سبراتلي» ومزيد من المشروعات الإنشائية على أهم هذه الجزر مثل «ميستشيف» و«فيري» المرجانية الواقعتين في الجزيرة ذاتها. وشملت هذه التوسعات تشييد «سور عظيم من الرمال» في المناطق المتنازع عليها في بحر جنوب الصين. وكان المظهر الأهم لاستعراض الصين نفوذها كان في القفز على اتفاقها، المُبرم في يونيو (حزيران) عام 2008، مع طوكيو حول التعاون المُشترك، والاستمرار في سياساتها التوسعية لهذه المنطقة، بالتزامن مع تعزيز التحالف بين أمريكا واليابان.

وبدأت هذه التوسعات الإنشائية من عام 2012، قبل أن تعزز بكين من أهميتها بتوظيفها عسكريًا كاستخدام مساحة من اليابسة كمهبطً للطائرات، دون أي اكتراث باحتجاجات طوكيو، واشنطن، وحلفائها وشركائها، وهو ما سمح لبكين بفرض سيطرتها على المجال الجوي في المناطق والجزر محل النزاع.

كما أنشأت الصين في هذه الجزر مراكز عسكرية واسعة النطاق، تضم مدرج طائرات طوله ثلاثة كيلو متر، والبنى التحتية المرتبطة به، مثل: الموانئ، وحظائر الطائرات، والرادارات، ومرافق توليد الطاقة، ونظم أسلحة الاشتباك، والمدافع المضادة للطائرات.

امتد الحضور الصيني إلى منطقة البحر الصيني الشرقي، بعدما شرعت بكين في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013 في إعلان منطقة تحديد الدفاع الجوي الذي يغطي المجال الجوي لمساحة كبيرة من أراضي هذه المنطقة وأبرزها جزر سنكاكو التي انتقلت حقوق ملكيتها للحكومة اليابانية في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2012؛ غير عابئة بانتقادات الأخيرة، أو بيانات الشجب والإدانة التي صدرت من طوكيو وواشنطن معًا.

وبدأ الحضور الصيني بسلسلة تحركات لنزع الهيمنة اليابانية على هذه الجزر كان أبرزها في ديسمبر (كانون الأول) عام 2008 بعدما دخلت سفن قوات إنفاذ القانون البحري الرسمية الصينية بالقوة لأول مرة مياه جزر سنكاكو، وتطورت هذه التحركات لتشمل تنفيذ تحركات عسكرية يومية إلى الآن، تُهاجم سفن قوات إنفاذ القانون البحري اليابانية الرسمية في المناطق القريبة من جزر سينكاكو.

وبحسب السجلات التي تحتفظ بها قوات خفر السواحل اليابانية، فقد اعتدت سفن قوات إنفاذ القانون البحري الرسمية الصينية على المياة الإقليمية لجزر سينكاكو 569 مرة في الفترة بين ديسمبر 2008 إلى ديسمبر 2016، فيما بلغ العدد الكلي للاعتتداءات نحو 3.479 مرة. وفي السنوات الأخيرة صعدت الصين من تحديها بشكل واضح عبر زيادة عدد سفن قوات إنفاذ القانون البحري التي تتسلل إلى المياه الإقليمية اليابانية بمعدل من ثلاث إلى أربع سفن كُل شهر.

ومقابل هذه التوسع الصيني، تحاول اليابان، ومعها عدد من الدول المجاورة للمنطقة أبرزها الفلبين، الحد من الهجمات الصينية بتعزيز تحالفاتها العسكرية مع الدول المجاورة لها مثل الفلببين، فضلًا عن تعزيز الدوريات العسكرية المُشتركة مع واشنطن.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
المنافسة بين الصين والهند على ميانمار.. الحرب الباردة في جنوب شرق آسيا

وتتبع طوكيو مسارًا آخر للحد من التوسعات الصينية باللجوء للجهات الدولية، مستندة في ذلك إلى قرار التحكيم الصادر في يوليو (تموز) 2016، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، والذي يدين هجمات الصين، ويشير إلى المشاكل القانونية المتعلقة ببناء بكين جزر اصطناعية في هذه المنطقة.

فيما تواجه بكين هذه التحركات القانونية بالإدعاء بأن التحكيم «باطل ومجرد قطعة من الورق لا معنى لها».

وتسلك مؤسسة طوكيو هذا المسلك للدفاع عن حقها، وحقوق الدول المجاورة، من سياسات الصين التوسعية.

مصيدة الديون.. الفخ الصيني لحصار بنك التنمية اليابانية

المسار الثاني الذي اتبعته الصين من أجل القفز على النفوذ الياباني في منطقة شرق آسيا، تمثل في إطلاق بكين مبادرة الحزام والطريق عام 2013 بهدف ربط الصين بالعالم، وتعزيز علاقاتها مع دول المحيط الهادئ، عبر سياسة الإقراض المباشر.

واعتمدت هذه المبادرة على زيادة صادرات رأس المال الصيني إلى بقية دول العالم خلال العقود الماضية، في صورة قروض ومنح مالية، كانت الوسيلة الأهم لبكين في تعزيز علاقاتها مع دول المجاورة لها، والحد من نفوذ المؤسسات المالية التقليدية التي كانت تؤدي هذا الدور، كحال بنك التنمية الآسيوي. فقد أدت سياسات بكين الإقراضية ذات التسهيلات الكبيرة لتراجع دور البنك، الذي كان خاضعًا للسيطرة اليابانية، وهو بنك إقليمي للتنمية تأسس سنة 1966 لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان آسيا والمحيط الهادئ من خلال القروض والمساعدات التقنية.

وبلغ حجم الإقراض الصيني أكثر من خمسة تريليونات دولار تجاه بقية العالم، بحلول العام قبل الماضي، بما يعادل 6٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بعد أن كان أقل من 500 مليار في أوائل عام 2000 بما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

وتعاظمت أهمية هذه السياسة عقب نجاح بكين في توظيف هذه القروض لنيل مكاسب سياسية واقتصادية من وراء هذه السياسة، كاستئجار موانئ أو الاستحواذ على مناطق ذي أهمية كبرى لبكين، للدول العاجزة عن سداد الديون.

على سبيل المثال،نجحت بكين في استئجار ميناء «هامبانتوتا» الجنوبي التابع لدولة سيريلانكا، لمدة 99 عامًا، بعد فشلها في سداد أقساط الديون التي حصلت عليها لتمويل بناء المشروع الذي فشل أيضًا في تحقيق العائدات المرجوة.

والحال كذلك مع باكستان وبنجلاديش، التي حصلت شركة صينية على حق انتفاع لميناء جوادر الإستراتيجي لمدة 40 عامًا، وشيتاغونع، أهم وأكبر ميناء بحري في بنجلاديش.

وتُثير هذه التوسعات الصينية قلق دول كاليابان وواشنطن والهند، خصوصًا من احتمالية استخدام هذه البنى التحتية كقواعد عسكرية في أي مواجهة عسكرية محتملة.

 

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«فاعل خير أم مصاص دماء».. هل تُغرِق الصين فقراء العالم بالديون لتسيطر عليهم؟

 

ماذا ستفعل اليابان أمام طموحات التنين؟

تثير كُل هذه التوسعات الصينية قلقًا دوليًا، خصوصًا لدى اليابان، التي تجد نفسه مُحاصرة من كُل حدوده بحضور صيني تختلف أشكاله، خصوصًا مع اتجاه بكين على تعميم نظامها الأيدولوجي في المناطق الخاضعة لسيطرته، وهو مايزيد القلق عند طوكيو.
ويزيد من القلق الياباني رد الفعل الصيني المحتمل عند أية محاولة لتقويضه، كما فعل حين نفذت عناصر الجيش الصيني هجمات مُسلحة في جزر باراسيل عام 1974 وجزر سبراتلي عام 1988 التي حاولت اليابان تحريك عناصرها البحرية تجاهها.
ويظل السؤال «ماذا ستفعل اليابان أمام هذا التوغل الصيني الذي بات يهدد أمنها القومي ويقيد نفوذها؟» يُجيب عن ذلك بحث صادر عن مركز «راند» البحثي الأمريكي، الذي يرى أنه يتعين على اليابان وأمريكا تعزيز قدراتهما العسكرية من أجل منع تصاعد التوترات إلى مستوى الصراع المسلح، وكبح جماح تحدى الصين وجعله دائمًا أسفل مستوى الهجوم المُسلح.

أما المسار الثاني لتقويض التوسعات الصينية، بحسب المركز الأمريكي، فتتمثل في تبني الدولتين مع حلفائهم الآسيوين إستراتيجية تنافسية، وهي إستراتيجية طويلة المدى تهدف أي دولة لتطبيقها للحصول على ميزة تتفوق من خلالها على منافسيها، وهي الفكرة التي استعانت بها واشنطن لمواجهة الاتحاد السوفيتي.

بينما يذكر تقرير صادر عن المركز الياباني للشؤون الخارجية أن السبيل لمواجهة التوسعات الصينية تشمل تعاون طوكيو بشكل مطرد مع الولايات المتحدة، وأستراليا، والهند، والدول البحرية الأخرى في جنوب شرق آسيا لحماية حرية الملاحة في الممرات البحرية الرئيسة للاتصالات.

ومن أجل هذا الهدف أجرت اليابان تدريبات ودوريات مشتركة ثنائية ومتعددة الأطراف بهدف تحسين قابلية التشغيل البيني. كما قدمت طوكيو أيضًا دعمًا للأجهزة والبرامج على حد سواء للدول حول «Subi Reef» في مجموعة جزر «Spratly» في بحر الصين الجنوبي، وعززت من تعزيز قدرات خفر السواحل الإقليمية، وتزويد سفن الدوريات وتدريب العاملين. واتبعت اليابان مؤخرًا ما وصفه المركز البحثي بالدبلوماسية المتوازنة، التي تجمع بين السياسية، والأمنية، والتعاون الاقتصادي مع البلدان المجاورة لها للحيلولة دون نجاح بكين في تعميم نظامها السياسي على هذه الدول.

المصادر

تحميل المزيد