أعلن صندوق النقد الدولي يوم 30 نوفمبر الماضي أنه سيقوم بضم اليوان الصيني إلى سلة عملات الاحتياط التابعة للصندوق. فما معنى هذا الأمر وما دلالته؟

عملات الاحتياط

وعملة الاحتياط هي العملة التي يتم الاحتفاظ بكميات كبيرة منها من قبل الحكومات أو المؤسسات المالية كجزء من احتياطيها للنقد الأجنبي. ويتم استخدام عملات الاحتياط في المعاملات الدولية، وهي تعتبر بمثابة الملاذ الآمن للعملة الصعبة. ويمكن لمواطني الدولة التي تنتج إحدى عملات الاحتياط شراء الواردات والاستيراد والاقتراض عبر الحدود بكمية أكثر وبتكلفة أقل من مواطني دول العالم الآخر؛ وذلك لأنهم لا يحتاجون للقيام بعملية تغيير عملات.

في نهاية القرن العشرين، كان الدولار الأمريكي هو عملة الاحتياط الأبرز في العالم، ونتيجة لأن العديد من دول العالم قامت بتخزين الدولار الأمريكي كجزء من احتياطيها للنقد الأجنبي، فقد زادت حاجة الدول للحصول على الدولار الأمريكي، وهو ما سمح لحكومة الولايات المتحدة وللأمريكيين بالاقتراض بتكاليف أقل. هذا الأمر أعطى للولايات المتحدة ميزة إضافية تقدر قيمتها بـ100 مليار دولار كل عام.

وإذا كان المستوردون الأمريكيون يستفيدون كثيرًا من هذا الميزة، إلا أن المصدرين الأمريكيين تتم أذيتهم في حال زيادة قيمة الدولار، ومن الأفضل لهم أن تظل قيمة الدولار منخفضة نسبيًا. فعلى غير الشائع بين الناس، فليس زيادة قيمة عملة بلدك أمام العملات الأخرى شيئًا مفيدًا لاقتصاد بلادك دائمًا من جميع الأوجه، خصوصًا إذا ما كانت عملتك هي إحدى عملات الاحتياط.

الاحتياطيات

من هنا، فإذا أردت أن تحتفظ بمدخراتك، فإن النظام الاقتصادي العالمي حاليًا يقول لك إنه من الأفضل أن تحتفظ بهذه المدخرات في صورة واحدة من عملات الاحتياط. وحاليًا هناك الكثير من عملات الاحتياط التي ترتبط بالدول ذات الاقتصادات القوية في ذاتها.

البيانات الخاصة بالربع الثاني من عام 2015 تقول أن الدولار الأمريكي يتسيد عملات الاحتياط حول العالم بنسبة 63,8% من إجمالي الاحتياطات المرصودة بالبنوك والمؤسسات المركزية حول العالم. يليه اليورو الأوروبي بنسبة 20,5% من إجمالي احتياطات العالم. في المركز الثالث يحل الجنيه الإسترليني بنسبة 4,7% ثم الين الياباني بنسبة 3,8%، ثم كل من الدولار الأسترالي والدولار الكندي بنسبة 1,9%  لكل منهما، والنسب الباقية تتوزع على عملات أخرى.

اليوان الصيني

في يوم 30 نوفمبر الماضي، أصبح اليوان الصيني إحدى عملات الاحتياط العالمية بشكل رسمي، لكن القرار سيتم تنفيذه بدءًا من شهر أكتوبر 2016. اليوان سيمثل 10,92% من إجمالي عملات الاحتياط الخاصة بصندوق النقد الدولي، ليصبح اليوان بذلك خامس عملات الاحتياط المعتمدة من قبل صندوق النقد الدولي بعد الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني.

من أواخر العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، سعت جمهورية الصين الشعبية من أجل تدويل عملتها الرسمية “رينمينبي بالصينية أو اليوان كما يطلق عليه عالميًا”. الخطوة الأولى تمت عام 2004 عندما سمحت الصين للمقيمين في هونغ كونغ بشراء حتى 20 ألف يوان صيني في اليوم دون أن يكون هناك داعٍ من قبل المقيم للشراء.

تسارعت عملية تدويل اليوان عام 2009 عندما أقامت الصين سوق السندات ذات المبالغ الصغيرة، وقامت بتوسيع نطاق التجارة عبر الحدود لليوان، مما ساعد على توفير سيولة كبيرة لليوان في الخارج. في عام 2013 أصبح اليوان هو ثامن أكثر عملة تداولًا في العالم، وارتفع إلى المركز السابع بداية عام 2014، ليختتم نفس العام في المركز الخامس عالميًا.

في فبراير 2015 الماضي، أصبح اليوان هو العملة الثانية الأكثر استخدامًا في تمويل التجارة، ووصل إلى المركز التاسع في تداولات الفوركس.

فوائد صينية

دخول اليوان إلى سلة عملات الاحتياط يمثل حدثًا هامًا من أجل دخول الاقتصاد الصيني في النظام العالمي، طبقًا لما صرحت به رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد. والتي أضافت أن اليوان سيمثل بدءًا من شهر أكتوبر الماضي، جزءًا من “حقوق السحب الخاص”، وهي أحد الأصول التي تم إنشاؤها من قبل الصندوق، وتعمل كأنها عملة خاصة به. حقوق السحب الخاصة هذه يتم استخدامها في التعاملات المالية بين البنوك المركزية وصندوق النقد لتحديد مزيج العملات المناسب لكل دولة تحتاج قرضًا من الصندوق.

تمثل الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلف الولايات المتحدة الأمريكية، ونلاحظ أن آخر تغيير طرأ على سلة العملات الاحتياطية لصندوق النقد الدولي كان عام 2000 عندما حل اليورو محل كل من المارك الألماني والفرنك الفرنسي. هذا يعطي دلالة واضحة على مدى قوة الاقتصاد الصيني التي بدأت تفرض سطوتها على مستوى العالم اقتصاديًا.

أندرو ووكر، المراسل الاقتصادي لخدمات بي بي سي العالمية، أكد أن هذه الخطوة ترمز بوضوح إلى الصعود الكبير للاقتصاد الصيني من الفقر ليصبح أحد دعائم الاقتصاد العالمي. ووكر يرى أن قدرة اليوان الصيني على الدخول إلى نادي سلة عملات الاحتياط (المحدود جدًا) يعطي بيانًا كافيًا على أن الاقتصاد العالمي قد تغير. هذا القرار سيوصل رسالة واضحة بأن الصين أصبح لها دورٌ محوري في دفع أداء الاقتصاد العالمي حاليًا.

بالطبع فهناك العديد من الفوائد التي ستربحها الصين نتيجة لهذا الإجراء. فحالة الارتفاع التي عليها العملة الصينية ستؤدي إلى زيادة احتفاظ البنوك المركزية بهذه العملة، وهذا الأمر سيكون مفيدًا جدًا للشئون المالية للحكومة. فاحتكار البنك المركزي للعملة في الفترة الحالية بشكل غير مباشر عبر الاحتفاظ بكميات كبيرة منها سيعطي الحكومة مصدرَ دخلٍ إضافيًّا.

إدراج اليوان يعني أن البنوك المركزية يمكنها الحصول على بديل آخر للدولار واليورو، وبالنسبة لكثير من الاقتصادات الناشئة فلها علاقات جيدة مع الصين، وبالتالي فإن احتياطاتها ستعكس بوضوح مقدار هذه العلاقة القوية.

تاريخ عملات الاحتياط

عملات الاحتياط ليست ثابتة دائمًا، بل إنها تتغير على مر الزمن طبقًا للأوضاع الاقتصادية في العالم. أولى عملات الاحتياط كانت الدراخما اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، وتلاها كل من الدينار الروماني والسوليدوس البيزنطي، وخلال فترة العصور الوسطى كان الدينار الإسلامي هو عملة الاحتياط الرئيسية.

في عصر النهضة، تصدر الدوكاتو الخاص بالبندقية، وفي القرن السابع عشر كان الغيلدر الهولندي، حتى وصلنا إلى الجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي.

لاحظ مما سبق أن اختيار عملة الاحتياط لم يكن اختيارًا بمعنى الكلمة، لكن عملة الاحتياط كانت تفرض نفسها على العالم نتيجة قوة اقتصاد الدولة التابعة لها العملة، والأهم أيضًا هو مدى استقرار هذا الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، فإن صعود الغيلدر الهولندي كان نتيجة مباشرة للهيمنة غير المسبوقة من قبل شركة الهند الشرقية الهولندية على التجارة في العالم.

لكن ظهور المفهوم الحديث لعملة الاحتياط ظهر في منتصف القرن التاسع عشر، بعد نشأة البنوك المركزية ووزارات الخزانة الوطنية وفي ظل زيادة تكامل التجارة العالمية. في فترة الستينيات من القرن التاسع عشر، قامت غالبية الدول الصناعية في العالم باتباع العملة البريطانية. ففي تلك الفترة كان اقتصاد بريطانيا هو الاقتصاد الرائد عالميًا؛ كونها كانت المصدّر الأول للبضائع المصنعة والخدمات، وكان أكثر من 60% من فواتير التجارة العالمية يتم سدادها عبر الجنيه الإسترليني. أيضًا كانت البنوك البريطانية تتوسع خارج الحدود وكانت العاصمة لندن هي المركز العالمي لأسواق التأمين والسلع، كما كانت المصدر الرئيسي للاستثمار الأجنبي في جميع أنحاء العالم، وبالتالي أصبحت العملة البريطانية هي العملة الرسمية في المعاملات التجارية حول العالم.

خلال الحرب العالمية الأولى جرت محاولات لاستعادة معيار الذهب مرة أخرى بعد هيمنة الجنيه الإسترليني، وهو ما تم بالفعل عام 1925، ولتحذو دول العالم حذو بريطانيا. هذا الأمر أدى إلى استقرار نسبي في الأسواق تبعه انكماش اقتصادي. وفي أعقاب تأثير الكساد العظيم وبعض العوامل الأخرى، تراجعت التجارة العالمية وتراجع أيضًا معيار الذهب. هذا الأمر أجبر بريطانيا على إخراج الجنيه الإسترليني من معيار الذهب عام 1931 بعد خسائر فادحة، وليفقد الجنيه الإسترليني في منتصف الثلاثينيات سيطرته كعملة احتياط.

دخل العالم إلى الحرب العالمية الثانية، لتخرج 4 دول منتصرة، لكن دولتين منها كانت متضررة اقتصاديًا بشدة (فرنسا وبريطانيا) ودولة أخرى لجأت للنظام الشيوعي (الاتحاد السوفييتي)، لتتبقى الولايات المتحدة الأمريكية على قمة الاقتصاد العالمي في ذلك الوقت، وخصوصًا أن الحرب لم تصل إلا إلى مناطق في غاية المحدودية من الولايات المتحدة فلم تتأثر بنيتها التحتية على الإطلاق.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح النظام الاقتصادي العالمي يحكم من قبل اتفاقية دولية رسمية هي اتفاقية “بريتون وودز”. في ظل هذا النظام الجديد تم وضع الدولار الأمريكي عن عمد كمرساة للنظام، إذ قامت حكومة الولايات المتحدة بضمان البنوك المركزية الأخرى التي يمكن أن تبيع احتياطياتها بالدولار الأمريكي بسعر ثابت مقابل الدولار.

عرض التعليقات
تحميل المزيد