اتهمت الولايات المتحدة الاستخبارات الصينية، في السنوات القليلة الماضية، بمحاولة تجنيد جواسيس يعملون لصالح الصين على الأراضي الأمريكية، وبعد إلقاء القبض على بعض الطلاب الصينيين بتهمة التجسس في القضية المعروفة إعلاميًّا باسم «كي ويست»، بدأت السلطات الأمريكية باتهام الصين بتجنيد طلاب صينيين يدرسون في الجامعات الأمريكية.

قضية قاعدة كي ويست ليست القضية الأولى التي تتهم فيها الولايات المتحدة الحكومة الصينية بتجنيد الطلاب الصينيين والطلاب الأمريكان ذوي الأصول الصينية من أجل اختراق المجتمع الأمريكي، وتسريب أسرار سياسية وعسكرية تخص الشأن الأمريكي إلى الصين، وأيضًا هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تتبعها الصين – حسب رواية الولايات المتحدة – لكي تجند الجواسيس في أمريكا؛ بل رصدت العديد من التقارير والبلاغات أن هناك الكثير من المواطنين الأمريكان تلقوا عبر موقع التوظيف الشهير «لينكد إن» عروض توظيف جادة ولكنها مريبة في طبيعتها، من قبل وكلاء توظيف تابعين للحكومة الصينية بهدف تجنيدهم لصالح الصين. فطبقًا للرواية الأمريكية؛ كيف فعلت الصين كل ذلك؟

الطلاب الصينيون في الجامعات الأمريكية.. سلاح الاستخبارات الصينية

منذ يومين أكدت محكمة أمريكية حكمًا على ثلاثة طلاب صينيين بالسجن لمدة عام، وذلك بعد توجيهها لهم تهمة التجسس لصالح الحكومة الصينية. المتهم الأول هو «لياو ليويو»، وهو طالب زائر بجامعة واشنطن؛ وألقي القبض عليه يوم 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي في مدينة «كي ويست» في ولاية فلوريدا، وبالتحديد في القاعدة الجوية البحرية، وتسلل ليويو إلى القاعدة بطريقة غير معلومة إلى الآن، والتقط مجموعة من الصور والفيديوهات لمنشآت وأبراج اتصالات موجودة بالقاعدة.

وبعد إسبوع واحد فقط ألقت البحرية الأمريكية القبض على كلٍّ من «ياهو وانج» و«جيلون تشانج»، بالقرب من القاعدة الجوية البحرية نفسها في مدينة كي ويست الأمريكية؛ وكان الطالبان أيضًا يلتقطان صورًا لمجموعة من القطع البحرية الراسية على شاطئ القاعدة.

في فبراير (شباط) عام 2018م، استدعت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي «كريستوفر راي»  رئيس المباحث الفيدرالي (FBI) إلى جلسة استماع لكي تجري مناقشة قضية تجنيد الطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية لصالح الاستخبارات الصينية، وقال إن الصين تنتهج طرقًا غير تقليدية لنشر جواسيسها في الولايات المتحدة، ومؤخرًا أشارت التقارير إلى أن الصين تسعى لتجنيد عدد كبير من الطلاب والعلماء وأساتذة الجامعات من أصول صينية وأمريكية للعمل لصالح الاستخبارات الصينية.

ومن المعروف أن الطلاب الصينيين يشكلون النسبة الأكبر من الطلاب الأجانب في الجامعات الأمريكية؛ ففي الوقت الحالي يوجد أكثر من 350 ألف طالب صيني مسجل في جامعات الولايات المتحدة، وتقول تقارير المباحث الفيدرالية إن الصين تستغل حالة الانفتاح والاستقلال التي تطبقها الجامعات الأمريكية؛ لكي تخترق بجواسيسها السجل الأكاديمي، الذي له دور مهم دائمًا في السياسة الأمريكية.

«لينكد إن».. وسيلة الصين لتجنيد الجواسيس في أمريكا

في اليوم الأول من شهر يوليو (تموز) عام 2018م، كان «أنطونيو آدمز»، وهو ضابط سابق في الاستخبارات البحرية الأمريكية، يستقل سيارته برفقة مجموعة من الأصدقاء؛ حين وصلت له رسالة عبر تطبيق موقع «لينكد إن» من أحد عملاء التوظيف الصينيين، وكان مفادها: «ما رأيك أن تعمل معنا في الصين؟ سوف نمنحك ضعف الراتب الذي تتقاضاه حاليًا في البحرية الأمريكية»، وصرح آدمز لـ«ساسة بوست» بأن هذه ليست المرة الأولى الذي يستقبل فيها عرض توظيف في الصين، وأردف أنه كان يعمل في قسم الأمان الشبكي في وحدة الاستخبارات البحرية الأمريكية، وسبق له العمل في الفريق الاستشاري للأمان الشبكي الذي كان يعمل تحت إدارة مباشرة من الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما؛ وربما سيرته المهنية هي ما جعلت منه هدفًا للتجنيد من قبل الحكومة الصينية.

في يوليو الماضي بدأت محاكمة «جون وي يو»، وهو طالب سنغافوري يعد رسالة الدكتوراة في السياسة الدولية في واحدة من الجامعات الأمريكية، وتوجه المحكمة الأمريكية له عدة تهم؛ أبرزها التجسس لصالح الحكومة الصينية لإفشاء أسرار سياسية وعسكرية تضر بالأمن القومي الأمريكي، والتهمة الثانية هي الشروع في إنشاء شبكة من الجواسيس تعمل لصالح الحكومة الصينية في الولايات المتحدة.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور
«حرب الذهب» بين الصين وأمريكا.. طريق الصين نحو الخلاص من الدولار

اعترف وي يو في الجلسة الأولى من المحاكمة؛ بأن هيئة تواصلت معه، تعرف نفسها بأنها مؤسسة أبحاث سياسية صينية مهتمة بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية في قارتي آسيا وأمريكا الشمالية، وفي البداية طلبوا منه العمل في مجموعة أبحاث تخص الدور الصيني في آسيا، ثم تطورت الأمور وتغيرت شكل الأبحاث المطلوبة إلى موضوعات تخص العلاقات الأمريكية الصينية.

يقول وي يون إنه وقتها أدرك أنها ليست هيئة بحثية صينية، ولكن مجموعة من العملاء التابعين للاستخبارات الصينية، ولكن المثير في الأمر أنه لم يتوقف عن التعامل معهم لمدة خمس سنوات؛ حتى جاءت المهمة الأصعب التي أوقعته في يد السلطات الأمريكية؛ وهي تجنيد مواطنين أمريكيين لكي يصبحوا جواسيس لصالح الحكومة الصينية، وبالفعل حدد وي يون قائمة ضمت ثمانية أسماء من مواطنين أمريكيين أصحاب أصول صينية وآسيوية، سبق لبعضهم العمل في الجيش الأمريكي، وفي المؤسسات السياسية الأمريكية، وفي المجال السياسي الأكاديمي في جامعات الولايات المتحدة، وكان الهدف من تلك العملية هو زرع نواة لشبكة جواسيس يمكنها اختراق الكثير من مصادر المعلومات السرية التي قد تفيد الصين في النزاع مع الولايات المتحدة؛ ولكنها لم تنجح، ووقع جون وي يون في قبضة رجال الأمن.

جون وي يون عبر صفحته على الفيس بوك-مصدر الصورة BBC

قصة أخرى مثيرة للانتباه؛ ففي عام 2017م نجحت الاستخبارات العسكرية الصينية في التواصل عبر موقع «لينكد إن» مع ضابط استخبارات يعمل في وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) يدعى «كيفن مالوري»، ودُعي مالوري لزيارة الصين؛ واجتمع مالوري مع ضباط من الاستخبارات الصينية في مدينة شنجهاي الصينية، ولكي يثبت مالوري جديته في التعامل مع الصين؛ قدم لهم مجموعة من الوثائق السرية التي تخص تقارير استخباراتية أعدتها الوكالة، وحصل مالوري على مبلغ قيمته 25 ألف دولار أمريكي؛ مقدمًا للتعاون المستقبلي بينه وبين الاستخبارات الصينية؛ ولكن التعاون لم يدم طويلًا وألقي القبض على كيفن مالوري بعد عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشهور قليلة، وفي عام 2019م حكم عليه بالسجن لمدة 20 عامًا. 

المصادر

تحميل المزيد