قبل شهرين، كانت الصين غارقة تمامًا في أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد دون أفق للنجاة، بل ظل السيناريو الأسوأ هو الأرجح لفترةٍ سادت فيها التوقعات بصعوبة السيطرة على الفيروس في الأمد القريب. لكن بكين استطاعت فجأة محاصرة الفيروس، فتراجع عدد الإصابات والوفيات المعلنة يوميًا، وبدأت تنتشر صور لأطباء ينزعون الأقنعة الطبية «الكمامات»، ومستشفيات ميدانية تُفكك، وتوج ذلك كله بإعلان انتصار بكين في معركتها ضد الفيروس، بحسب ما أعلنت هي.

بعد إعلان هذا الانتصار الداخلي، وجهت الصين أنظارها للعالم الخارجي، وبدأت ترسل طائرات وقطارات إغاثة تحوي مساعدات وأحيانا فرقًا طبية، هنا وهناك، في استغلال واضح للقوة الناعمة الصينية، والقدرات التصنيعية الكبيرة للبلاد في كسب نفوذ عالمي. ومع توسع المساعدات الصينية، بات ما يعرف بـ«دبلوماسية الكمامات» يظهر باعتباره استراتيجية صينية جديدة للتحرك السياسي في دوائر جديدة لطالما غلفها التوتر والانتقادات المتبادلة؛ لكسب نفوذ سياسي، ووضع أسس تعاون اقتصادي مستقبلي.

كذلك توظف الصين «دبلوماسية الكمامات» لدعم مشروع «طريق الحرير»، أو ما يعرف أيضًا بـ«مبادرة الحزام والطريق» وبناء النفوذ في الدول التي تقع ضمن نطاق هذا المشروع الذي يضم 65 دولة، ويرمي لتعزيز التبادل التجاري، وفتح أسواق جديدة للسلع الصينية.

«دبلوماسية الكمامات».. خطة الصين لكسب النفوذ

تستغل الصين تفشي فيروس كورونا في الدول الأوروبية، للوصول إلى دوائر تحرك سياسية لطالما غلفها التوتر والانتقادات، خاصة في أوروبا، وتستخدم المساعدات الطبية لبناء قاعدة قوية لعلاقات اقتصادية مستقبلية تدفع مشروعها المتمثل في طريق الحرير قدما.

ومؤخرًا قال لوه تشاو هوى نائب وزير الخارجية، إن «بكين قدمت مساعدات عاجلة، بما في ذلك مجموعات الاختبارات والكمامات إلى 83 دولة، لأن الصين تتعاطف وترغب في تقديم ما تستطيع للدول المحتاجة».

في هذا الصدد، يقول البروفيسور جون بيير كابستان، من جامعة جون باتست في هونج هونج، أن الصين «أصبحت تبني كل سياساتها ورؤاها الاستراتيجية على مبادرة الحزام والطريق، التي تمثل حجر الزاوية في سياساته الاقتصادية المستقبلية».

فيما أكد رئيس شركة «هواوي» الصينية العملاقة، رين زهنجفي، أن الصين تريد أن تكسب ود الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتوثق العلاقات معها، ومن ثم إبعادها عن حليفها التاريخي، الولايات المتحدة الأمريكية، نظرًا لأهمية أوروبا في مشروع الصين الجديد.

في أوروبا.. هكذا تسعى الصين لكسب العقول والقلوب

خلال الأسابيع القليلة الماضية، مدت الصين يد العون للأوروبيين، حيث هبطت طائرات صينية تحمل ملايين الكمامات الطبية (الأقنعة الواقية) وأجهزة فحص كورونا المستجد، للدول الأوروبية المتضررة من الفيروس.

ومكنت «دبلوماسية الكمامات، بكين من كسب قلوب وعقول الأوروبيين، ووضع أساس علاقات اقتصادية قوية بعد انقشاع أزمة كورونا المستجد». وبصفة عامة، يتميز هذا النمط من الدبلوماسية بالتركيز على توفير الموارد الهامة في سياق الأزمات، مثل الإمدادات الطبية، ويعد محوريًا في تحسين صورة الصين المشوهة في أوروبا، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

في إيطاليا على سبيل المثال، تقدم الصين المواد الإغاثية والفرق الطبية لدعم الجهود الإيطالية لكبح جماح فيروس كورونا، رغم التوترات السابقة بين البلدين ورفض روما مرور مشروع «الحزام والطريق» عبر أراضيها، وتأثيره الاقتصادي على مكانة إيطاليا الوسيط التجاري بين وسط أوروبا، ودول حوض المتوسط.

وبالإضافة إلى إرسال بكين مساعدات طبية لإيطاليا، وصلت الأسبوع الماضي، طائرة تقل 300 طبيب صيني إلى ميلان الإيطالية لتقديم المساعدة للفرق الطبية هناك.

وفي محادثة هاتفية قبل أيام، تحدث الرئيس الصيني شي جين بينج، مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، عن «طريق حرير إلى الصحة» باعتباره جزءًا من المشروع الصيني «حزام واحد.. طريق واحد» الرامي لربط العالم تجاريًا واستثماريًا، في إشارة إلى أن المساعدات الإغاثية الصينية للدول الأكثر احتياجًا في أزمة كورونا، ذات بعد «جيوسياسي»، وفق صحيفة «دي تسايت» الألمانية.

دولي

منذ شهر
كيف تسببت السياسة في تحول كورونا إلى جائحة؟ 4 نماذج تشرح لك

ويهدف التحرك التكتيكي الصيني إلى كسب عقول وقلوب الإيطاليين الواقعين تحت صدمة تفشي كورونا المستجد وتقاعس الاتحاد الأوروبي عن مساعدة بلادهم، ويعزز مصداقية ووجود التيارات السياسية الموالية للصين داخل الدول الأوروبية، وبناء قاعدة قوية لعلاقات اقتصادية قوية بين البلدين، وكسب التأييد لمشروع «طريق الحرير الجديد».

ولم يتوقف الأمر عند إيطاليا؛ إذ تلقت النمسا هذا الأسبوع 130 طنًّا من الكمامات والمطهرات وأجهزة اختبار كورونا المستجد، من الصين، في خطوة لاقت استحسانًا كبيرًا من المستشار سبستيان كورتس.

ويوم الجمعة 27 مارس (آذار)، وصلت طائرة بوينج 747، مطار لييج ببلجيكا حاملة نصف مليون جهاز تنفس، وأعدادًا لا تحصى من الملابس الواقية وأجهزة اختبار لفيروس كورونا. وفي اليوم التالي (السبت) وصل المزيد من مواد الإغاثة لبلجيكا، وجميعها قادمة من الصين.

وغادر يوم الأحد 23 مارس، قطار محطة ييوو شرقي الصين، صوب العاصمة الإسبانية مدريد، محملًا بـ110 آلاف قناع واق «كمامة طبية»، ومئات البدلات الواقية، والمستلزمات الطبية الأخرى، لمكافحة انتشار الفيروس.

وفي إشارة واضحة على أن السياسية الصينية الجديدة تحقق أهدافها، لم يجد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز سوى عبارة «أنه بعد العاصفة تأتي أشعة الشمس» في تعبير واضح عن الامتنان للصين. وتعني هذه العبارة أنه «بعد الوباء ينبغي التفكير في تعاون أكثر كثافة».

كذلك نجحت المساعدات الصينية للدول «الأكثر تضررًا من أزمة كورونا» في الترويج لصورة الصين باعتبارها «قوة عظمى مليئة بالإنسانية». ووصل الأمر، إلى قول رئيس صربيا، ألكسندر فوسيتش في تصريحات صحفية حديثة: «لا يوجد تضامن أوروبي. إنها قصة خيالية للفقراء. نأمل في الدولة الوحيدة القادرة على التعامل معنا في هذا الوضع الصعب؛ نأمل في مساعدة جمهورية الصين الشعبية».

قطار دبلوماسية الكمامات الصيني يصل إلى آسيا وأفريقيا

لم يتوقف الأمر عند أوروبا فقط، إذ تبرعت الصين أيضًا بمئات آلاف الأقنعة الجراحية ومعدات إجراء فحوص للفلبين وباكستان، كما أرسلت فرقًا طبية إلى إيران والعراق، وقدمت قرضًا بقيمة 500 مليون دولار لمساعدة سريلانكا على مكافحة الفيروس.

Embed from Getty Images

وإجمالًا، تلقت إيران نحو 18 شحنة من المساعدات المقدمة من الحكومة الصينية في إطار مكافحة فيروس كورونا، بينها أربع شحنات وصلت طهران يوم 20 مارس الماضي. وتشمل المساعدات أقنعة واقية (كمامات)، وأجهزة اختبار كورونا وأدوية وأدوات تعقيم.

أما في باكستان، فقد أثنى وزير الشؤون الاقتصادية، حماد أظهر، على مجهودات الصين في مساعدة بلاده، وقال: «إن بكين قدّمت مساعدات كبيرة لباكستان، بقيمة 4 مليون دولار أمريكي بالإضافة إلى 300 ألف قناع وجه طبي و10 أجهزة تنفس صناعي ومعدات أخرى». وأضاف أن بكين سوف توفر المزيد من أجهزة التنفس الصناعي.

وفي وقت سابق من شهر مارس الماضي، سلم الصليب الأحمر الصيني بغداد، دفعة من المساعدات الطبية لتعزيز قدرات السلطات الصحية العراقية في مجابهة فيروس كورونا المستجد. وجرت مراسم تسليم المساعدات التي تضم أجهزة ومستلزمات طبية بمقر السفارة الصينية ببغداد.

قطار مساعدات الصين وصل أفريقيا أيضًا، إذ تسلمت تونس، مجموعة من المعدات الطبية إلى جانب أدوات للوقاية والحماية الخاصة بمواجهة وباء كورونا، من الصين. وأعربت الرئاسة التونسية عن «عميق ارتياحها لهذا الدعم الذي يعكس البعد الإنساني في سياسة جمهورية الصين الشعبية».

وتسلمت الجزائر مساعدات طبية من الصين لمكافحة انتشار وباء كورونا المستجد. وتتمثل هذه المساعدات في مستلزمات الوقاية وأجهزة التنفس الاصطناعي الموجهة للتصدي الفيروس والحد من انتشاره.

لماذا يقلق الغرب من «دبلوماسية الكمامات» الصينية؟

تثير «دبلوماسية الكمامات» الصينية قلقًا كبيرًا في الأوساط الغربية، إذ يتهم بعض المسؤولين الغربيين بكين بالسعي لتحويل الأنظار بعيدًا عن تسببها في تفشي المرض عالميًا بعد أن تسترت على انتشاره في البداية، والرغبة في جني مكاسب سياسية من الأزمة.

ووجه جوسيب بوريل، الممثل السامي لشؤون السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، الإثنين الماضي، تحذيرًا بشأن «دبلوماسية الكمامات» الصينية، وقال إن أوروبا «يجب أن تدرك أن هناك مكونًا جيوسياسيًا لأزمة كورونا، بما في ذلك استغلال التودد والكرم، أداة في الصراع من أجل النفوذ».

صحة

منذ شهرين
«هآرتس»: الصين بدأت مرحلة ما بعد كورونا.. فكيف سيبدو العالم؟

فيما قال مارسين برزيتشودياك المحلل بالمعهد البولندى للشؤون الدولية، إن دول وسط وشرق أوروبا التي تتلقى مساعدات من الصين، ستقدر دعم بكين، ولكن هناك مخاوف بشأن الدوافع الاقتصادية والسياسية وراء ذلك.

وقال برزيتشودياك إنه من أجل تأمين هذه الإمدادات الطبية، كان على الحكومات «التعاون مباشرة مع السلطات الصينية، لكي تتمكن من طلب هذه السلع الطبية». وأضاف «من المحتمل أن تكون هذه المساعدات الصينية مشروطة بشروط مثل دعم الرواية الصينية وقصة نجاحها في التغلب على الفيروس».

أما مارينا رودياك المتخصصة في الدراسات الصينية بجامعة هايدلبرغ الألمانية، فتقول «نظرًا لأن الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب لا تقدم استجابة دولية ذات قيمة والاتحاد الأوروبي مشغول بالتعامل مع مشاكله الداخلية، فإن الحكومة الصينية أصبح لديها فرصة فريدة لسد فجوة دولية كبيرة في ظل أزمة كورونا الحالية».

وأضافت مارينا رودياك: «من خلال قيام الصين بتقديم مساعدتها حول العالم، تحاول بكين أيضًا تحويل الانتباه عن الانتقادات الشديدة التي وجهت إليها في تعاطيها مع كورونا، وتحاول تقديم نفسها منقذًا للدول الأخرى».

إلى أي مدى ستعود «دبلوماسية الكمامات» بالفوائد على الصين؟

يرى يورغ فوتكي، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في بكين أن الاستراتيجية الصينية «تحقق نتائج جيدة في بعض البلدان الأوروبية». وأوضح «معظم الناس ينظرون إلى الصين باعتبارها المسؤولة عن هذه الأزمة العالمية، لكن المساعدات الانسانية السخية ستؤثر على الارجح في الرأي العام في أوروبا لصالح الصين».

 

القادة كورونا

بدورها، قالت ميوا هيرونو، الباحثة في جامعة ريتسوميكان في اليابان والمتخصصة في المساعدات الخارجية الصينية إنه على عكس المساعدة الطبية التي قدمتها بكين لغرب أفريقيا خلال تفشي الإيبولا في الفترة من 2014 إلى 2016، فإن «دبلوماسية الكمامات» ترتبط بمحاولة الصين الأخذ بزمام القيادة العالمية من خلال تحسين صورتها وتعزيز قوتها الناعمة، عبر توفير هذا النوع من المساعدات الطبية في ظل الأزمة الحالية».

إلا أنها أضافت «من غير المرجح أن تساعد مثل هذه المساعدات بكين لتحسين صورتها في الخارج، لأن عددًا من الدول التي تلقت مساعدات ربما تقدر هذه الخطوة على المدى القصير، لكن على المدى الطويل فإنها ستظل قلقة من سلوك بكين.

نفوذ ما بعد الأزمة.. النظام العالمي الجديد بعد رحيل الفيروس

مع ذروة انتشار كورونا المستجد في الصين في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، بدأ نموذج النهضة الصيني يهتز بقوة، لكن بكين خرجت منتصرة على ما يبدو، والآن تريد استغلال هذه التجربة في تحقيق صعود دولي.

وخلال الفترة الماضية، وصلت المساعدات الصينية دولًا محورية في أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتلقت بكين في المقابل، الكثير من التقدير وقاعدة قوية لعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة في عالم ما بعد كورونا.

وفي وجود مشروع طموح لربط العالم بخطوط الإنتاج الصينية، متمثل في مشروع «حزام واحد.. طريق واحد»، أو طريق الحرير الجديد، تستخدم بكين حزم المساعدات الطبية فيما بات يعرف بـ«دبلوماسية الكمامات» لكسب نفوذ دولي يضعها في موقع متقدم في النظام العالمي الذي يتوقع أن ينبثق عن الأزمة الراهنة.

دولي

منذ شهرين
«البروباجندا» الصينية.. كيف تدير بكين ملف الدعاية خارج حدودها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد