حلت في شهر يونيو الماضي الذكرى الـ25 لاحتجاجات ميدان تيانمان وقمعها وما مثلته من نقطة تحول في تاريخ الصين.

ورغم أن الزعيم الصيني دينغ زيابونغ بدأ الانفتاح على العالم والإصلاح الاقتصادي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، إلا أن الحزب الشيوعي الصيني كان حذرا بشأن نوع ووتيرة التغيير في المجالين السياسي والاقتصادي. فقد حاول الحزب الموازنة بين المجالين.

ثم جاء العام 1989. حينها واجه الحزب أزمة حادة تهدد شرعيته. فقد اجتاح محتجون ميدان تيانمان فيما اعتبر تحديا لحكم الحزب. وقد خلص قادة الحزب إلى أنه ما لم يكن هناك استقرار سياسي، فلن تتمكن الصين من تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.

في عام 1989، قرر قادة الحزب استخدام كل المصادر المتاحة للحفاظ على مجتمع مستقر وتطبيق إصلاحات اقتصادية صارمة في ذات الوقت. وخلال السنوات التالية، تبنوا سريعا رأسمالية السوق والتجارة الحرة والعولمة، وفتحت أسواق الأسهم في شنغهاي وشنزن، واتبع الحزب “اقتصاد السوق الاشتراكية”. ولكن في ذات الوقت، لم يحدث أي تقدم على مستوى الديمقراطية، فحرية التعبير أقل بكثير الآن عما كانت عليه قبل 25 عاما.

هكذا كان الاختيار الصيني عام 1989، الجمع بين القمع السياسي واقتصاد السوق وتبني العولمة.

فهل مثلت حكاية الصين خلال الـ25 عاما المنقضية قصة نجاح؟

المعجزة الاقتصادية التي تلت عام 1989

أعظم خطة للقضاء على الفقر في تاريخ البشرية

في عام 1989، حلت الصين في المرتبة التاسعة عالميا على مستوى الناتج المحلي الإجمالي. وبعد 25 عاما، يحل الاقتصاد الصيني في المرتبة الثانية عالميا.

ترجمة المخطط البياني الأول

الولايات المتحدة، الصين – اليابان – ألمانيا – فرنسا – المملكة المتحدة – روسيا

نهاية المخطط البياني

بلغ معدل نمو الاقتصاد الصيني حوالي 10% سنويا خلال العقدين الماضيين مما ضاعف حجم الاقتصاد الصيني 24 مرة منذ عام 1989.

إلا أن ثمة لغطا حول صحة البيانات الاقتصادية التي تصدرها الحكومة بسبب القمع السياسي الذي يفرض الحفاظ على معدل نمو اقتصادي مرتفع، ولكن بصرف النظر عن ذلك، فلا جدال بأن الاقتصاد الصيني نما بصورة استثنائية منذ عام 1989.

ما قد يثير الدهشة أكثر هو معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة لإجمالي تكوين رأس المال والذي يقف الآن عند حاجز 6000 دولار، في حين أنه كان يبلغ 300 دولار فقط عام 1989. وقد تفوق هذا النمو الهائل على كل الدول الأخرى. إلا أنه ومع ذلك، فإن البنك الدولي يصنفها ضمن “الدول ذات الدخل الأعلى من المتوسط”.

ترجمة المخطط البياني الثاني

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة لإجمالي تكوين رأس المال

تتبع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة لإجمالي تكوين رأس المال لعدد من الدول بين عامي 1989 و2012. كل البيانات بالدولار الأمريكي

الصين – مصر – الهند – كينيا

نهاية ترجمة المخطط البياني الثاني

وقد أدى هذا النمو الاقتصادي الهائل إلى طفرة غير عادية في معايير المعيشة لكثير جدا من الصينيين. فقد انخفضت نسبة الصينيين الذين يعيشون على أقل من دولارين يوميا من 85% إلى 27%. كما انخفض مؤشر الفقر المدقع – الخاص بمن يعيشون على أقل من دولار وربع يوميا – من 60% إلى 12% (تقول بعض عمليات الاستقصاء أنه انخفض إلى 7%). وقد اعتبر ذلك أعظم خطة للقضاء على الفقر في تاريخ البشرية.

ترجمة المخطط البياني الثالث

معدلات الفقر في الصين

رسم بياني يوضح النسبة المئوية للصينيين الذين يعيشون على أقل من دولارين يوميا ومن يعيشون على أقل من دولار وربع يوميا

أقل من دولارين يوميا – أقل من دولار وربع يوميا

نهاية ترجمة المخطط البياني الثالث

وبالمثل، يزداد حجم الطبقة المتوسطة في الصين بسرعة كبيرة. توضح إحدى الأمثلة ازدياد عدد مالكي السيارات في الصين. فخلال السنوات العشرة الماضية زاد عدد السيارات المباعة من 250000 إلى واحد ونصف مليون سيارة شهريا بما يوازي ستة أضعاف. وفي عام 2013، اشترى الصينيون 20 مليون سيارة بما يوازي 400 ضعف ما اشتروه عام 1990.

لم ينفق الصينيون أموالهم على البضائع الاستهلاكية فقط، بل سعوا للارتقاء بثقافة العائلة باستثمار فرص لم تكن متاحة من قبل، فقاموا بإرسال طلابهم إلى الجامعات الأمريكية. تظهر الأرقام أن أعداد الصينيين الدارسين في الولايات المتحدة ارتفع بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ففي 2013، مثل الطلاب الصينيون نسبة الثلث من إجمالي نسبة الطلاب الأجانب الدارسين في أمريكا.

ترجمة المخطط البياني الرابع

أعداد الطلاب الأجانب في الولايات المتحدة

نظرة على أعداد الطلاب الأجانب في الولايات المتحدة من أكبر أربع دول ترسل طلابها للخارج

الصين – الهند – كوريا الجنوبية – المملكة العربية السعودية

نهاية المخطط البياني الرابع

على رأس هرم الثروة، ازداد عدد الصينين اللذين يمتلكون أكثر من مليون دولار في صورة أصول سائلة بنسبة 60%

ترجمة المخطط البياني الخامس

عدد الأثرياء في الصين

نهاية المخطط البياني الخامس

التنمية الاقتصادية في مواجهة التكاليف

إن الطفرة الاقتصادية الهائلة لم تحدث دون ثمن باهظ. فأحيانا ما كانت تتحمل البيئة ثمنا مدمرا نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة، فمعدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون تزداد باضطراد ولا تظهر أي إشارة على انحسارها.

ترجمة المخطط البياني السادس

انبعاثات ثاني أكسيد الكربون

نسبة انبعاث ثاني أكسيد الكربون لأربعة دول مقاسا بالكيلو طن

الصين – الولايات المتحدة – الاتحاد الأوروبي – الهند – روسيا

نهاية ترجمة المخطط البياني السادس

إن نمو النشاط الاقتصادي – بما في ذلك ازدياد معدل شراء السيارات الجديدة – يفسر جانبا من أسباب زيادة التلوث، إلا أن طبيعة المادة المستخدمة لإنتاج الطاقة تتحمل جزءً من المشكلة أيضا. تعتبر الصين أكبر بلد مستهلك للفحم في العالم، كما أنه يجري افتتاح محطات جديدة للطاقة كل عام.

ترجمة المخطط البياني السابع

استهلاك الفحم: الصين في مواجهة سائر بلدان العالم

استهلاك الصين من الفحم مقارنة باستهلاك بقية دول العالم مجتمعة، كل الوحدات مقاسة بملايين الأطنان.

سائر دول العالم – الصين

نهاية ترجمة المخطط البياني السابع

إن الآثار البيئية الناتجة عن النمو الاقتصادي الصيني لا تقتصر على النطاق العالمي – مثل التغير المناخي – فالصينيون يعانون بشكل مباشر من إزالة الغابات والتصحر وتلوث الهواء.

اتساع نطاق انعدام العدالة في الصين

لقد أثر اختيار عام 1989 على المجتمع الصيني. فقد أدى التخلص من طبق الأرز وتفكك شبكة الأمان الاجتماعي إلى فجوة هائلة بين الأغنياء والفقراء.

في الرسم البياني التالي، قمنا برسم معامل جيني (من المقاييس الهامة والأكثر شيوعا في قياس عدالة توزيع الدخل) لجميع الدول وقمنا بترتيبها من الأكثر عدالة إلى الأقل عدالة. ثم أضفنا معامل جيني الخاص بالصين للسنوات الـ25 الماضية. وكما يظهر فإن عدم عدالة توزيع الدخل في الصين يزيد بنسبة 63% عن الدول الأخرى التي أحصاها البنك الدولي.

ترجمة الرسم البياني الثامن

قياس عدم العدالة في توزيع الدخل: معامل جيني

يقيس معامل جيني متوسط اختلاف دخل الأفراد في بلد ما. ويتراوح المعامل بين صفر (حيث يتساوى دخل جميع الأفراد) وواحد (حيث يجتمع الدخل بأكمله عند شخص واحد فقط). وقد أوضحناها هنا على مقياس من 0-100.

نهاية ترجمة الرسم البياني الثامن

فهم الاختيار الصيني لعام 1989

كيف كان الوضع الصيني منذ حادثة تيانمان؟

إن وجهة النظر الصينية هي أن الاستقرار جلب الازدهار. يقول كثيرون أن الحزب ارتكب كثيرا من الأخطاء، ولكن لو حدث تغير سياسي، ستفقد الصين الاستقرار وستدخل في أزمة كبرى على الفور. فالديمقراطية تعني عدم الاستقرار السياسي، بما يعيق التنمية الاقتصادية.

وأخذا في الاعتبار زيادة مستوى الثروة والقوة في الصين، والانخفاض الهائل في مستوى البطالة، يبدو من الصعب جدا وصف الاختيار الصيني لعام 1989 بالفاشل. إلا أنه ونظرا لمشكلة تزاوج القمع السياسي واقتصاد السوق العالمي، فبنفس المنطق لا يمكن لأحد القول بأن اختيار عام 1989 أنتج نجاحا لا نظير له.

إن صعود الصين هو أحد أكبر التحديات أمام النظام العالمي اليوم، وهذا سيثير استفسارات عن السلام والأمن والتنمية والازدهار في القرن الحادي والعشرين. والإجابة على تلك الاستفسارات يعتمد على الفهم الكامل لاختيار عام 1989 وتأثيره على الصين وعلى العالم.

وعليه وبلا شك سيبقى الجدل حول الصين قائما.



عرض التعليقات
تحميل المزيد