لا تبدأ الحكاية في أروقة حكم الزهونجي الحمراء في بكين ولا في غرف الدو بلانالتو في برازيليا ولا في البيت الأبيض في جادة بنسلفانيا، الحكاية تبدأ في لندن عندما كشفت الغارديان وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA وبرنامجها شديد السرية للتجسس (PRISM) عن طريق تسريبهم بواسطة إدوارد سنودن تقني الـNSA والـCIA السابق وأحد أهم مطلوبي الولايات المتحدة حاليًا، كانت الوثائق التي سربت تكشف أن الولايات المتحدة تجسست على اتصالات وهواتف وحسابات إلكترونية لـ35 دولة من مواطنيها إلى أرفع مستوى فيها (الرئيس)، من ضمن الدول كانت البرازيل والتي تجسست وكالة الأمن القومي الأمريكية على ملايين البشر فيها وعلى رأسهم (ديلما روسيف) رئيسة البلاد، حينها كانت الصدمة شديدة في دوائر صناعة القرار البرازيلية، وألغت ديلما في السابع عشر من سبتمبر لعام 2013 زيارة رسمية للولايات المتحدة كان من المفترض أن تكون الأولى من نوعها بعد انقطاع لمدة ثمانية عشر عامًا (آخر زيارة رئاسية برازيلية لواشنطن كانت في 1995).

وفي غضب دبلوماسي عارم وقفت ديلما بعدها بأسبوع فقط – في الرابع والعشرين من سبتمبر- في افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة ملقية خطابًا شديد اللهجة أخبرت فيه الولايات المتحدة أن ما حدث هو امتهان للسيدة الوطنية، خرق للحريات وحقوق الإنسان، ومساسًا بمبادئ العلاقات بين الأمم الصديقة، ثم ردت على ادعاء الولايات المتحدة الزاعم بأنها كانت تحمي هذه الدول من الإرهاب قائلة (نعرف كيف نحمي أنفسنا جيدًا).

كان هذا يبدو وقتًا مناسبًا جدًّا للمشاكس رقم واحد للولايات المتحدة عالميًّا ليستغل فجوة العلاقات ويحاول أن يملأ بعضها، بالفعل بدأت الصين في زيادة معدلات التعامل الاقتصادي وتوطيد العلاقات الثنائية ومحاولة فتح مجال أكبر لشركاتها العملاقة لأخذ حصة ثانية وثالثة من السوق البرازيلي الضخم، وكل ذلك تم أغلبه في إطار دعائي لمجموعة البريكس التي تضم (روسيا & الهند & جنوب أفريقيا) بجانبهما، وليصل حجم التبادل التجاري لينافس نظيره الصيني الروسي، ولتصبح الصين المستثمر رقم 1 في البرازيل منتزعة المكانة المهمة من الولايات المتحدة.

لمحة تاريخية

نحن نتكلم هنا عن العلاقات الثنائية بين أكبر دولة نامية في نصف الكرة الشرقي وأكبر دولة نامية في نصف الكرة الغربي.
**سيلسو أموريم، وزير الخارجية البرازيلي الأسبق

بدأت العلاقات الرسمية بين البرازيل وجمهورية الصين الشعبية في عام 1974 بافتتاح سفارة للأولى في بكين وللثانية في برازيليا في نفس التوقيت تقريبًا، لتبدأ علاقة اقتصادية متينة في النشوء ثم الارتقاء والتصاعد المتتالي، لكنها ومع ذلك كانت علاقة محدودة أو بمعنى أدق طبيعية كأي دولتين بينهما مساحات مشتركة وفعالية إلى حد ما في المجال السياسي العالمي وإن كان الغلبة للصين هاهنا، مع بدايات العقد الأول من الألفية الحالية بدأت الأمور في التغير والانتقال لمساحات أكثر مرونة وثراء، ووصل التبادل التجاري في 2003 بينهما إلى سبعة مليارات دولار تقريبًا، وفي العام التالي مباشرة وقف الرئيس الصيني حينها (هو جينتاو) في خطاب تاريخي أمام الكونجرس البرازيلي محددًا أطر العلاقة في السنوات المقبلة في ثلاثة فروع رئيسية، أن تدعم الدولتان بعضهما البعض في المحافل الدولية، رابطة اقتصادية قوية، وتبادل ثقافي وثيق، وهو ما تم بالفعل فيما بعد على المستويات الثلاثة.

في خلال خمس سنوات من زيارة هو جينتاو وحتى عام 2009 قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين من السبعة مليارات إلى ستة وثلاثين مليارًا لتحتل الصين مكان الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأكبر لبرازيليا، كان اهتمام الصين منصبًا بشكل أساسي على المواد الأولية (الخام) وتوغلت في استيراد (النفط/ المعادن خاصة الحديد والنحاس/ المحاصيل الزراعية) من العملاق اللاتيني (وصل حجم الصادرات البرازيلية في 2009 إلى واحد وعشرين مليار دولار)، بينما كانت بكين تصدر سلعًا مصنعة إليه، لم يكن هذا التبادل متكافئًا وما زال وإن كانت نسبة التكافؤ ترتفع بالتدريج، ففي المجال الاقتصادي كلما زادت نسبة المواد الخام في صادرات الدولة كلما كان اقتصادها هشًّا وقطاعها الصناعي والتجاري ضعيفًا مما يجعلها عرضة للتأثر بأقل التقلبات الاقتصادية، والعكس، بتعبير ماوريشيو ميسكويتا الخبير الاقتصادي ببنك التنمية اللاتيني فإن العلاقة بين العملاقين الناميين علاقة (نعمة ونقمة).

في 2013، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى تسعين مليار دولار، قفزة عملاقة جعلت الصين والبرازيل أكبر شريكين بداخل مجموعة البريكس لتتعدى الأرقام حجم التبادل بين الصين وروسيا، البرازيل سارت بخطى واثقة أيضًا في نفس الطريق. في 2011، احتلت المرتبة السابعة في قائمة أكبر عشرة شركاء تجاريين للصين، في 2013، تراجعت للمرتبة التاسعة، ثم في العام الماضي تقدمت مرتبة واحدة لتصبح الشريك الثامن عالميًّا للجمهورية الشعبية الحمراء.

من السهل تحديد الفائزين في هذا التبادل التجاري من الشركات البرازيلية، شركة Vale للتعدين أصبحت من أكبر شركات المعادن على سطح الأرض، Petrobras إحدى عمالقة الطاقة العالميين استفادت كثيرًا من الاهتمام الصيني بالنفط البرازيلي وأيضًا من الاستثمارات الصينية المتواصلة والمهتمة بالتنقيب عن النفط قبالة السواحل البرازيلية، أما شركة Embraer العالمية لصناعة الطائرات فقد افتتحت أول مصنع لها خارج الحدود في الصين، فضلًا عن أن بكين أصبحت ثاني أكبر مشترٍ للطائرات البرازيلية بعد الولايات المتحدة.

الفناء الخلفي للبيت الأبيض

في السادس عشر من يوليو للعام الماضي وصل الرئيس الصيني (شي جين بينغ) إلى مدينة فورتاليزا البرازيلية لحضور قمة مجموعة البريكس السادسة التي عقدت هناك، بعدها بيوم توجه قادة المجموعة إلى برازيليا لحضور القمة الثنائية مع قادة اتحاد دول أمريكا اللاتينية (يوناسور)، كان الأمر مهمًا لأن البريكس بمفردها تولد ما يقارب ربع الإنتاج الاقتصادي العالمي، حينها تعهد شي بضخ استثمارات هائلة في بعض الدول اللاتينية الواعدة، وهو الأمر الذي كان بمثابة ناقوس إنذار لبدء مرحلة من مد الهيمنة الصينية في قارة تطلق عليها الولايات المتحدة (الفناء الخلفي لها).

يناير، مطلع هذا العام، وعدت بكين بعض دول أمريكا اللاتينية باستثمار مبلغ هائل يبلغ مائتين وخمسين مليار دولار لرفع مستوى بنية القارة الجنوبية التحتية، منذ أقل من أسبوعين وصل رئيس الوزراء الصيني (لي كه تشيانغ) إلى برازيليا لتوقيع اتفاقيات مع البرازيل كأول دولة تثبت فيها بكين جدية وعودها وتحركاتها لتقليص الوجود الأمريكي هناك، عندما وصل واجتمع برئيسة البلاد وقع معها خمس وثلاثين اتفاقية اقتصادية في إطار برنامج عمل شامل بين البلدين يمتد تنفيذه إلى عام 2021، برنامج بخمسين مليارًا من الدولارات كان بمثابة طوق إنقاذ مطلوب لبلد يعاني من سياسات التقشف كالعملاق اللاتيني.

أرادت بكين أن تكون اتفاقياتها شاملة لأغلب المجالات الاقتصادية البرازيلية الرئيسية، اتفاق لضخ استثمارات بقيمة سبعة مليارات دولار في عملاق النفط العالمي الحكومي (بتروبراس) الذي عانى مؤخرًا تحت وطأة فضيحة فساد ألمت بقدراته المالية، مما يعنيه هذا من تحكم صيني قادم بشكل لا يستهان به في الموارد النفطية البرازيلية، مصدر طاقة تحتاج الصين أن تؤمنه لها بجانب أفريقيا في إطار استهلاكها المتزايد وسطوة الولايات المتحدة على طاقة الشرق الأوسط، ثم احتوت (إمبراير) اللاعب العالمي الثالث في صناعة الطائرات ووقعت اتفاقية لشراء ستين طائرة سيتم تسليم اثنين وعشرين منها لشركة الخطوط الجوية الصينية الرئيسية (تيانجين) بقيمة تبلغ مليار ومائة مليون دولار، بعدها ستقوم الصين بفتح جزئي لأسواقها أمام اللحوم البرازيلية – بعد أن منعتها في وقت سابق لتحذيرات صحية- مما يعني تنشيط أكبر ثمانية شركات تصدير في البرازيل بحسب تصريح الرئاسة، كل ذلك تأمين جيد للتوغل الصيني في البرازيل، لكن الأهم ليس ما سبق.

بعد إطلاقها لمشروع القرن الآسيوي (طريق الحرير) كان واضحًا أن الصين تريد أن تنشئ بدائلًا لطرق التجارة العالمية أو تعيد رسمها بحسب ممتلكاتها هي على أقل تقدير، كانت أمريكا اللاتينية مرشحًا مثاليًا للخطوة التالية، لذلك، وبثلاثين مليار دولار من أصل خمسين سيتم إنشاء خط نقل عملاق لربط شرق القارة بغربها ومن ثم ربط القارة كلها بالصين عن طريق المحيط الهادي، مما يؤهل الصين فيما بعد لإقامة شبكة طرق عالمية جديدة بمفردها!

المشروع سيربط بين مرفأ سانتوس في جنوب شرق البرازيل وبين ميناء إيلو في بيرو أقصي الغرب، مسافة توازي ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر ستخترق غابات الأمازون أو سفوح جبال الإنديز عبر سكك حديدية ثم تصل إلى شواطئ المحيط الهادي ومن هناك يتم إنشاء ممر بحري جديد لوصل بيرو والقارة بالتبعية بالصين، مما سيقلل كلفة نقل المواد الأولية إليها من القارة، الصين مثلًا تستورد مئات الملايين من أطنان الحديد سنويًّا من هناك، سيكون هذا جيدًا بالنسبة لخفض التكلفة بالنسبة للمواد الخام وليس المعادن فقط.

تواجه واشنطن عدة أخطار لا يستهان بها قد تفضي لعملية تقليم ناجحة لمخالبها في القارة اللاتينية أو ربما طردها من هناك، الخطر الأول هو النفوذ الصيني الواضح تمامًا الآن، والثاني أن لقاءات زعيمي الصين وروسيا (تشي وبوتين على الترتيب) مع قادة اليوناسور بحضور ثلاثي بريكس الباقي شمل أيضًا قادة دول البحر الكاريبي، وهنا نعني على وجه المباشرة (راؤول كاسترو) والحضور الكوبي، بوتين الذي طرد من نادى النخبة العالمي الصناعي “مجموعة الثمانية الكبار (G8)” في مارس العام الماضي بسبب غزوه للقرم يبدو – تحت غطاء البريكس- في طريقه للالتفاف على محاولات العزل والتقزيم الأمريكية، لذلك لم يكن غريبًا أن تسارع الولايات المتحدة بعد تفكير لاتخاذ خطوة تاريخية في أواخر العام الماضي لتطبيع العلاقات مع كوبا وبدء رفع الحظر التدريجي عليها والمفروض منذ 1961، خطوة تاريخية أعلنها أوباما بنفسه مع تأكيده على أنه سيطالب الكونجرس بالتصويت لرفع الحظر ثم مقابلته لكاسترو بنفسه ومصافحته في مقابلة على هامش قمة الأمريكتين في بنما منذ أقل من شهرين!

الخطر الثالث الذى تواجهه الولايات المتحدة هو أن روسيا لن تهدأ وتشن حربًا مضادة بالفعل، فبيونس أيرس العاصمة الأرجنتينية تعاني من تجاهل الولايات المتحدة وفتورها نحوها مما يعنيه هذا بالتبعية من معاناة استثمارية واقتصادية، لذلك اتجهت الأرجنتين مباشرة لموسكو التي تلقفت الفرصة وبدأ عملاق الغاز الروسي (غاز بروم) محاولة عقد شراكة في حقول (فاكا موريتا) جنوب الأرجنتين إحدى أكبر حقول الغاز والصخر الزيتي في العالم.

بالتأكيد لا ترضى واشنطن عما يحدث، لكنها في النهاية لا توجه اهتمامًا كافيًا لحديقتها الخلفية مع تركز جل اهتمامها ومواردها حاليًا على الشرق الأوسط المشتعل تمامًا لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة، وربما تدفع الثمن فيما بعد إن استمرت في الصمت وترك الأمور بلا منافسة.

الحرب

هذا التقرير يقدم لك حتى الآن صورة وردية للتوغل الصيني الناعم في البرازيل ومن ورائها أمريكا اللاتينية، حسنًا، الأمور ليست كذلك تمامًا!

في الوقت الذى بدأت الأمور الدبلوماسية تعود لمسارها بين برازيليا وواشنطن بعد مقابلة أوباما للرئيسة ديلما وتلقيها دعوة مباشرة من جو بايدن نائب الرئيس لزيارة واشنطن وقبولها الدعوة، في هذا الوقت تلقى بكين واستثماراتها وتوغلها في الداخل البرازيلي معارضة لا يستهان بها من شركات خاصة وحتى وزارة الدفاع البرازيلية نفسها، مع تزايد نبرات التذمر والقلق من وزارات المالية وبنك التنمية الوطني والبنك البرازيلي المركزي، مثلًا فإن الاستثمارات الصينية الموجهة لشراء الأراضي البرازيلية وتنامي مساحات الأراضي المباعة لمستثمرين بكين يثير قلقًا دعا وزارة الدفاع ووزارة الزراعة ومكتب المدعي العام البرازيلي للضغط على الكونجرس لإقرار تشريع ملزم يقلص مساحات الأراضي المسموح ببيعها لغير البرازيليين، أيضًا فإن مركز صناعة الطائرات الذي شيدته إمبراير في الصين وتكلمنا عنه أعلاه أغلقته الصين بداعي أنها ستبدأ في دخول مجال صناعة الطائرات ومنافسة البرازيل في الأسواق العالمية، هذا أثار حفيظة الكثيرين بالداخل على الرغم من تعاقد بكين على شراء عدد كبير من طائرات إمبراير، فضلًا عن أن البرازيل تعاني من ضغط البضائع الصينية على مساحتها في أسواق أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وهذه الأسواق تستوعب الكم الأعظم من صادرات العملاق اللاتيني، مما يولد لوبيًا معارضًا للصين بداخل البرازيل يتزايد باستمرار ويؤكد أن الصين تتعامل مع الدولة كمورد للمواد الخام فقط وليس كشريك تجاري، أي كمزرعة ومنجم لبكين لا أكثر.

إن تزايدت قوة اللوبي الداخلي المواجه لبكين، وعادت واشنطن من مغامرات الشرق الأوسط واستفاق أضخم اقتصاد على وجه الأرض لأمريكا اللاتينية فإن الصين وبالتأكيد روسيا ستواجهان صعوبات جمة في سبيل تطور هيمنتهما الناشئة ببطء على مقادير القارة الجنوبية الغنية بالموارد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد