في مارس (آذار) الماضي، صَدرت الخطة الخمسية الاقتصادية الـ13 للصين، التي تضم ما يقارب من 100 مشروع علمي وتكنولوجي، على رأسهم مشروع بناء من ستة إلى ثمانية مفاعلات نووية بنهاية عام 2020، أملًا في استخلاص 10% من احتياجاتها للطاقة عبر الطاقة النووية. بينما يأتي في المرتبة الثانية مشروع بناء مختبر تحت مياه بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، وعلى عمق 9800 قدم (3000 متر).

يهدف المشروع إلى أغراض اقتصادية ومدنية في المستوى الأول، ولكن قد يرمي أيضًا إلى أهداف عسكرية تسعى لها الصين. لذا في هذا التقرير سنتناول بعض التفاصيل والخطوط الرئيسية، ومخططات المشروع، وتقدير التكلفة، وأهميته الاقتصادية وكذلك العسكرية التي تجعله يتربع في المركز الثاني بين أهم المشاريع العلمية للخطة الخمسية الحالية. كما يمكنكم مشاهدة الفيديو التالي للتعرف على الأهداف والمهمات الرئيسية، والتدابير الهامة في الخطة الخمسية الـ13.

 الصين.. واليد العليا في بحر الصين الجنوبي

تشهد منطقة بحر الصين الجنوبي عدة صراعات إقليمية بسبب السيادة على مياه البحر وبعض الجُزُر المتنازع عليها. فزعمت الصين أن أكثر من 80% من مياه بحر الصين الجنوبي تقع ضمن أراضيها السيادية، ثم إنشاءها سبع جزر اصطناعية في مياه البحر تغطي 3200 فدان، أدى إلى زيادة التوتر بينها وبين كلٍّ من فيتنام، والفلبين، وتايوان، وماليزيا، وبروناي بالرغم من تداخل المصالح الإقليمية.

أما في عام 1974 احتلت الصين جزر «باراسيل» من فيتنام في اشتباك بحري أدى إلى وفاة 64 بحارًا فيتناميًا. فطالبت فيتنام الصين بالتراجع عن الجزر مما أدى إلى اشتباك آخر حول جزر «سبراتلي» في عام 1988، انتهي بهزيمة الفيتناميين وخسارة ما يقارب 60 عسكريًّا. أما في عام 2012، فتصاعدت التوترات بين الفلبين والصين، بعد اعتقال القوات البحرية الفلبينية ثماني سفن صيد صينية بالقرب من شعاب «سكاربره». كما تدير تايوان بؤرة واحدة في جزر «سبراتلي»، بينما تُدير ماليزيا عدة مواقع عسكرية في الجزر ذاتها.

هل يستحق بحر الصين الجنوبي هذا العناء؟

«إن أعماق بحر الصين الجنوبي تحتوي على الكنوز التي لا تزال غير مكتشفة وغير مطورة، ومن أجل الحصول على هذه الكنوز لدينا مفتاح السيطرة على التكنولوجيات الرئيسية للولوج واكتشاف أعماق البحار وتطويرها».

قال الرئيس الصيني «شي جين بينغ» تلك الكلمات خلال الشهر الماضي في أحد المؤتمرات العلمية الوطنية. فيُعتبر بحر الصين الجنوبي بوابة عبور لحوالي نصف السفن التجارية في العالم، التي تحمل بضائع تُقدر بأكثر من 5 تريليونات دولار سنويًا مما يجعله ذا أهمية اقتصادية عظمى للتجارة العالمية. كما يحوي ما يقارب 10% من المخزون السمكي التجاري في محيطات العالمم. لذلك فهو الطريق الحيوي للاقتصاد العالمي لما يحوي من كنوز لم تكتشف بعد كما قال الرئيس الصيني.

إذًا.. فما هي تفاصيل المشروع؟

في العرض الأخير لـ«وزارة العلوم والتكنولوجيا» الصينية تم الإعلان عن هذا المشروع. فهو عبارة عن مختبر أو منصة متحركة على عمق 3000 متر من مياه البحر، ويقبع تحت قيادة شركة صناعة وبناء السفن الصينية، إذ يتكون الطاقم من عشرات الأفراد على متنها، ويمكنها البقاء تحت سطح الماء لمدة 30 يومًا. فكان التخطيط جاريًا لمدة 10 سنوات، لدفع الصين بأن تصبح قوة عظمى في التكنولوجيا العالمية بحلول عام 2030. فالانتهاء من هذا المشروع يغلق الفجوة بين الصين وكلٍّ من اليابان، وفرنسا، وروسيا في تكنولوجيات ما تحت الماء، والتنقيب في أعماق البحار.

أما بالنسبة لتكاليف المشروع، فلم تعطِ الوزارة أي تقديرات لتكلفة المشروع. فوفقًا لمكتب الإحصاء الوطني أنفقت الصين خلال العام الماضي 2015 ما يقرب من «1.42 تريليون يوان» أي حوالي 216 مليار دولار على تمويل البحث والتطوير، وبسبب اعتماد هذا المشروع على أنظمة الاستشعار والاتصالات المختلفة فمن المتوقع أن تزداد قيمة المبالغ المنفقة على البحث والتطوير بنسبة 7.6% أي ما يقرب من 145 تريليون دولار.

أما بالنسبة للتحديات والصعوبات التي تواجه المشروع، فبالرغم من أن معظم احتياطي النفط الذي لم يُكتشف بعد يقع في المناطق الساحلية التي لم يتم التنازع عليها، إلا أن المناطق المتنازع عليها تواجه العديد من التحديات الجيولوجية والتكنولوجية مثل عمق المياه الذي يقارب 3000 متر، بالإضافة إلى التعرض إلى الأعاصير التي قد تصل شدتها إلى المدمرة.

لأهداف اقتصادية.. أم لأغراض عسكرية؟

لا تزال شهية الصين للاستحواذ على الموارد الطبيعية هي القوة الدافعة خلف هذا المشروع، فتنفيذ الصين لهذا المختبر يأتي في الأساس بهدف التنقيب عن المعادن، والرواسب المعدنية الضخمة الموجودة في تلك المياه ومن ثم الحصول عليها واستغلالها. ذلك بالإضافة إلى الاحتياطي الضخم من النفط والغاز الطبيعي المتوافر في أعماق البحر. فوفقًا للتقديرات الصينية التي تمت عام 2012، فإن مياه بحر الصين الجنوبي تحتوي على أكثر من 125 مليار برميل من النفط، و500 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وكذلك لم يكن ذلك المشروع هو المرة الأولى لمحاولة الحكومة الصينية في السيطرة على بحر الصين الجنوبي، ففي عام 2012 قامت الحكومة بإعادة تصميم جوازات السفر الصينية، لتشمل خريطة الصين مساحات إضافية من المنطقة المتنازع عليها. وبالتالي لن يقتصر المشروع على الاستخدامات المدنية والاقتصادية فقط، كما يقول الباحث في شؤون جنوب شرق آسيا بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية «شو لي بينغ» إن المشروع الصيني سيكون في الأساس للاستخدام المدني، لكننا لا نستطيع أن نستبعد تحمله بعض المهام العسكرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد