بعد غياب 14 عام عن إيران، و12 عام عن مصر، و7 أعوام عن السعودية، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ نظرائه في تلك الدول الكبرى في الشرق الأوسط معلنًا عن خططًا سياسية واقتصادية صينية في المنطقة بعد غياب سنوات طويلة.

بعد غياب 14 عاما عن إيران، و12 عاما عن مصر، و7 أعوام عن السعودية، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ نظراءه في تلك الدول الكبرى في الشرق الأوسط؛ معلنًا عن خطط سياسية واقتصادية صينية في المنطقة بعد غياب سنوات طويلة.

وفي هذا التقرير نتناول بالسرد والتحليل أبرز نتائج تلك الزيارة وانعكاساتها السياسية والاقتصادية على الصين من ناحية وعلى منطقة الشرق الأوسط من ناحية اخرى:

(1)أبرز الانعكاسات السياسية والاقتصادية على الصين والعرب

قبل أيام قلية من الزيارات المتوالية للرئيس الصيني لمصر والسعودية وإيران، أصدرت الصين ما سمته “أول وثيقة خاصة لسياسة الصين تجاه الدول العربية“، وحوت الوثيقة رغبة صينية في التعاون مع الدول العربية في مختلف المجالات، وقد ارتكز الخطاب الصيني على التقريب بين الصين والعرب على الأرضية المشتركة بين الصين والعرب، إذ لفتت الصين على أنها كذلك هي والدول العربية من دول “الجنوب” الذي تتسع بين تلك الدول ودول “الشمال”، وركزت على كونها -” مثل الدول العربية”- دولة “نامية” بوصف نفسها “أكبر بلد نامي في العالم”، ولفتت إلى العلاقة الديبلوماسية التي بدأت بين الصين والدولة العربية منذ 60 عام.

سياسيًا، أشارت الوثيقة إل سياسات تبدو مُريحة ومتوافقة مع رغبات الدول العربية، إذ نصت الوثيقة على أن ” تلتزم الصين بتطوير علاقاتها مع الدول العربية على أساس المبادئ الخمسة المتمثلة في الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، وتقف إلى جانب عملية السلام في الشرق الأوسط، وتدعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتدعم الجهود المبذولة من جامعة الدول العربية ودولها الأعضاء في هذا السبيل، وتتمسك بحل القضايا الساخنة في المنطقة بطرق سياسية وتدعم إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية”.

أما على المستوى الاقتصادي فقد ركزت الوثيقة على التعاون في مجالات عديدة، من أبرزها: مجالات الطاقة، واستعداد الصين لفتح أسواقها للمنتجات غير النفطية العربية، ومجال التسليح، والتكنولوجيا.

وعلى أرض الواقع: فخلال زيارة الرئيس الصيني شي لنظيره السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، فقد أعلن الطرفان عن تعاون مشترك في مختلف المجالات، من أبرزها: الطاقة والبنية التحتية والصناعات غير النفطية والسلاح والتكنولوجيا. كما دعى شي “سلمان ” لحضور” قمة الدول الـ20 التي تٌقام في 2016 في بكين.

أما عن مصر فخلال زيارة الرئيس الصيني شي لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي وقعت بكين حزمة من مشروعات الطاقة والبنية التحتية التي بلغت 15 مشروعًا بقيمة 15 مليار دولا، كما دعى شي “السيسي” لحضور” قمة الدول الـ20 التي تٌقام في 2016 في بكين.

وخلال كلمة لشي في جامعة الدول العربية بالقاهرة، قال: “إن قيمة القروض والاستثمارات المعلنة لدول المنطقة تبلغ قرابة 55 مليار دولار”.

وسياسيا كان أهم ما ركز عليه الرئيس الصيني تأكيده على أن الصين” لا تبحث عن وكلاء أو تملأ فراغ في المنطــقة، وإنما تبحث عن شراكات ذات منافع مشتركة” وفكرة عدم التدخل في صراعات المنطقة.

وبدا في الفترة الماضية ميل الصين لترك الديبلوماسية في الشرق الأوسط للدول الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهم: أمريكا وانجلترا وفرنسا وروسيا، ولكن تحرك الصين الأخير في المنطقة فقد رآه محللون أنه سيضع بكين في دائرة الصراع على النفوذ السياسي مع الغرب وروسيا على القضايا الإقليمة في المنطقة من خلال التأثير الاقتصادي الذي قد يعقبه تأثير سياسي استراتيجي على المدى الطويل؛ لحماية مصالحها الاقتصادية منطقة الشرق الأوسط المشتعلة بالصراعات.

اقتصاديًا، فيبدو أن الطرفين العربي والصيني في حاجة لبعضهما البعض؛ فالصين تعاني من تراجع شديد في النمو الاقتصادي بلغ في العام الماضي أقل مستوى له مُنذ 25 عام؛ إذ نما الاقتصاد الصيني بنسبة 6.9 % في عام 2015، مقارنة بـ7.3 % عام 2014 ..

وقد وجدت الصين في انخفاض أسعار النفط –الذي وصل هذا العام لدرجة غير مسبوقة منذ 12 عام فرصة كبيرة لها لإنعاش اقتصادها، وبالأخص أن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، ويرى خُبراء اقتصاديون أن كل انخفاض في أسعار النفط بنسبة 10 % يؤدي بالتبعية إلى نمو إجمالي الناتج المحلي الصيني بنسبة 0.15 % ، ويقلل من حجم التضخم الاستهلاكي بحوالي 0.25 %، ويُحسن من ميزان الحساب الجاري بنسبة 0.2 % من إجمالي الناتج المحلي، ووفرت الصين نتيجة تراجع أسعار النفط حوالي 17 مليار دولار في عام 2014، ومن المتوقع أن توفر حوالي 30 مليار دولار لو استمرت أسعار النفط في الانخفاض بهذه الوتيرة حتى نهاية العام الجاري، لذلك فإن توطيد الصين علاقتها مع الدول العربية، وبالأخص الخليجية منها يساعد على تعظيم الاستفادة من أزمة النفط بالنسبة للصين، وخصوصا أن الأخيرة تسعى لاستيراد النفط وتكوين احتياطي استرتيجي لها.

وفي المقابل فإن الدول العربية ستستفيد من الدعم الصيني في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية، والمجال الذي قد يكون الأهم عربيًا هو ترحيب الصين بفتح سوقها للمنتجات “غير النفطية” ويعد التوسع في الاقتصاد غير النفطي من أهم التوصيات التي تُقدم للسلطات الخليجية في الإقدام عليه بشكل كبير؛ حتى يتقلص تأثير اقتصاد تلك الدول من أسعار النفط غير المستقرة، والتي شهدت تراجعًا ملحوظًا السنوات الماضية وصل مؤخرً لما دون الـ30 دولار للبرميل، ويتوقع مراقبون استمرار التراجع، لذلك أصبح الاعتماد على الإنتاج غير النفطي- المدعوم من الصين- ضرورة اقتصادية لابد منها استراتيجيًا على دول الخليج، وبالأخص منها السعودية.

وعلى الصعيد السياسي، فقد يُمهد تراجع الصين سياسيًا في القضايا الإقليمية في الفترة الماضية عن الغرب وروسيا لظهورها الآن بـ”الطرف المحايد” . بحيث يصبح رأيها السياسي فيها أقرب إلى الموضوعية. وقد يصعب “تصنيفه” من قِبل أطراف الصراع، وعلى الرغم من أن الصين تُظهر رغبتها في اتباع سياسة “عدم التدخل” فإن محللين يرى أنها ستنجر بشكل أو بآخر للتدخل في القضايا الإقليمية بشكل أكثر “وضوحًا” مع رغبة حلفائها في استقطابها.

وأمنيًا، فإن الصين أصبحت تعاني بشكل ما من خطر تنظيم الدولة؛ فبعض “الإيجور” من مسلمي الصين ينضمون للتنظيم، وهذا قلق مشترك تتقاسمه مع الدول العربية التي تحارب التنظيم خارجيًا، وبدأ التنظيم يضرب في قلب دول عربية جديدة كالسعودية والكويت خليجيًا، بالإضافة إلى مصر وتونس في شمال إفريقيا، ويتوقع مشاركة الصين في محاربة التنظيم بعد إقرار قانون لمكافحة الإرهاب يسمح للجيش الصيني بالمشاركة في عمليات عسكرية خارج الحدود، بشرط الحصول على موافقة الدولة المعنية.وهو ما قد يعقبه تدخل أكثر وضوحًا في القضايا الإقليمية بالشرق كما هو معتاد!

ويعقب المخاطر الأمنية في المنطقة الحاجة إلى التسليح، لذلك من المتوقع أن تنافس الصين دول الغرب وروسيا في تسليح العرب، وهو ما ستستفيد منه الصين اقتصاديًا وسياسيًا بشكل كبير.

(2) أبرز الانعكاسات السياسية والاقتصادية على الصين وإيران

بعدما زار شي السعودية وبعد ذلك مصر، اختتم الرئيس الصيني جولته في الشرق الأوسط بزيارة لطهران، “وهو ما يُمثل حدثًا تاريخيًا في العلاقات بين البلدين” على حد وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني، وهي زيارة صينية لإيران لم تحدث مُنذ 14 عام، ويُعد الرئيس الصيني أول رئيس يصل لطهران عقب دخول الاتفاق النووي الإيراني حيز التنفيذ ورفع العقوبات الدولية على إيران، وبدت الزيارة الأخيرة على أنها الأقوى تأثيرًا اقتصاديًا وسياسيًا.

وخلال الزيارة اتفق الطرفان على زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 600 مليار دولار خلال خطة استراتيجية بين البلدين تستمر لـ 25 عامًا، ذلك التبادل التجاري الذي كان كبيرًا في البداية بين البلدين ووصل إلى 54 مليار دولار في عام 2014.

وقد أكد الطرفان على أن ألفي سنة من التاريخ بين ثقافة البلدين سياعدان الصين على بناء طريق الحرير الجديد من الطرق السريعة والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب عبر الشرق الأوسط، ويُعطي الموقع الجغرافي لإيران ميزة تنافسية عن السعودية بزيادة اعتماد الصين عليها، نظرًا لأن إيران تطل على القوقاز وتركيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وهو ما يجعل من إيران رابطا أفضل للصين من السعودية.

وفي سياق متصل، “تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران؛ إذ تشتري الصين النفط الإيراني بكميات كبيرة تقدر بمليارات الدولارات” بحسب البي بي سي، وقد تقلص اعتماد الصين على نفط السعودية العام الماضي ليصل إلى زيادة 2% فقط من الواردات النفطية للصين، في الوقت الذي ارتفعت واردات الصين النفطية من روسيا العام الماضي لـ30 % وهذا التحول يراه محللون أنه قد يُعطي فرصة أكبر لإيران على حساب السعودية: المُمد الأكبر للنفط إلى الصين.

ففي 2009، باعت الصين لإيران معدات خاصة لمكافحة الشغب والتتبع التكنولوجي، وهو ما استخدمته إيران لقمع احتجاجات 2009 المعارضة للحكومة والتي كانت تتهم انتخابات الرئاسة التي نجح فيها الرئيس أحمدي نجاد ب”المزورة”. وترجع العلاقات العسكرية بين إيران والصين إلى ما هو أبعد، ففي ثمانينيات القرن الماضي كانت الصين المُمِد الرئيس للسلاح الإيراني في الحرب التي جمعت بين إيران والعراق.

وبشكل عام فإن الصين ساعدت إيران بشكل كبير في البدء بقطاع تصنيع السلاح، وكان ذلك جليًا في تصميم وتكنولوجية الصواريخ إيرانية الصنع.

وفي سياق منفصل، تحدث روحاني في مقابلة تلفزيونية أن “الزعيمين ناقشا قضايا تتعلق بالإرهاب، والشرق الأوسط، والعلم، والتكنولوجيا الحديثة، والثقافة والسياحة، والأمن والدفاع.، وزار شي مرشد الجمهورية علي خامئني الذي أشاد بالزيارة، وأكد على انعدام ثقة إيران بالغرب، وأعلن الرئيس الصيني دعم بلاده لانضمام إيران في “منظمة شانغهاي للتعاون” كعضو كامل الصلاحيات، بعدما كانت إيران عضوًا مراقبا وسعت في السنوات الماضية للحصول على العضوية الكاملة.

توقعات سياسية مستقبلية من تاريخ البلدين

خال الأعوام المضاية، حاولت الصين الظهور كطرف “محايد” في الصراعات الإقليمية التي يشهدها الشرق الأوسط حيث استقبلت وفدًا من النظام السوري وآخر من معارضيه، وتجاهلت الانخراط بشكل مباشر في الصراعات الإقليمية في المنطقة خلال الأعوام ال3 الماضية ترسيخًا لصورتها “المحايدة”. رغم أن الصين قد لعبت أدوارا بدت مُتحيزة للنظام السوري في بداية الثورة عليه، مع العامين الأولين للثورة التي تدخل عامها الخامس، برفض تكرر 3 مرات لفرض عقوبات دولية من قبل مجلس الأمن على النظام السوري باستخدامها بجانب روسيا حق الفيتو في مواجهة القرارات التي كانت مدعومة من الغرب، تحت شعار المحافظة على بنيان الدولة.

لا يمكن الجزم بطبيعة التوجه الصيني في المنطقة سياسيا، لكن في ظل وجود مواقف مسبقة للصين في القضية السورية، وفي ظل تأكيد الرئيس شي خلال زيارته إلى السعودية على أهمية التمسك بالشرعية في اليمن فإن الصين ربما تجدد تأكيد التزامها تجاه بقاء الدول والأنظمة ضد محاولات التغيير التي تنظر إليها الصين دوما على أنها بوابة إلى الفوضى، ففي الوقت الذي ربما تبدو فيه الصين أقرب إلى الرؤية السعودية في اليمن، فإنها ربما تظل أكثر انحيازا إلى نظام الأسد وبالتالي محور طهران موسكو في سوريا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد