لعل واقعة ساحة «تيانانمن» تمثل فكرة موجزة عن سجل بكين التاريخي الخاص بالديمقراطية، حين واجه الجيش مظاهرات الطلاب الصينيين

يلقى النموذج الصيني في التنمية ترحيبًا واسعًا بدول العالم، ولا سيما لدى بلدان العالم النامي، إذ استطاعت تحقيق نهضة اقتصادية من بيئتها المحلية، ودون اضطرارها لاستيراد منظومة التنمية الغربية كما فعل بعض جيرانها في آسيا، بيد أن هذا الصعود الاقتصادي للصين يغطي وراءه جوانب مظلمة، من شأنها أن تجعلك تختار الصين آخرَ مكان يناسب العيش فيه.

الصين والديمقراطية

لعل واقعة ساحة «تيانانمن» تمثل فكرة موجزة عن سجل بكين التاريخي الخاص بالديمقراطية، حين واجه الجيش مظاهرات الطلاب الصينيين المنادين بالحرية والديمقراطية، بالمدرعات والأسلحة الثقيلة التي حصدت آلاف المتظاهرين.

تسمي الصين نفسها رسميًا «الجمهورية الشعبية الاشتراكية»، وتعتمد نظام الحزب الواحد، الممثل في الحزب الشيوعي الصيني، وينص دستور البلاد على أنه الجهة الوحيدة المخول لها حكم البلاد. ويتولى الحزب الشيوعي السلطة في الصين منذ سنة 1949، عندما تمكنت الميليشيات العسكرية الشيوعية من هزيمة الحكومة الصينية، إلى الآن.

من جانب آخر، لا تعرف الصين التعددية أو تداول السلطة، إذ يمنع قانون البلاد تأسيس الأحزاب، كما لا تشهد عمليات ديمقراطية كما هو متعارف عليها حديثًا، حيث يكتفي الشعب بانتخاب أعضاء الحزب الشيوعي محليًّا، ثم تفرز المجالس الإقليمية والجهوية «المنتخبة» للحزب القيادة المركزية.

وعلى الرغم من أن الصين حققت ريادة اقتصادية مهمة، إلا أنها لا تزال متخلفة على مستوى الحقوق السياسية، إذ تحتل في سلم مؤشر الديمقراطية لسنة 2015 الرتبة 106 عالميًا من أصل 113 بلدًا.

في السياق ذاته، تصنف منظمة فريدم هاوس، المعنية بأوضاع الديمقراطية في بلدان العالم؛ كلًّا من روسيا والصين ومصر، ضمن البلدان الاستبدادية الأسوأ عالميًّا.

وتحرص الصين على كتم أنفاس الأصوات المعارضة، ناهيك عن استمرارها في حجب الآراء المسيئة لنظام الحكم الواحد، وذلك عبر المراقبة الشديدة لصفحات الإعلام وشبكة الإنترنت، أما المظاهرات المطالبة بالديمقراطية والحرية فيجري إجهاضها منذ بدايتها.

وبالمقابل، تروج بكين النظام الديمقراطي بين مواطنيها باعتباره طريقًا للفوضى واللا استقرار، لتبرير حكمها الشمولي.

الصين وحقوق الإنسان

«لا تزال الصين دولة قمعية»، بهذه الجملة تفتتح منظمة حقوق الإنسان الدولية «هيومن رايتس ووتش» تقريرها الأخير حول الصين، معددة الانتهاكات الحقوقية التي سجلتها بكين.


تقول «هيومن رايتس ووتش» إن الصين «تعمل على نحو منهجي على منع قطاع عريض من حقوق الإنسان الأساسية؛ منها حرية التعبير، وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، والمُعتقد». ورصدت المنظمة الحقوقية قيام سلطات بكين باعتقال 280 محاميًا وناشطًا لدفاعهم عن حقوق الإنسان، واتُّهِمَ أغلبهم بالمُشاركة في «عصابة إجرامية كبيرة تقوم بزعزعة النظام العام على نحو خطير».

منظمة العفو الدولية هي الأخرى، تفرد تقريرًا خاصًا لوضع حقوق الإنسان بالصين لسنة 2015، تتهم فيه بكين بممارسة التعذيب في حق الناشطين. ووثقت المنظمة في هذا الصدد حالة محامٍ في بكين، يدعى تانغ جيتيان، تم اعتقاله رفقة ثلاثة زملاء آخرين له أثناء تحقيقه في مزاعم تعذيب في معتقل سري يعرف باسم «المعتقل الأسود»، في الشمال الشرقي للصين، إذ يقول جيتيان «جُرِّدت من ملابسي في كرسي حديدي، ثم صُفعت على وجهي ورُكِلت على رجلي وضُرِبت على رأسي ضربة قوية بزجاجة بلاستيكية مملوءة بالمياه، وما لبثت أن فقدت وعيي».

مقابل ذلك، تعتبر بكين قيم حقوق الإنسان تدخلًا أجنبيًا في السيادة الصينية، وتسعى للتضييق على المنظمات الحقوقية الدولية العاملة بالصين، كما أنها لا تبدي اهتمامًا بالإدانات الدولية التي تتلقاها إزاء سجلها الحقوقي المليء بالانتهاكات.

الصين وظواهر التخلف الاجتماعي

تضاعف الاقتصاد الصيني حوالي ثلاثين مرة مقارنة ببداية النهضة الاقتصادية الصينية في الثمانينيات، ما أدى إلى خلق أكبر طبقة متوسطة في العالم، لكن هذا النمو الاقتصادي السريع لم يمنع من استمرار ظواهر اجتماعية لا تتواجد إلا في العالم الثالث.

مع تضخم الاقتصاد الصيني، ازداد تفاوت الدخل بين المواطنين الصينيين، إذ تحتكر ثلث الثروة في يد %1 من المواطنين الصينيين، وذلك بسبب الفجوة الواسعة بين التنمية في الأرياف والمدن، ومن جهة أخرى بين مستوى التنمية في المناطق الداخلية والمناطق الساحلية. وتسعى الصين جاهدة لتقليص الهوة الشاسعة بين الدخول الفردية لدى مواطنيها.

وعلى الرغم من ارتفاع الدخل الفردي الصيني بشكل واضح، إلا أن الفقر لا يزال يضرب أطنابه بالبلاد، إذ هناك حوالي 82 مليون مواطن صيني مصنف تحت خط الفقر، يعيش بأقل من دولار واحد في اليوم، وإذا ما اعتمدنا المعايير الدولية لتعريف الفقر (1,25 دولار يوميًا) فإن هناك مائتي مليون فقير صيني، مع العلم أن العديد من المناطق الريفية في الصين لا تزال تعاني من ضعف البنية التحتية، وعدم توفر الماء الصالح للشرب والكهرباء.

بالإضافة إلى ذلك، تتفشى ظواهر العبودية المعاصرة بشكل واسع في الصين، بداية من الاتّجار في البشر، واستغلال النساء في الدعارة، مرورًا بالعمالة الجبرية والقوانين التعسفية، وطول ساعات العمل مع ضعف المرتب، وانتهاءً باستغلال القاصرين في العمل. وتسجل منظمة «وولك فري» في تقرير حديث لها 3,24 مليون مواطن صيني يرزحون تحت براثن العبودية المعاصرة.

هذا ويعرف المجتمع المدني الصيني ضعفًا في الفعالية السياسية والاجتماعية، كما تنتشر العديد من الظواهر الاجتماعية الحاطّة بكرامة الإنسان، والتمييز ضد النساء.

الصين والبيئة

تسبب النمو الاقتصادي للصين في تحسين الحياة الاقتصادية للبلاد، إلا أنه أدى إلى معدلات عالية في التلوث، وتشهد العاصمة بكين تكون الضباب بين الفينة والأخرى من شدة التلوث.

وتنخفض جودة الهواء في الصين بشكل حاد، حتى يعد ارتداء المواطنين الصينيين كمامات وأقنعة تصفية الهواء مشهدًا معتادًا.

في الإطار نفسه، تقدر دراسة أمريكية أن تلوث الهواء في الصين يتسبب في وفاة أكثر من 1,6 مليون، بمعدل 440، محذرة من أن التعرض للهواء الملوث في الصين من شأنه تقليل عمرك بعشرين دقيقة.

وتضطر السلطات الصينية إلى مجابهة هذا الخطر البيئي بإجراءات محدودة، مثل رش المواد الكيماوية، ووقف جزء من حركة السيارات ونشاط المصانع بالعاصمة، غير أن المشاريع الاقتصادية المدرة للربح تبقى لها الأولوية على البيئة، مما قاد في الأخير إلى تشكل مناطق غير قابلة للعيش البشري من شدة التلوث.

لماذا لا يمكن أن تكون الصين دولة رفاه؟

ليس من الغريب عدم تصنيف المنظمات الدولية الصين ضمن البلدان المتقدمة بالرغم من قوتها الاقتصادية الهائلة، إلا أنها تعاني من قصور حاد في جوانب أخرى، على مستوى الحياة السياسية والبيئية والثقافية.

Untitledيصنف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لسنة 2015 الصين في المرتبة التسعين، وهو تقرير يعتمد على مؤشرات الصحة والتعليم والدخل الفردي والمساواة أمام القانون، وتحتل الصين مراتب متأخرة في التقارير الدولية المتعلقة بمؤشرات التقدم الاجتماعي، والعيش والأمان.

في هذا السياق، يعلق الكاتب الأمريكي تايلر رويلانس: «إن من وصف الحكام المستبدين بالجرأة والحزم قد انتهى؛ فالقوى الاقتصادية والسياسية فضحت نقاط الضعف الكامنة لهذه الدول وقادتها»، مضيفًا بأن الدول الديمقراطية أثبتت قدرتها على التحمل والتكيف مع الأزمات العالمية، بما تمتلكه من وسائل إعلام حرة وآلية انتخابية جيدة والسماح بمعارضة سلمية وتغييرات منتظمة للحكومة.

ووفق محللين، تحاول الصين إثبات قدرتها على خلق ازدهار دون الاستعانة بما تسميه «المنظومة القيمية الغربية»، وبالفعل استطاعت خلق نموذج اقتصادي قوي وفريد من نوعه، حيث تمكنت من الاندماج في الأسواق الحرة دون تخليها عن أيديولوجيتها الشيوعية، إلا أن هذا التحرر الاقتصادي لم يصاحبه تقدم في الحقوق السياسية والاجتماعية وحرية التعبير، ما يؤدي في الأخير إلى اقتصاد أجوف، لا يقود إلى حياة الرفاه، التي يعد فيها الاهتمام بالإنسان الركيزة الأساسية لخلق بيئة مواتية للعيش الرغيد. 

عرض التعليقات
تحميل المزيد