يمكننا أن نطلق على عام 2016، أنه عام تدفق الاستثمارات الصينية خارج بلادها بصورة غير اعتيادية، وأنه تحديدًا عام الزيادة الضخمة في الاستحواذات الصينية على الشركات الغربية، حيث صبت الاستثمارات الصينية في مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي، من العقارات السكنية وصولًا إلى شركات صناعة الأسمدة، ومن ألمانيا إلى بريطانيا، وصولًا للولايات المتحدة الأمريكية، في حين يرى بعض المراقبين أن هذا الغرب غير مستعد لهذا التدفق النقدي.

مخاوف غربية من التوسع الصيني

يعتقد العديد من السياسيين الغربيين، أن تلك الاستحواذات الصينية التي تتدفق على بلدانهم، قد تؤدي إلى مخاطر متعلقة بالأمن القومي والسياسة الدولية والنظام العالمي، بسبب تأثيرها الممكن على البنية التحتية الحيوية، وعلى التكنولوجيا الغربية بشكل أخص.

وبحسب تقرير لصحيفة التليجراف البريطانية، فإن تلك الاستثمارات الصينية، لا تسعى فقط إلى المكاسب المالية بشكل قريب، وإنما تسعى بالأساس للحصول على التكنولوجيا الصناعية، والهيمنة السياسية، وإن الشركات الصينية تسعى أيضًا إلى ترسيخ أقدامها في أكثر الأسواق تنافسية بأوروبا وأمريكا، وأن مبادرة الحزام الاقتصادي بطريق الحرير والبنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية، تؤكد على أن خطوات الاستحواذات الصينية ستسير في تزايد، بمساعدة الشركات الصينية.

في سويسرا، كان التحرك الأمريكي واضحًا لوقف صفقة استحواذ شركة «كيم تشاينا»، على «سينجنتا» السويسرية، وهي أكبر شركة لإنتاج المبيدات الحشرية في العالم كله، وهي أيضًا أكبر صفقة استحواذ صينية في التاريخ. كان التحرك بناءً على مراجعة لجنة الاستثمار الأجنبي الأمريكية، التي تعنى بصفقات الاستحواذ الأجنبي على الشركات الأمريكية، أو تلك التي لديها علاقة بالولايات المتحدة وأمنها القومي.

كما تدخلت الولايات المتحدة، لمنع صفقة صينية لشراء حصة كبرى بشركة «فيليبس»، وهو ما ردت عليه الدبلوماسية الصينية، بأن الولايات المتحدة ما زالت رهينة تصورات الحرب الباردة في القرن الماضي.

وفي بريطانيا، كانت المخاوف والمقاومة كبيرة جدًا إزاء مشروع مشاركة شركة صينية، في إنشاء محطة نووية بالبلاد، بحجم 24 مليار دولار، واعتبر مستشار رئيسة الوزراء تيريزا ماي، أن هذه الخطوة خطيرة للغاية، باعتبارها سماحًا لدولة معادية من وجهة نظره، بأن تملك نفوذًا كبيرًا في البنية التحتية البريطانية، وهو ما ردت عليه الصين بأن علاقتها مع بريطانيا مرهونة بهذا المشروع النووي.

وعلى جانب آخر، تواجه أستراليا بقوة الاستحواذات الصينية، حيث يواجه اليمين هناك هذا المشروع بشدة، ويحذر من خطورته، باعتبار أن الصين ذات مشروع دكتاتوري شمولي عالمي من وجهة نظر هذا التيار، وبالفعل فقد رفضت أستراليا أكثر من عرض صيني، وهو ما جعل الصين تتهم أستراليا باتخاذ إجراءات حمائية ضدها، محذرة من أن ذلك سيقلص العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدولتين.

وفي ألمانيا عملت وزارة الصناعة الألمانية، على مراجعة صفقة استحواذ صينية لمجموعة «ميديا» للأجهزة الإلكترونية، على شركة كوكا الألمانية لصناعة الـ«روبورتات»، بعد أن أثار الحديث عن صفقة الاستحواذ هذه مخاوف العديد من السياسيين والمهتمين الألمان، وصرحت الوزراة بوضوح أنها تراقب الاستثمارات الصينية في بلادها، منعًا لأي خسارة تتعرض لها التكنولوجيا الأساسية في ألمانيا، جراء تلك الاستحواذات، لكن الوزارة انتهت في الأخير بعد المراجعة، إلى عدم وجود أية أدلة عن وجود تهديد للنظام العام أو أمن الألمان، من تلك الاستحواذات.

ويتركز هجوم النقاد الغربيين الرافضين لهذا التمدد الصيني، على تلك الاستحواذات المتعلقة بشراء أو الاستثمار في قطاعات حيوية، مثل تخزين البيانات وتكنولوجيا الروبورتات، ومحطات الطاقة، وتحديدًا تلك الخاصة بالطاقة النووية.

لكن هناك وجه آخر للعملة، حيث أن قطاعات أخرى غربية تشجع تلك الاستثمارات، ومنها بنوك وول ستريت، التي تقدم استشارات لصفقات الاستحواذ الصينية، وتؤكد على أن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلى البقاء على وضعها المنفتح، إزاء الاستثمارات الأجنبية، بسبب انخفاض معدلات الادخار.

كما أن مجلة «إيكونوميست» البريطانية، أشادت بظاهرة التوسع الصيني هذه، لأنها تأتي وسط تراجع قيمة صفقات الاستحواذ العالمية، بواقع 25% مقارنة بالعام الماضي.

طبيعة الاستثمارات الصينية الكبرى في الغرب

في الربع الأول من عام 2016، حققت الشركات الصينية رقمًا قياسيًا في عمليات الاستحواذ، على شركات أجنبية، بقيمة صفقات تخطت 113 مليار دولار، وهو رقم يقترب من عمليات الاستحواذ التي تم تسجيلها في عام 2015 بالكامل، وقدرت بـ121 مليار دولار. علمًا بأن هذا الرقم يماثل ثلث قيمة عمليات الاستحواذ العابرة للحدود حتى نهاية مارس (آذار) الماضي، والتي بلغت حوالي 311 مليار دولار.

وبحسب تقرير صادر عن شركة المحاسبة الأمريكية «ديلويت وتوش»، فإن عمليات تدفق الاستحواذات والاستثمارات الصينية العابرة للحدود، قد بدأت في عام 2009، وليس من العام الماضي فقط، وكان يتزايد بنسبة 30% سنويًا.

وفي الواقع، تستهدف الشركات الصينية الاستحواذ على شركات غربية متقدمة، وهو ما جعل المراقبين يرون أنها ترى في ذلك فرصة نادرة للانخراط في الأسواق العالمية التي تسيطر عليها الدول الغربية وحدها، ومن بين الشركات التي شهدت استحواذات صينية، وقعت الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى، وبريطانيا في المرتبة الثانية، بقيمة تبلغ 20.6 مليار دولار، و13.7 مليار دولار على الترتيب.

وبحسب وزارة التجارة الصينية، فإن صفقات الاستحواذ على الشركات في البلدان الأجنبية، والتي بلغ عددها 593 صفقة في عام 2015، شملت جميع الصناعات بمختلف أقسامها، بما في ذلك التكنولوجيا الفائقة. وقد وقعت صناعات الاتصالات والنقل، والأغذية والزراعة، والطاقة والمعادن، في المواقع الثلاثة الأولى من تلك الاستثمارات، بحسب تقرير آخر صادر عن مؤسسة «تشينجبو» الاستشارية الصينية.

ومن أبرز صفقات الاستحواذات الصينية هذه، كانت عقد الشراء الذي وقعته مجموعة «واندا» الصينية في بداية العام الجاري، لشراء «ليجنداري بيكتشرز»، شركة إنتاج الأفلام الأمريكية الشهيرة، بمبلغ يقدر بـ3.5 مليار دولار، ونجاح شركة الكيماويات الصينية «كيم تشاينا» رغم المعارضة الأمريكية، والجدير بالذكر هنا أنها شركة مملوكة للدولة، في الاستحواذ على سينجينتا، في صفقة بـ44 مليار دولار، بالإضافة إلى نجاح شركة ميديا الصينية لصناعة الأجهزة المنزلية، في التوصل لاتفاق مع شركة «توشيبا» اليابانية، لتستحوذ على 80.1% من حصة الشركة اليابانية العملاقة، بـ473 مليون دولار.

ليس هذا كله فحسب، فقد توسعت الاستحواذات الصينية في السنوات الأخيرة، حتى في إسرائيل، حيث استطاعت نفس الشركة المذكورة أعلاه «كيم تشاينا» عام 2011، في شراء حصة بـ60% من شركة «ماختشيم أغان» الزراعية الإسرائيلية، كما استطاعت شركة «لايت جروب»، الصينية الخاصة أيضًا، أن تستحوذ في عام 2015 على حصة تبلغ نسبتها 56.7% من شركة «تنوفا» الإسرائيلية للمواد الغذائية.

وبحسب تانج قونج منغ، مديرة الخدمات الاستشارية بمقر شركة «ديلويت وتوش»، فإن شركات التأمين، والخدمات المالية، وشركات الاستهلاك والترفيه، وصناعة الأفلام والفنادق، وصناعة الغذاء، والأجهزة الدقيقة، ستثل في المستقبل القريب مساحات شاسعة للاستثمارات والاستحواذات الصينية، وأن تلك الاستحواذات في البلاد الغربية ستشهد تضاعفًا في القيمة.

في الواقع، يمكن قراءة هذا الانقضاض المفاجئ للتنين الصيني، في ضوء الصعوبات المالية المتمثلة في تراكم الديون وتقلص الأسواق، وهو ما مهد الطريق أمام الاستحواذات الصينية بأسعار معقولة للغاية، وسط احتمالات كبيرة برفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وما نتج عنه من تدهور في حال بعض الشركات العالمية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد