لم تزل الدولة في الصين تعلب دورًا مركزيًا في إدارة الاقتصاد، رغم وجود قطاع خاص كبير (جزء كبير منه مملوك للدولة أيضًا)، كما أن للحكومة الكلمة الفصل في اتجاهات عمل القطاع الخاص ومفاصل الاقتصاد جميعها، ويتيح مثل هذا النموذج للدولة القيام بإجراءات جذرية، يصعب على الكثير من الدول اتخاذها، لإدارة اقتصادها، ولو على حساب معدلات النمو أو الربح والخسارة، لتحقيق أهداف بعيدة المدى يرى الحزب الشيوعي الحاكم أهمية قصوى فيها. 

ويعاني اقتصاد الصين اليوم من تباطؤ في النمو. بمعنى تحقيق معدلات نمو أقل من المتوقع، أو من الممكن تحقيقه، والدولة في الصين وإجراءاتها هي المتسبب الأساسي في هذا التباطؤ الاقتصادي بشكل قصدي. أو على الأقل تملك الدولة مفاتيح حل مشكلة التباطؤ، ولكنها تفضل عدم استخدامها، واستغلال الظرف الحالي لتنفيذ ما تخطط له من إصلاحات اقتصادية وإعادة هيكلة. 

إلا أن ما يحصل اليوم مع اقتصاد الصين يتعدى حدود البلاد، ويمثل أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فهو ثاني أضخم اقتصاد في العالم، والصين أحد أهم المساهمين في النمو الاقتصادي العالمي في العقد الماضي، ويعني التباطؤ في اقتصادها احتمال حدوث تباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي ككل، والإضرار بجهود التعافي من جائحة كورونا وآثارها الاقتصادية حول العالم، فما الذي يحصل اليوم في بكين؟ وما درجة أهميته للاقتصاد العالمي؟ 

إصلاح الاقتصاد ولو على حساب النمو

لا يعمل الرئيس الحالي تشي جين بينغ وفقًا للنموذج الحاكم للسياسات الاقتصادية المتبع في الصين بعد التجربة الماوية، والذي كان يعتمد على السوق والقطاع الخاص، حتى إن بعض المحللين يصف سياسات الرجل الأقوى في البلاد بأنها إعادة تشكيل لاقتصادها، وذهب آخرون إلى وصف سياسات تشي جين بينغ بأنها تراجع عن الإصلاحات الاقتصادية التي أدت إلى نجاح اقتصاد بكين في السابق. 

وتركز سياسات تشي جين بينغ على معالجة ما يراه اختلالات في مسار نمو وتنمية البلاد في العقود الماضية، سواء على الصعيد الاجتماعي، فيما يخص محاربة اللا مساواة في الدخل والثروة، ومعالجة الاختلالات التي حرمت بعض الفئات من الاستفادة من مسيرة التنمية، أو على الصعيد البيئي، مثل التوجه نحو مصادر طاقة أقل تلويثًا للبيئة، أو على الصعيد الاقتصادي، فيما يخص تقليل اعتماد الأنشطة الاقتصادية الداخلية على الدين، وبالأخص قطاع العقارات.

Embed from Getty Images

وقد أدت هذه السياسات إلى رفع معدل التباطؤ في الاقتصاد الصيني وانخفاض معدلات النمو الربع سنوية، وانخفاض توقعات النمو لعام 2021، وتستهدف هذه السياسات بالدرجة الأولى المطورين العقاريين الذين يعتمد عملهم على الديون، وقطاع الطاقة، وإنتاج الفحم، بالدرجة الثانية.

أولًا: أزمة عقارية عنوانها عملاق التطوير العقاري «إيفرجراند»

خلال الفترة الماضية تحدثت بعض التقارير الاقتصادية عن وقوع عملاق التطوير الاقتصادي «إيفرجراند Evergrande» في أزمة مالية، قد تعني إفلاس الشركة وعدم قدرتها على دفع مستحقاتها وديونها العالية، والتي وصلت إلى 300 مليار دولار، وهي بذلك صاحبة أضخم دين بين شركات التطوير العقاري حول العالم. 

ويعتمد عمل التطوير العقاري على تلبية الطلب على بناء المنازل، فقد يدفع الناس وديعة تمثل جزءًا من قيمة المنزل قبل تشييده، ليتولى المطور العقاري تغطية ما تبقى من التكاليف سواء عبر رصيده النقدي أو على التمويل الذي يمكن له الحصول عليه من البنوك لإتمام تشييد المنازل، ويوفر الدين في مثل هذه الحالة مصدرًا مثاليًا لتوفير تكاليف البناء، ويجري تسديد الدين وفائدته من مبيعات المنازل.

إلا أنّ الشركة وقعت في فخ الاستدانة غير المدروسة، والتوسع بشكل ضخم في أعمالها بالاعتماد على الدين، ومن ثم وقعت في أزمة عدم قدرتها على تسديد مستحقاتها للمُقرضين، ومن بينهم مزودو الشركة الذين ينتظرون تسديد أثمان المواد التي اشترتها منهم على أن تسددها لاحقًا، وحتى عمال الشركة الذين أقرضوا الشركة بناء على طلبها. 

وكان ارتفاع الطلب على العقارات لسنوات ساعد الشركة في تحمل عبء دينها الكبير، وكما هو متوقع فقد رفع هذا الارتفاع في الطلب أسعار العقارات كثيرًا؛ الأمر الذي استرعى انتباه الحكومة التي تدخلت أخيرًا لإبطاء وتيرة الطلب عبر فرض قيود على شراء المنازل، وتحذير الشركات الخاصة – ومنها «إيفرجراند» – من السقوط، وشددت الحكومة  على أنها جادة في معاقبة الشركات التي استدانت بشكل كثيف وغير مدروس في الماضي، سواء لتمويل نشاطاتها الأساسية، أو نشاطات استثمارية أخرى. 

وبعثت هذه الإجراءات إشارات قوية لسوق العقارات، مُخفّفة الطلب على المنازل، وقاطعة الطريق أمام شركة «إيفرجراند» لتوليد النقد الكافي لسداد تكاليف أنشطتها، وسداد ديونها، وكانت الدولة في السابق مستعدة للتدخل لمنع سقوط شركة بهذا الحجم والأهمية، أما الآن فيبدو أن الحكومة تترك الشركة لمصيرها؛ لتخفيف حدة النشاط المعتمد بكثافة على الدين، ولخفض أسعار المنازل، ولترويض الشركات العملاقة ووضع حدود لها. 

ثانيًا: تقليل إنتاج الفحم والتعافي من كورونا فجّرا أزمة الطاقة 

تعد الصين من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، ويغطي الفحم الحجري أغلب استهلاكها من الطاقة، إلا أنه وعلى المدى البعيد ترغب بكين بالتوقف عن استخدام الفحم بالمطلق، والتحول إلى بلد «محايد كربونيًا Carbon Neutral» ويتطلب ذلك إنهاء الاعتماد على الفحم الحجري، واستخدام مصادر متجددة من الطاقة بدلًا عنه. 

وأثرت هذه التوجهات بالفعل على إنتاج الفحم الحجري في البلاد، وبالفعل تسبب انخفاض الطلب أثناء جائحة كورونا في تقليل إنتاج الفحم كثيرًا، إلا أن ذلك كله تغيّر عندما بدأت بكين مسار التعافي من آثار الجائحة، إذ ارتفع الطلب المنزلي، وطلب المصانع على الفحم.

Embed from Getty Images

لذلك دفع ارتفاع الطلب على الفحم مقابل المعروض منه إلى ارتفاع أسعاره، فيما حاولت الحكومة الصينية اتخاذ إجراءات لرفع إنتاج الفحم ليكافئ احتياجات الطلب، بعد أن كانت تضغط في السابق لتخفيض الإنتاج، لكن حتى الآن لم تستطع السيطرة على الأزمة المرشحة إلى التفاقم مع قرب حلول الشتاء، الذي يعتبر موسم ذروة لاستهلاك الطاقة.

ويحدث كل ذلك في بلد يواجه مشكلة قديمة في موازنة العرض والطلب على الطاقة أصلًا، ومعتاد على حدوث انقطاعات كهربائية، إلا أن الانقطاعات التي شهدتها البلاد خلال العام الحالي كانت أكبر وأكثر ضررًا، ويعني ذلك إسهام أزمة الطاقة في إبطاء الاقتصاد أكثر، وتخفيض توقعات معدلات النمو الاقتصادي لعام 2021، فقد جرى تخفيض التوقعات لعام 2021 من 8.4 إلى 8.1%، عند بعض المحللين، وإلى 7.8 عند آخرين، وقد تنخفض التوقعات أكثر لاحقًا.

ما الذي يعنيه تباطؤ اقتصاد الصين للعالم؟

في حال تعثر «إيفرجراند» فعلًا عن دفع ديونها بالكامل، فإن ذلك لن يعني سقوط الشركة فقط، بل تتعلق المخاوف اليوم بأن تسبب أزمة الشركة أثرًا مُعدِيًا ينتقل إلى شركات أخرى في الداخل، ليصل التأثير إلى خارج حدود البلاد، وما حصل مؤخرًا هو أن الشركة فشلت بالفعل في تسديد دفعات فوائد مترتبة عليها لجهات تمويلية في الخارج، وبالتالي من المتوقع أن تنعكس الأزمة في الصين على الأسواق المالية العالمية. 

ولا يتوقف الأمر على الأثر المباشر لانهيار شركة صينية ضخمة على الأسواق المالية، فنظرًا لكون الصين ثاني أكبر اقتصادات العالم، وتمثل حوالي خُمس سكانه، فإن كل ذلك يعني أن تباطؤًا اقتصاديًا في الصين يعني الكثير للعالم، فكيف؟ 

Embed from Getty Images

قد لا يعني نمو دولة صغيرة في العالم شيئًا كبيرًا إلا لسكانها، أو لبعض جيرانها، بينما نمو دولة بضخامة الصين يعني أن أكثر من 1.4 مليار سيرفعون من استهلاكهم، سواء من المنتجات صينية، أو من المنتجات التي تُستورد من الخارج.

كما أن ارتباط اقتصادات العالم ببعضها وتداخلها الكبير، يعني أن نمو بلد بضخامة الصين هو محرك لعجلة الإنتاج في دول أخرى، وارتفاع أسهم الشركات في الداخل مؤثر في رفع أسهم شركات أخرى حول العالم، خصوصًا في الأسواق الناشئة، وتحسن في الوضع المالي للبلاد يعني أيضًا مساهمة أكبر في تحسّن الوضع المالي العالمي.

وفي الجهة المقابلة فإن تباطؤ الاقتصاد الصيني سيعني تباطؤًا في الاقتصاد العالمي، وخصوصًا لدى الدول التي لا تملك إمكانيات اقتصادية بحجم الصين، فنظرًا لتشابك الاقتصاد العالمي فإن الدول الأصغر ذات العلاقات الاقتصادية مع بكين تعتمد في نموها على نمو الاقتصاد الصيني، سواء عبر زيادة استهلاك الصين من صادراتها، أو لأن الصين تسهم في نمو عام في العالم يصل أثره لكل دولة في العالم لتحقيق معدلات نمو أكبر، لا سيما والعالم يشهد مرحلة التعافي من جائحة كورونا.

المصادر

تحميل المزيد