مع بدء الأزمة المالية العالمية في سبتمبر 2008، والتي امتدت إلى دول أوروبية وآسيوية لا سيما المرتبطة منها بالاقتصاد الأمريكي، والذي تأثر تأثيرًا كبيرًا، بعد أن وصل عدد البنوك المنهارة إلى 19 بنكًا، وتراجع في المبيعات التجارية في الداخل والخارج.

ومنذ ذلك الحين، أخذت العديد من الأصوات العالمية تنادي بأن الاقتصادي الأمريكي سيشهد حالة من الانهيار والضياع، ولا بد من البحث عن بدائل أخرى، وضرورة إنشاء عملة احتياط عالمية، تكون مخرجًا أوليًا لتفادي آثار الأزمة المالية، والتي لا زالت تفوح رائحتها حتى اللحظة.

ولا يخفى على أحد أن الاقتصاد الأمريكي بخلاف الأزمة المالية شهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب الاستنزاف المالي للقوات الأمريكية التي تقاتل في العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من الدول، إلى جانب ضعف عملات التداول عالميًا.

وظل الدولار الأمريكي العملة الأكثر تداولا في العالم بعد استبداله بالذهب كعملة احتياطي نقدي منذ عام 1971 وحتى الآن، حيث تشير العديد من الدلائل على قرب حدوث هذا التغير المرتقب؛ بعد إعلان صندوق النقد الدولي مؤخرا عن استعداده لإقرار “اليوان” الصيني كأحد العملات الرئيسية المكونة لسلة عملات وحدة حقوق السحب الخاصة، شرط تحرير قيمته، اعترافًا منه بأهميته وقوة استقراره.

وما يزيد الوضع سوءًا خلال المرحلة المقبلة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هو استبدال عملتها “الدولار” بعملة أخرى تكون أكثر استقرارًا وثباتًا في ظل التغيرات الجارية عالميًا، ووسط تواصل تذبذب سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى.

ضربة قاضية

وذكر موقع “اي او تي تي” الناطق باللغة الإنجليزية،  أن روسيا والصين قررا توجيه ضربة قاضية للولايات المتحدة الأمريكية، عندما اتفقتا على عدم التعامل بالدولار الأمريكي في تجارتهما مع البلاد الأخرى، حيث ستتعامل البلدان معًا بالعملات المحلية للبلدان التي يتبادلون التجارة معها.

وأورد الموقع أنه من المتوقع انضمام  كثير من البلدان لاتفاق روسي صيني، خصوصا مجموعة “بريكس” والتي تضم كلا من “روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا”، لافتًا إلى أن إلغاء الدولار في التعامل لن يكون في السلع التجارية فقط بل سيمتد لتجارة المواد الهيدروكربونية، التي ينتج عنها مليارات الدولارات سنويا.

ويبنى على ذلك أيضا توقف التعامل بالدولار في المنتوجات البترولية، مما سيؤدي لخسارة أمريكا ما يقرب من 17 تريليون دولار، مع حرص الدولتين علي تطوير أسواق جديدة ضمن المنطقة التي سينشأ فيها مشروع جديد سينتج عنه ثبات سياسي واقتصادي في وسط آسيا.

ويصل حجم تجارة روسيا فى الهيدروكربونات إلى حوالي تريليون دولار سنوياً (أى مليون مليون) وربما تتجه دول أخرى قريبًا، خاصة البرازيل والهند والصين وجنوب أفريقيا إلى قرار مماثل والانضمام إلى روسيا متخلين عن عملة الدولار في تجارة النفط والغاز، وقد يؤدى ذلك إلى خسارة عشرات التريليونات من الطلب على الدولار سنويًا.

و بلغ الناتج القومي الأمريكي 17 تريليون دولار في ديسمبر سنة 2013، وإذا قررت هذه الدول ذلك فإن خسارة الاقتصاد الأمريكي ستكون فادحة.

ووفق إحصائيات؛ فإن الدولار الأمريكي يشكّل في الوقت الحالي تقريبًا 86% من حجم التعاملات اليومية في السوق العالمي للصرف الأجنبي، والذي يصل وفقًا لآخر الإحصاءات (قبل الأزمة المالية) إلى أكثر من ثلاثة تريليونات دولار يوميا، والباقي يتم أساسا باليورو وإلى درجة أقل بعملات أخرى.

ويذكر أن قيمة الدولار تراجعت خلال الـ12 عامًا الماضية بنسبة 40% بالنسبة للفرنك السويسري، و30% بالنسبة للين الياباني، و25% بالنسبة لليورو، إضافة إلى أن العجز المالي الكبير في الولايات المتحدة لم يتوقف عند حدود فقدان الثقة في عملتها الاحتياطية، بل أدى إلى تصاعد مستويات الدين العام الأمريكي.

وكان “البنك الاحتياطي الفيدرالي” طبع مؤخرًا كميات كبيرة من الدولار لتمويل العجز وترحيل الأزمة للسنوات المقبلة، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع معدلات تضخم العملة الأمريكية، وبالتالي استبدال مستخدميها بعملة احتياطية أخرى أو بشراء الذهب.

البحث عن بديل

لتأكيد ما سبق، قال رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي الأمريكي (المركزي) دينيس لوكهارت في أتلانتا: “لابد من بديل عن الدولار كعملة احتياط عالمية في الوقت الراهن بالنسبة للدول المرتبطة به في الشرق الأوسط وخارجه”، متوقعا في الوقت نفسه صعودًا تدريجيًا لعملات أخرى خلال السنوات المقبلة.

وأضاف لوكهارت، لـCNN بالعربية: “الدولار على المدى المتوسط سيفقد بعضًا من مكانته كعملة دولية وحيدة لصالح عملات أخرى، مثل اليوان الصيني، إلا أنه على الأمد القصير ليس هناك من بديل للدولار الذي يستند إلى قوة أمريكا الاقتصادية وأساسيات الاقتصاد الأمريكي التي استردت قوتها ونموها”.

وتوقع لوكهارت أنه مع منتصف العام المقبل، 2015 ستكون الولايات المتحدة أمام ظروف تسمح بزيادة تدريجية للفائدة التي تبلغ صفرًا في المائة حاليًا، على أن ينتهي برنامج التيسير الكمي الهادف لشراء الأصول المتعثرة من الأسواق بحلول أكتوبر أو ديسمبر 2014 على أبعد تقدير، علمًا أن قيم الدعم قد تراجعت إلى حد كبير مع تحسن الاقتصاد.

وبين أن مخاطر الاقتصاد الأمريكي تكمن في ثلاثة عوامل أولها الضعف الاقتصادي في الربع الأول من العام الجاري، وثانيها احتمال حصول مشكلة مالية في الأسواق النامية أو أمريكا، أما الأخير فهو الخطر الجيوسياسي مثل التوتر بين روسيا والغرب بسبب أوكرانيا، فقد يكون لهذا الخلاف آثار كبيرة على الأسواق المالية وأسواق السلع، وهذا قد يرتد في وقت لاحق على السوق الأمريكية.

صعود “اليوان”

ثمة مؤشرات ترى أنه في حال انتهى التعامل مع الدولار الأمريكي كعملة عالمية في الوقت الراهن، فإن اليوان الصيني هو من سيسيطر على الوضع التجاري الاقتصادي العالمي، خاصة وأنها -الصين- تمتلك الكثير مم المقومات الضرورية للتحول إلى قوة عظمى، والمتمثلة في نمو اقتصادي نادر المثيل، وتقدم صناعي مذهل، وقوة عسكرية ونووية تزداد نموًا من يوم لآخر، فضلا عن سكان يبلغ تعدادهم حوالي 20 بالمائة من إجمالي سكان العالم، وسوق اقتصادية رحبة في بلد هو أكبر بلد في العالم من حيث تعداد سكانه.

جملة من الأسباب قد تدفع باليوان الصيني في اتجاه التحول إلى عملة دولية خلال السنوات القليلة المقبلة، أبرزها تصاعد وزن الاقتصاد الصيني بالرغم من حالة الركود التي يعانيها الاقتصاد العالمي، والتحرير التدريجي لقيمة اليوان بعدما أعلنت الحكومة الصينية خلال عام 2005 عن تطبيقها لنظام تحرير سعر الصرف بشكل تدريجي، إلى جانب زيادة المعروض النقدي من اليوان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد