مع ارتفاع درجات النمو الاقتصادي للصين، وتوسع حجم استثماراتها البالغة مليارات الدولارات في جميع أنحاء العالم في مجموعة متنوعة من الجهود، ظلت القارة الإفريقية التي تخترن حوالي 12% من احتياطي النفط العالمي، ونحو 10% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي العالمي. ناهيك عن الموارد الطبيعية التي يزخر بها باطن القارة، حلم الإمبراطورية الأكبر في توسيع هذه الإمبراطورية.

عبر السنوات السابقة، سعت الصين لتعظيم نفوذها في القارة الإفريقية، من خلال سلسلة غزوات اقتصادية وتنموية للقارة السمراء، أصبحت من خلالها اللاعب الرئيسي فيها، وحجمت من حجم النفوذ الأمريكي في إفريقيا.

خلال السطور التالية، تشرح “ساسة بوست” آليات الصين في توسيع حجم النفوذ الصيني في القارة الإفريقية، والوسائل التي اعتمدها في سبيل توسيع مجالات التعاون مع القارة الإفريقية.

ماهو حجم النفوذ الصيني في دول إفريقيا؟

أصبحت الصين منذ عام 2009 أكبر شريك تجاري لإفريقيا وأكبر مستثمر خارجي وتجاوز عدد الشركات الحكومية الصينية في إفريقيا أكثر من 700 شركة، وقفز حجم التبادل التجاري بين الجانبين من عشرة مليارات دولار عام 2000 إلى أكثر من مائتي مليار دولار حاليًا.

كذللك بلغ حجم الاستثمارات الصينية المباشرة والمعلنة في دول القارة أكثر من 21 مليار دولار.

كما أعلنت بكين عن تأسيس صندوق التنمية الصيني-الإفريقي بموازنة وصلت إلى خمسة مليارات دولار. مدعومًا بحزمة من البرامج والالتزامات الصينية تجاه الدول الإفريقية حتى عام 2015.

تمثل جنوب السودان 5 بالمئة من واردات الصين من النفط الخام وتحمل شركة البترول الوطنية المملوكة للحكومة الصينية 40 بالمئة من الأسهم في ثلاثة من أكبر حقول النفط في جنوب السودان. علاوة على ذلك، عززت الصين بهدوء مساعداتها الإنسانية، متعهدة بتقديم ما تزيد قيمته عن 21 مليون دولار من الإغاثة العاجلة في أكتوبر 2014.

تعتمد الصين كذللك في ثلث وارداتها النفطية على إفريقيا، ويشكّل السودان مثلاً أكبر قاعدة إنتاج صينية خارج أراضيها، وأصبحت أنغولا تصدّر نحو مليون وربع المليون برميل نفط يوميًا إلى الصين.

كذلك تعد شمال إفريقيا سوقًا رئيسيًا للصين، فأكثر من 35% من الصادرات الصينية إلى القارة مخصصة لهذه المنطقة. ولذلك يخلق التغيير في حكومات شمال إفريقيا فرصًا تجارية، خاصة لشركات البناء الصينية.

ماهي وسائل نجاح الصين في كسب القارة الإفريقية؟

حرصت الصين في تطبيق سياستها تجاه إفريقيا على إقامة محطات تعاون مُشتركة مع الشعوب الإفريقية بالتوازي مع علاقاتها الاقتصادية مع الحكومات ورجال المال، من خلال تأسيس مشاريع لتحسين الأوضاع داخل القارة الإفريقية، لتثبيت أسس القوة الصينية علي الأراضي الإفريقية، واكتساب حماية من الشعوب الإفريقية لاستثماراتها.

حيث وقعت الصين مع 48 دولة إفريقية اتفاقيات بشأن أموال المساعدات لها، وزادت المساعدات المقدمة إلى الدول الإفريقية؛ ووقعت الصين مع 22 دولة إفريقية على اتفاقيات إطارية بشأن قروض بشروط ميسرة، لدعم 33 مشروعا.

كذلك حرصت الصين على إعفاء 32 دولة إفريقية من ديونها المتأخرة لديها، وتدريب 10916 مسؤولا وفنيا من الجانب الإفريقي، واختيار 100 من كبار الخبراء الزراعيين الصينيين، وإرسالهم لنقل الخبرة الصينية في مجال الزراعة إلى إفريقيا.

كذللك ازدادت عدد مشاريع المراكز الفنية الزراعية النموذجية التي كان من المقرر أن تقام في إفريقيا، وارتفع عدد المستشفيات التي تساعد الصين في بنائها في إفريقيا إلى 50 مستشفى، وتزويدها بالأجهزة الطبية.

كذللك على صعيد دعم الصين لمحاربة الأمراض المنتشرة في إفريقيا، فقد قدمت الصين أدوية مقاومة ضد الملاريا، إلى 33 دولة، وتأسيس 33 مراكز طبية لعلاج الملاريا، وإرسال مجموعة من الخبراء الطبيين لعلاجها، وتأسيس مئات المدارس في كافة أنحاء إفريقيا.

كذللك حرصت الصين على بناء 519 مشروعًا من المرافق الأساسية تتضمن 375 من المرافق الاجتماعية العامة، و144 من المرافق الأساسية الاقتصادية. وتأسيس شبكة سكك حديدية في العديد من الدول الإفريقية، وتقديم نحو 18 ألف منحة دراسية مجانية للطلبة الأفارقة.

وتعهدت بكين بأنها ستضخ تريليون دولار كاستثمارات وقروض تفضيلية خلال الفترة حتى عام 2025 وستستخدم نصفها في البنية التحتية لدول إفريقيا كالسكك الحديدية والطرق والموانئ. وكذلك نقل التكنولوجيا الصناعية الصينية إلى الدول الإفريقية.

ماهي أبرز التحديات الجديدة أمام توسيع مصالح الصين في إفريقيا؟

مع اتساع رقعة مصالح الصين في إفريقيا، وتوسع حجم استثماراتها في شتى مجالات الحياة، وجدت بكين نفسها مضطرة للانغماس في نزاعاتها المسلحة؛ فقد تكررت عمليات اختطاف الرعايا والمواطنين الصينيين أو مهاجمة المصالح والمواقع والمنشآت الصينية في بعض بؤر التوتر كان أخطرها في إقليم أوغادين عام 2002 عندما سقط 9 صينيين قتلى واختطاف مجموعة أخرى تم إطلاق سراحهم لاحقًا، وحادثة أخرى مماثلة في كردفان عام 2007، وحادثة ثالثة في أكتوبر 2007 اختُطف فيها 9 صينيين سقط 4 منهم قتلى.

كيف واجهت الصين هذه التحديات الجديدة؟

واجهت الصين هذه التحديات من خلال إستراتيجة قائمة على محورين أساسيين: من خلال زيادة حجم المساعدات الاقتصادية المُوجهة لهذه الدول، وتوسيع عملية التنمية التي تتبناها الحكومة الصينية في إفريقيا، وكذلك اتخاذ إجراءات عملية للتعامل مع مثل هذه التحديات الناشئة كتشكيل إدارات وفرق خاصة في وزارة الخارجية الصينية. وتعزيز مشاركتها في قوات حفظ السلام الدولية حيث بلغت نسبة قواتها المرابطة في إفريقيا حوالي 80% من مجمل قواتها في مختلف مناطق العالم.

كما زادت من نسبة مشاركتها العسكرية في مكافحة عمليات القرصنة في خليج عدن حيث تمر نحو 1300 سفينة بضائع صينية تعرض نحو 20% منها لعمليات قرصنة خلال عام 2008 وحده، واضطرت لأول مرة إلى إرسال سفن وقطع عسكرية خارج أراضيها لإجلاء أكثر من ستة آلاف عامل من ليبيا خلال ثورة فبراير/شباط.

كذلك دخلت الصين كشريك عسكري مهم عبر التدريب والتسليح والمساعدة التقنية للاعبين أصحاب وزن ثقيل في المنطقة مثل الجزائر وأنجولا ونيجيريا.

هل يعد التدخل العسكري أحد أنماط القوة الصينية في إفريقيا؟

مع بداية توسع حجم العلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا، اعتمدت الصين على تغليب مبدأ عدم التدخل العسكري في شؤون الدول الأخرى، وهذا ما تجلى في عدم امتلاكها لوجود عسكري ولوجيستي دائم في إفريقيا، خلافًا لإستراتيجية الدول الغربية في التعامل مع هذه الدول.

يوضح هذا الأمر، المتحدث الرسمي باسم الحكومة الصينية، الذي ينتقد التدخل الغربي وشروط الديمقراطية الليبرالية تجاه الدول الإفريقية، معتبر أن التنمية هي الوسيلة الفاعلة لدول إفريقيا وليس حرية الرأي كما يحاول الغرب أن يتشدقوا بذلك.

لكن مع بروز التحديات السابق ذكرها أمام الصين في ظل عدم امتلاكها لوجود عسكري ولوجيستي دائم في إفريقيا، بدأت الصين تفكر جديًا بضرورة حصولها على موطئ قدم وعلى قواعد وموانئ؛ وهذا ما بدأت التفاوض حوله مع عدد من الحكومات الإفريقية.

ماهو الفارق بين سياسات الولايات المُتحدة الأمريكية والصين في إفريقيا؟

اعتمدت الولايات المُتحدة الأمريكية إستراتيجية قائمة على العسكرة وخلق وإدامة بؤر التوتر، فلا نجد في إفريقيا من نفوذ أمريكي غير القواعد العسكرية والعسكريين الأمريكيين.

أما بالنسبة للصين فنجد العامل والمهندس في ورش البناء الطرق والمباني وأجهزة الحفر للتنقيب عن الثروات وكذلك السلعة الصينية وهي في متناول أيدي المجتمع، ووسائل تنمية صينية للمجتمعات الإفريقية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد