تسعى الصين خلال حربها البادرة مع الولايات المتحدة، إلى فرض هيمنتها على العالم، مرة بالعلم، ومرة بالقوة، وأخرى بالدبلوماسية الناعمة والقروض والتمويلات، لكن ما لا لم يكن يخطر على بال البعض، هو أن محاولات الصين، قد تصل إلى حد الصناعة الترفيهية والسينما!

فإذا كنت قد زرت دار عرض سينمائي في الفترة الماضية، فمن المحتمل جدًّا أن تكون قد شاهدت فيلمًا من أفلام «هوليوود»، مولته الصين جزئيًّا أو تدخلت في إنشائه.

في الواقع لا تملك الصين صناعة ترفيهية قوية، وليس لها خبرة في إنتاج السينما، بخلاف الآلة الهوليودية العالمية الجبارة لأمريكا، ورغم ذلك فقد أصبحت تحدد ما سيشاهده العالم من إنتاجات سينمائية، فكيف فعلت ذلك؟ وكيف وصل مقص الرقابة الصينية إلى «هوليوود»؟

السوق الصينية الهائلة تجذب صناع السينما

في عام 2019، حقق الفيلمان الأمريكيان «أفانجرز» و«سبايدرمان» إيردات بلغت أكثر من 2.6 مليارات دولار في الصين وحدها؛ إذ باتت الأفلام الأمريكية تجني أموالًا في الصين أكثر مما تحققه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وشهدت الصين تسارعًا اقتصاديًّا هائلًا طوال العقدين الأخيرين، انتشلت خلاله الملايين من سكانها من الفقر المدقع، وعلى إثر ذلك توسعت الطبقة الوسطى في الصين بشكل جنوني إلى أن وصلت إلى 472 مليون شخص.

نمو الطبقة المتوسطة الصينية أدى بدوره إلى خلق سوق ضخمة جديدة للسينما العالمية. ومن أجل تلبية الطلب المتزايد على السينما من قبل مواطنيها، بَنَت الصين 27 شاشة سينما جديدة في المتوسط يوميًّا خلال الأعوام الأخيرة، لتتجاوز الولايات المتحدة بإجمالي يفوق 40475 دار عرض سينما، وأصبحت أكبر سوق للأفلام في العالم.

وأمام المال والإيرادات الضخمة؛ لا تستطيع «هوليوود» أن تفوت فرصة الوصول إلى جيوب الجماهير الغفيرة التواقة لمشاهدة السينما العالمية، لكن المشكلة تكمن في أن الحكومة الصينية لا تسمح إلا لعدد محدود من الأفلام الأجنبية بدخول البلاد كل عام، كما أن قوانين الرقابة الصينية لا تقبل كل الأفلام.

ولذلك تلجأ الشركات السينمائية الأمريكية إلى التطبيع مع الذوق الفني للصينيين والحكومة الصينية، من خلال تعديل القصص السينمائية والاستعانة بالفنانين الصينيين في الأدوار المساعدة، وإقحام المنتجات الثقافية الصينية في العرض، من أجل المرور من مقص الرقابة الصينية.

وبالفعل أثَّر ثقل شباك التذاكر الصيني في نوعية الأفلام التي تصنعها «هوليوود»، التي صارت تعتمد أكثر فأكثر على الأسواق الصينية لجني الأرباح من إنتاجاتها. هذا يعني أن الأفلام العالمية التي نشاهدها تكتب مع وضع الصين في الاعتبار، ولعل أوضح مثال هو فيلم «المريخي» الذي صدر عام 2015، والذي يظهر فيه أن وكالة الفضاء الصينية أنقذت الموقف بشكل غير متوقع عندما كان رائد الفضاء على وشك الفناء.

ويعبر عن هذه الرقابة الصينية غير المباشرة على «هوليوود» ممثل أفلام الأكشن المشهور، جاكي شان؛ إذ يقول: «عندما لم تكن الصين في السوق، كنت أتبع الطريقة الأمريكية، لكن في هذه الأيام، يسألونني، هل تعتقد أن جمهور الصين سيحب ذلك؟ جميع الكتاب والمنتجين يفكرون في الصين، اليوم الصين هي مركز كل شيء».

بدوره يقول روب كاين، وهو مستشار أفلام عمل في الصين لسنوات: «لطالما كان الروس هم الأشرار في أفلام هوليوود، لكن من المستحيل أن يكون الصينيون بديلًا للأشرار السوفيت، لأن لا أحد يريد المخاطرة بشباك تذاكر الصين».

لا يقتصر الأمر فقط على تأثير المستهلكين الصينيين في تشكيل الإنتاجات السينمائية العالمية، بل أيضًا بدأت الشركات الصينية تستحوذ على  إستوديوهات الصناعات الترفيهية في أمريكا وأوروبا، على سبيل المثال اشترت مجموعة «Dalian Wanda Group» الصينية، وهي شركة للعقارات في الأصل، إستوديو «Legendary Entertainment» مقابل 3.5 مليار دولار، وأيضًا استولت على شركة الترفيه «AMC Entertainment»، إضافة إلى مجموعة مسارح أمريكية.

حرية الإبداع العالمية قيد الرقابة الصينية

على الرغم من أن الصين منفتحة اقتصاديًّا إلى حد ما، فإنها لا تزال تسيطر بدرجة كبيرة على المحتوى الذي يتعرض له الصينيون. ولكي يتمكن فيلم أمريكي أو أيًّا كان من اختراق السوق الصينية، لا بد من خلوه من الإشارات التي تسيء للصين وأن يتلاءم مع ثقافتها؛ مما يدفع المنتجين السينمائيين العالميين إلى استخدام مقص الرقابة الصينية في سبيل الوصول إلى قاعات السينما هناك.

ويحذر قانون السينما الصيني الجديد الشركات المحلية من الشراكة مع صانعي الأفلام الأجانب العازمين على «الإضرار بكرامة الصين الوطنية وشرفها ومصالحها، أو الإضرار بالاستقرار الاجتماعي أو الإضرار بالمشاعر الوطنية»، كما يحث على «الاسترشاد بالقيم الاشتراكية» في صناعة الأفلام.

أما الإنتاجات السينمائية التي تعارض الصين أو تطرق موضوعات لا تقبلها الحكومة الصينية، فهي ممنوعة من دخول السوق الصينية، مما يحرمها من إيرادات مهمة، كما حصل مع فيلم «Bohemian Rhapsody» الذي يلعب فيه الممثل رامي مالك دور البطولة.

Embed from Getty Images

وبسبب الطبقة الوسطى الهائلة للصين، أصبح صناع السينما والشركات الترفيهية يصممون أعمالهم على ذوق الصينيين قبل كل شيء من أجل جني الإيرادات، وبالتالي صارت الصين تشكل الإنتاجات السينمائية العالمية تشكيلًا غير مباشر، وتفرض رقابتها على هذه الإنتاجات.

غير أن ذلك سيكون على حساب الحرية والإبداع، فقد حذرت دراسة من «Pen America» من الآثار طويلة المدى للإستوديوهات التي تفرض رقابة على المحتوى لإرضاء الحكومة الصينية.

وفي هذا السياق يقول جيمس تاجر، المؤلف الرئيسي للدراسة: «إن الحزب الشيوعي الصيني يحدد بشكل متزايد ما يشاهده العالم، في حين أننا جميعًا ندرك جيدًا الضوابط الصارمة التي تفرضها حكومة الصين على المعارضة والفكر المستقل والإبداع داخل حدودها، ويبدو أن الذراع الطويلة الخاصة بالرقابة الصينية قد وصلت أيضًا إلى عمق «هوليوود»، لتشكيل التصورات، وغرس الحساسيات وإعادة تشكيل حدود حرية التعبير».

وهو ما بات يدق ناقوس الخطر في الدوائر السياسية الأمريكية من استخدام الصين للأدوات الغربية الإبداعية لنشر قوتها الثقافية الناعمة، وفرض الرقابة الصينية بشكل غير مباشر على الإنتاجات السينمائية.

وكان  18 نائبًا أمريكيًّا من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ومن بينهم رئيس لجنة المخابرات بمجلس النواب، قد دعوا إلى مزيد من التدقيق في بعض الاستثمارات الترفيهية الصينية، مشيرين إلى «المخاوف المتزايدة بشأن جهود الصين لفرض رقابة على الموضوعات وفرض ضوابط الدعاية على وسائل الإعلام الأمريكية».

ربما ينتهي المطاف بصناعة السينما في الصين مثل قطاع التكنولوجيا، بمجرد أن تكتشف الشركات السينمائية الصينية الوصفة لإبهار الجمهور وتتعلم من مثيلاتها الغربية، ستستطيع هي الأخرى إخراج إنتاجات ترفيهية قادرة على المنافسة، ولن تكون بحاجة إلى «هوليوود»، تمامًا كما حصل في الشركات التقنية والإلكترونية.

ومع ذلك «يمكن للمال الصيني شراء الكثير من الأشياء، لكنه لا يستطيع شراء الإبداع»، كما يقول المحللون السينمائيون.

العالم والاقتصاد

منذ أسبوعين
«دبلوماسية حقول الأرز».. قصة الأرز الصيني الذي قد ينقذ العالم من أزمة نقص غذاء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد