ربما تقرأ كثيرًا أخبارًا حول دول تقرر بنوكها المركزية رفع أو خفض الاحتياطي الإلزامي أو القانوني للبنوك، لكن قد لا تستوعب أسباب أو معنى هذا الإجراء المتكرر، وقد يبدو لك الأمر أنه إجراء مصرفي فقط، وليس له علاقة بالاقتصاد الكلي، لكن الأمر ليس كذلك؛ إذ إن هذا الإجراء يعد أحد أبرز أدوات السياسة النقدية التي تستخدمها الدول لأهداف اقتصادية كثيرة، وهو ما سنحاول توضيحه خلال هذا التقرير، وبالحديث بشكل خاص عن الصين كونها آخر وأكثر الدول التي لجأت إلى هذا الإجراء مع بداية 2019، وخلال 2018.

ما هو الاحتياطي الإلزامي للبنوك؟

تحدد البنوك المركزية نسبة محددة، على البنوك العاملة في الدولة أن تودعها لدى المركزي دون الحصول على عائد – فائدة – مقابل هذه الأموال، وهذه النسبة تكون على إجمالي الودائع الموجودة في كل بنك سواء كانت الودائع بالعملات المحلية أو العملات الأجنبية، والمشهور هو أن البنك يفرض هذه النسبة باعتباره إجراء احترازي، لحماية أصحاب الودائع من إفلاس قد يحدث لهذه البنوك في المستقبل.

من مصر إلى الجزائر.. لماذا يظن العرب أن كل مشاكل الاقتصاد تحل بالسياسة النقدية؟

لكن هذه ليست الوظيفة الوحيدة للاحتياطي الإلزامي، فهو أحد أدوات السياسة النقدية التي تحتل الصدارة في هيكل السياسات الاقتصادية، وتستخدمه السلطات النقدية متمثلة في البنك المركزي من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فمن خلاله يمكن للبنك المركزي التحكم في الاقتصاد وكمية النقد – السيولة – في الأسواق عن طريق زيادة النسبة الاحتياطي الإلزامي أو خفضها.

متى يتم خفض أو زيادة الاحتياطي الإلزامي؟

تلجأ البنوك لتحريك نسبة الاحتياطي الإلزامي بالزيادة أو الخفض للسيطرة على كمية النقود المتداولة، ففي حال كانت نسبة النقود في السوق كبيرة وتسعى الدولة لخفضها، يتدخل البنك المركزي لزيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي بهدف زيادة قيمة العملة وحل المشاكل الاقتصادية في الأسواق بسبب زيادة السيولة، فيؤدي هذا الإجراء إلى تقليل كمية النقد في البنوك، ويتراجع الاقتراض، فتكون النتيجة هي انخفاض كمية النقد في الأسواق.

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر في حال كان الاقتصاد يعاني من نقص السيولة أي انخفاض في كمية النقود في السوق تتجه الدولة من خلال البنك المركزي لخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، وهذا الإجراء يؤدي إلى زيادة كمية النقد في البنوك، وهو ما يمكنها من توفير كمية أكبر من القروض للأفراد، وبالتالي تزيد كمية النقود في الأسواق.

تحفيز الاقتصاد وترويض التضخم.. أهم استخدامات الاحتياطي الإلزامي

تحفيز الاقتصاد وزيادة معدلات النمو هو هدف كل الدول تقريبًا، وكما ذكرنًا فنسبة الاحتياطي الإلزامي مرتبطة بشكل مباشر بكمية النقود في الدولة، وزيادة النقود تعني مزيد من الحركة في الاقتصاد لذلك كثيرًا ما يكون هدف تحريك الاحتياطي الإلزامي هو تحسين معدلات النمو.

بينما على الجانب الآخر تستخدم الدول الاحتياطي الإلزامي للتأثير على معدلات التضخم خاصة، فزيادة كمية النقود تنعش الطلب؛ وكلما زادت السيولة ارتفع الطلب على شراء السلع ومن ثم ارتفعت معدلات التضخم والعكس، وهو ما يعني أن الدول التي تستهدف نسب محددة من التضخم تلجأ إلى هذه السياسة كذلك، سواء في حالة الانكماش أو الانتعاش القوي.

 

هل خفض الاحتياطي الإلزامي هو  الحل المناسب للصين؟

بالحديث عن الصين نجد أن البلاد باتت تقريبًا أكثر دول العالم استخدامًا لهذه السياسة فقد لجأت إلى خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي خلال 2018 نحو أربع مرات على مدار العام، ومع بداية 2019 جاء تخفيضين جديدين؛ إذ قرر بنك الشعب الصيني – البنك المركزي – خفض حجم الاحتياطي النقدي الإلزامي للبنوك اعتبارًا من 15 يناير (كانون الثاني) الجاري بمقدار 0.5 نقطة مئوية ثم خفضه بمقدار 0.5 نقطة مئوية أخرى اعتبارًا من 25 من نفس الشهر.

Embed from Getty Images

«المركزي الصيني» قال: إن هذه الخطوة ستضخ 800 مليار يوان (116 مليار دولار) في الاقتصاد الصيني، أو كما ذكرنًا فإن هذا الأمر يعني زيادة السيولة التي يمكن للبنوك إقراضها للشركات وهو ما يمكن أن يحسن معدل نمو ثاني أكبر اقتصاد في العالم، على حسب ما تأمل البلاد، لكن هل هذا الإجراء يعتبر حلًا لأزمة تباطؤ النمو في الصين حاليًا؟

في الواقع تعيش الصين وضع ربما ليست معتادة عليه خلال العقود الثلاثة الماضية؛ إذ إن التنين الصيني الذي كان يسجل معدلات نمو قياسية خلال آخر عقدين بات يواجه تراجعًا حادًّا في النمو، إذ قال «البنك الدولي» في تقرير حديث إن من المرجح تباطؤ النمو الاقتصادي للصين إلى 6.2% في 2019 من 6.5% متوقعة للعام الحالي، وهو الأضعف في 28 عامًا، وذلك في ظل مواجهة العوامل المعاكسة المتصلة بالتجارة، ومواصلة جهود الحد من المخاطر المالية في الوقت نفسه.

في الوقت ذاته قد تباطأ النمو الصيني بالفعل إلى 6.5% في الربع الثالث من العام الماضي، وهي أضعف وتيرة منذ الأزمة المالية العالمية 2008، وفي أكتوبر الماضي خفض «صندوق النقد الدولي» توقّعاته للنمو الاقتصادي الصيني في 2019 إلى 6.2 من 6.4%، كل هذه الأمور جعلت الصين تزيد من الخفض في نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، لكن هذا الإجراء يبدو أنه غير مجدٍ في الحالة الصينية.

كيف يمكن أن يضع خفض الاحتياطي الإلزامي الصين في مأزق؟

بحسب هانا أندرسون، محللة أسواق المال لدى «جيه بي مورجان أسست مانجمنت»، فإن خطوات الصين لتحفيز اقتصادها ليست كافية لمساعدتها على مواجهة المخاطر التي تواجهها، موضحة أن تحركات البنك المركزي حتى الآن لا تضيف الكثير من السيولة في السوق الصيني؛ فكمية الأموال المتاحة للإنفاق والاستثمار لن تحقق التحفيز المطلوب لثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكن السؤال الآن: هل يمكن أن يكون هذا الإجراء مضرًا بالاقتصاد الصيني؟

Embed from Getty Images

خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي تعني أن مزيدًا من الأموال متاحة للاقتراض، أي أن الشركات لديها فرص أكبر للاقتراض، لكن إن كانت الشركات تعاني من نسبة ديون كبيرة فكيف سيكون الوضع؟ تتعالى التحذيرات منذ أشهر من تزايد حجم ديون الشركات الصينية؛ إذ يعتبر خبراء اقتصاديون أن ارتفاع حجم ديون هذه الشركات أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد الصيني والعالمي، وبالتالي فمزيد من الخفض في نسبة الاحتياطي الإلزامي يعني بالتالي مزيدًا من المخاطر.

الأرقام لا تكذب عادةً.. 2019 موعد الأزمة المالية الجديدة

يشار إلى أنه خلال آخر 10 أعوام نمت نسبة الديون الصينية من 171% مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي وقتها إلى قرابة 300% عام 2018؛ إذ تستحوذ ديون الشركات غير المالية على نصيب الأسد من هذه الديون، وكثيرًا ما يحذّر المتخصّصون من هذه الآثار السلبية التي من المتوقع أن تتسبب في أزمة طاحنة.

هل لجأت دول عربية لهذا الإجراء؟

لجأت عدة دول بالطبع لخفض وزيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي، أبرزها مصر، وقطر، والإمارات، والمغرب، والجزائر، وغيرها من الدول التي استخدمت هذه السياسة، ولكن على فترات متباعدة، لكن في أغلب الدول العربية لا تظهر نتائج هذا الإجراء في وقت قصير؛ بسبب عدم تفاعل الجهاز المصرفي سريعًا مع الاقتصاد بشكل كامل؛ وذلك لأن نسب المتعاملين مع البنوك أقل كثيرًا من الصين والدول الأوروبية.

لكن ربما يكون آخر تحريك عربي ملحوظ للاحتياطي الإلزامي قد ظهرت نتائجه بشكل واضح؛ ففي مصر قرر البنك المركزي رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي على البنوك من ‏10‏ إلى ‏14%‏، وذلك في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وكان الهدف من القرار السيطرة على نسب التضخم التي كانت فوق مستوى 30% في ذلك الوقت، لكن مع مرور أكثر من عام يبدو أن القرار ساهم في خفض معدلات التضخم حاليًا؛ إذ إن معدل التضخم الأساسي بات أقل من 10% بنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2018.

عمومًا السياسة النقدية لا تناسب دائمًا كل الدول أو كل الأوقات، ففي بعض الحالات تكون مثل هذه الإجراءات مفيدة وأحيانًا تكون مضرة، لكن في النهاية صاحب القرار في هذا الأمر يكون البنك المركزي فهو يمثل السلطات النقدية في الدولة.

 

المصادر

تحميل المزيد