مطلع الأسبوع الماضي، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار استقدام 20 ألف عامل صيني للشروع في مشاريع أعمال البناء الجارية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمستوطنات المقامة عليها.

هذه ليست المرة الأولى التي تجلب فيها «إسرائيل» عمالًا صينيين، فمنذ سنوات عديدة تم استقدامهم بالتعاون مع شركات خاصة، دون إبرام معاهدات مثل بعض الدول، الأمر الذي ساهم في إنعاش الاقتصاد الداخلي الإسرائيلي.

توافد العمالة الأجنبية إلى إسرائيل

كان للفلسطينيين من مختلف المناطق المحتلة دور كبير في عمليات البناء والزراعة داخل المستوطنات الإسرائيلية، لكن في أعقاب فرض الإغلاق على المناطق في التسعينيات، والأعداد الكبيرة للقادمين الجدد من دول الاتحاد السوفيتي سابقًا، ازدادت أعمال البناء ونتج نقصٌ في الأيدي العاملة.

وبدأ كل من اتّحاد المقاولين والبنائين في إسرائيل وحركة المستوطنات الزراعية بممارسة ضغوطات مكثّفة على حكومات إسرائيل المتعاقبة للسماح بدخول العمالة الوافدة، وأيدي عاملة رخيصة، لاستبدال العمّال الفلسطينيين.

رغم أنَّ إسرائيل تتبنّى منذ عام 1996 موقفًا مبدئيًّا مفاده أنَّ هناك ضرورة لتقليص العمال الوافدين إلى إسرائيل، إلاّ أنه وحتى عام 2001، وفي أعقاب ضغوط مارسها كل من اتّحاد المقاولين وحركة المستوطنات الزراعية فقد ازداد عدد العمّال الوافدين الذين يمتلكون التصاريح ووصل إلى 44 ألف عامل وافد بحوزتهم التصاريح للعمل في فرع البناء تحديدًا.

وعلى الرغم من الخلاف ما بين وزارة العمل والرفاه ووزارة الأمن الداخلي في إسرائيل، حول عدد العمال الأجانب، الشرعيين وغير الشرعيين، يتفق الخبراء في الجانبين على أن ارتفاعًا كبيرًا بنسبة 40% حصل في عددهم خلال السنوات الخمس الأخيرة، بالتزامن مع انتفاضة الأقصى الثانية.

وأفادت حينها إحصاءات وزارة العمل بأن عدد العمال الأجانب وصل إلى 210 آلاف، في حين تقدر وزارة الأمن الداخلي والشرطة، عددهم بربع مليون عامل.

وكان عدد العمال الفلسطينيين الذين عملوا في إسرائيل ما قبل الانتفاضة، بلغ 120 ألفًا، معظمهم لا يعملون اليوم، ومنذ بدء غيابهم توقفت السلطات الإسرائيلية عن طرد عمال أجانب، بل منحت تصاريح عمل لعمال أجانب موجودين بشكل غير شرعي، لتسد النقص الذي تركه غياب الفلسطينيين.

ويأتي عمّال خدمة العجزة لإسرائيل من الفلبين، والهند، ونيبال، وسيريلانكا، وعمّال الزراعة من تايلاند، بينما عمّال البناء من الصين ومن تركيا.

تواجد العمال الصينيين في إسرائيل

لا يخفى على الحكومة الإسرائيلية اتباعها عدة سياسات لتشجيع العمالة الصينية خصوصًا، والأجنبية عمومًا الوافدة للعمل في إسرائيل، منها طرد العمالة الفلسطينية من أعمالهم ومحاربتهم في أرزاقهم، والاستعاضة عنهم بعمالة صينية رخيصة.

ورغم إصدار الحكومة سجلًا بـ 120 ألف تصريح عمل أجنبي عام 2009، إلا أن الصينيين قد حصلوا على نصيب الأسد من هذه التأشيرات، ما يفتح مجال التساؤلات واسعًا حول مغزى وجود مثل هذه العمالة الصينية بتلك الكثافة.

وتؤكد الحكومة الإسرائيلية أن ما لا يقل عن 250 ألف عامل أجنبي، نصفهم غير شرعيين، يعيشون في إسرائيل، منهم عمال بناء صينيون وآخرون فلبينيون يعملون في مجال الرعاية الصحية ومزارعون من تايلاند، بالإضافة إلى آسيويين آخرين وأفارقة وأوروبيين شرقيين يعملون كخدم وطهاة ومربيات.

وتدور منذ عدة سنوات اتصالات بين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والصين لتوقيع اتفاق لجلب العمالة من الصين إلى إسرائيل، وخاصة وأن جلب العمال يتم من قبل شركات خاصة، سواء في الجانب الصيني أو الإسرائيلي، ما أدى إلى تفاقم الجريمة وارتكاب الجنايات وسط العمالة الصينية.

ويتعين على العامل الصيني أن يعمل نحو عامين لمجرد تسديد المال الذي اقترضه لتحمل هذه الرسوم، لكن نظرًا لعدم معرفتهم بحقوقهم وعجزهم عن التحدث بالعبرية أو الإنجليزية، يقع كثير من هؤلاء العمال ضحايا حقل ألغام، ويعانون من ظروف المعيشة البائسة.

فضلًا عن الأجور المحتجزة عند رب العمل والإنهاء المبكر لتصاريح العمل الذي يجعلهم عرضة للترحيل قبل حصولهم على رسوم التوظيف التي دفعوها أو المال المدخر لهم، حتى أن السفارة الصينية في إسرائيل لا تبالي كثيرًا بالعمال، بل إنها تنحاز ضدهم ويحذرهم موظفوها بالسجن عند عودتهم للصين بسبب خرقهم للعقود وقانون العمل الصيني.

عدد عمال الصين في إسرائيل

تحرص الصين على زيادة عدد مواطنيها الذين يعملون في إسرائيل والبالغ عددهم ما يقرب من 20 ألف عامل، ويقومون بتحويل 330 مليون دولار سنويًّا إلى بلادهم، كما تنظر الأخيرة إلى الصين على أنها سوق استهلاك عالمي سرعان ما تتضاعف عائدات الاستثمار فيها.

وبالتالي، تعمل الشركات العسكرية الإسرائيلية سواء الخاصة أو الحكومية على زيادة حجم مبيعاتها إلى الصين، مع وجود ما يقارب من 130 إسرائيليًّا يعيشون في العاصمة بكين اعتبارًا من عام 2005.

لا عقود رسميةبين الصين وإسرائيل

تبقى الصين هي الدولة الوحيدة التي لم يتم التعاقد معها رسميًّا على جلب العمالة إلى إسرائيل رغم ما يتعرض له العمال الصينيون من معاملة واستغلال من قبل الشركات الخاصة، حيث كانت الأخيرة غير معنية بالتفاوض على ضوء الفساد الذي كان يسود حكومات الأقاليم في الصين.

ولكن وبعد أن شرعت الحكومة المركزية في الصين بمحاربة الفساد، بدأت الحكومة الصينية تبدي اهتمامًا في مسألة العمالة وطريقة تصديرها وما يشوب ذلك من مخالفات قانونية يتوجب التصدي لها.

حتى هذه اللحظة لم تصل المفاوضات إلى حد التوقيع على اتفاق نهائي بين الحكومتين، بيد أن السلطات الصينية فاجأت نظيرتها الإسرائيلية مؤخرًا وطالبتها بعدم تشغيل العمال الصينيين في ورش البناء في المستوطنات.

إلا أن السلطات الإسرائيلية تبدي حتى هذه اللحظة معارضتها لمثل هذا الشرط، وهو ما قد يحول دون توقيع الاتفاق لجلب عمال بناء صينيين إلى إسرائيل، خاصة مع مصادقة الحكومة قرار استقدام 20 ألف عامل الأسبوع الماضي.

تأثير العمالة الصينية الوافدة على الفلسطينيين

وفق تقديرات جهاز الإحصاء الفلسطيني الأخير فإن أكثر من ٢٠٠ فلسطيني يعملون في قطاع البناء داخل إسرائيل يساهمون بنحو ثلث مدخول الدولة من إيرادات قطاع العمالة.

وأفادت بيانات صادرة عن البنك المركزي الإسرائيلي مطلع الأسبوع الجاري أن استمرار استيراد العمال الأجانب يمس باقتصاد إسرائيل، واستيراد العمال الأجانب يضر الإسرائيليين أيضًا – ولا سيما العرب منهم، من العمل في البناء، والذي كان في الماضي هو العمل الأكثر إدرارًا للدخل بالنسبة لهؤلاء العمال.

وأظهر أن الاعتماد على العمال الأجانب يدهور إنتاجية العمل في فرع البناء الإسرائيلي، كونه أحد الفروع الأكثر تخلفًا من نوعه في العالم لأنه استعبد للعمل الأجنبي والرخيص بدلًا من استخدام التكنولوجيا والبناء المصنع.

حتى أن العديد من الصحف الإسرائيلية تناقش اليوم أبعاد العمالة الأجنبية، على اعتبار أنها تؤثر على العمالة العربية والإنتاجية في إسرائيل، خصوصًا وأن العمال المستوردين جزء كبير منهم يدخلون عن طريق الرشاوى وليس استنادًا إلى الكفاءة.

دوافع إسرائيل للعلاقة مع الصين

1- إدراك إسرائيل أن الصين واحدة من القوى الصاعدة في النظام الدولي؛ الأمر الذي يقتضي نسج علاقات مع هذه القوة وتطويرها لبناء علاقات وثيقة تجعل الصين أكثر اقترابًا من التوجهات الإسرائيلية، لا سيما في الأزمات.

وبالتالي، فإن الصين دولة نووية، وهي الأكبر في عدد السكان عالميًّا، ونموها الاقتصادي يشير إلى أنها ستكون حتى عام 2030 صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ناهيك عن أنها ذات مقعد دائم في مجلس الأمن بكل ما لهذه المعطيات من آثار سياسية لا يمكن إغفالها.

نتيجة لهذه المقومات في الصين، يرى المخططون الإسرائيليون ضرورة تعميق العلاقات معها، في كل المجالات بما فيها الثقافي أيضًا، فرغم أن عدد اليهود في الصين لا يتجاوز 1500 فرد، فقد تم إنشاء جمعية الصداقة الصينية-الإسرائيلية، وتم فتح أقسام لتدريس اللغة العبرية في جامعة بكين، إلى جانب فتح فروع لتدريس اللغة الصينية في الجامعات الإسرائيلية.

2- يشكِّل السوق الصيني أكبر سوق في العالم (1361 مليون نسمة)؛ مما يفتح المجال أمام رؤوس الأموال والاستثمارات والمنتجات الإسرائيلية.

3- الرغبة الإسرائيلية في حشد التأييد الصيني لمواجهة ما تسميه “الإرهاب الدولي”، ونظرًا لوجود مشكلات بين الحكومة الصينية وبين مسلمي الصين في مقاطعة سينكيانغ (تركستان الشرقية) في غرب الصين (عددهم حوالي 21 مليون).

 

 

المصادر

تحميل المزيد