حكم الحزب الشيوعي الصيني بلاده بقبضة حديدية على مدار عقود طويلة، إذ تُدرج قضايا الشأن العام في خانة أسرار الدولة. وتحظر السلطات الكلام عنها ومجرد الإشارة إليها، إلا بموافقة رسمية مُسبقة. والمخالف لهذه القواعد والقوانين ينتهي مصيره إلى الإعدام أو السجن والتأنيب في أفضل الحالات.

الكُل في الصين خاضع لرقابة صارمة؛ إذ تنتشر كاميرات المراقبة والجميع مُلزم باتباع التعليمات، وتمجيد نظام الحكم، أو التزام الصمت، حرصًا على السلامة. خيار التظاهر، أو الاحتجاج على قانون جرى تمريره، أو سياسة ما فشلت في  استيعاب حلول بعض القضايا، ضرب من الخيال، يعرض صاحبه للاختفاء وراء الشمس.

وسط هذه التشديدات، تبرز نماذج لأبطال في الظل خرقوا هذا الحظر وفضاء الخوف، ووقفوا أمام نظام حكم لا يستثني أحدًا من قبضته الحديدية، معلنيين آراءهم المناهضة لمنظومة الحكم، ومتمسكين بالحقيقة التي يخفيها النظام، بشجاعة نادرة ونبل استثنائي، وحرص على الصالح العام.

في التقرير التالي نستعرض سير بعض هؤلاء ممن وقفوا ضد النظام الصيني في قضايا وسياقات متباينة، بحثًا عن الحقيقة، وتمسكًا بمبادئهم، غير عابئين بمصائرهم.

أول من حذر من فيروس «كورونا».. سُجِن وحُظِر إعلان موته أو التعاطف معه!

طبيب العيون لي وين ليانج، (34 عامًا) الذي كان أول من حذَّر من انتشار فيروس كورونا، خلال عمله بمستشفي يوهان، إذ نصح زملاءه في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي بارتداء ألبسة واقية لتفادي العدوى.

فخلال أحد أيام عمل ليانج بمركز تفشي الفيروس في ديسمبر، اكتشف إصابة سبع حالات ظنها للوهلة الأولى مصابة بفيروس «سارس»، وبعث برسالة إلى زملائه العاملين في المجال الطبي محذرًا من فيروس كان يعتقد أنه «سارس».

كسر الطبيب الشاب بهذا التحذير القواعد الصارمة؛ وتحول في عيون السلطات إلى مروج أكاذيب وناشر شائعات تستهدف استقرار بلاده ونهضتها. وأرغمته السلطات المحلية على توقيع مذكرة حكومية أدانته بنشر معلومات كاذبة، وبتصرفات غير قانونية؛ ما أدى إلى احتجازه بمكتب الأمن العام، واعتقاله لاحقًا لبضعة أيام حتى نهاية ديسمبر الماضي.

فيديو يظهر آثار حالة طبيب العيون بعد إصابته بالكورونا

بعد التزامه بالتعليمات الصارمة بـ«التوقف عن نشر تعليقات كاذبة»، خضع ليانج للتحقيق في تهمة «بث شائعات»، التي تزامنت مع تحقق نبوءته بانتشار الفيروس بمدن صينية، واستنفار الجيش والحزب والمستشفيات. وارتفعت أعداد الوفيات اليومية، وانتقل الوباء خارج حدود البلاد، وأجلت دول كثيرة رعاياها، وناشدت مواطنيها عدم زيارة الصين، مع انتشار صور للمدن الصينية وهي فارغة من سكانها.

ولم يكن ليانج وحيدًا ضمن قائمة الأشخاص التي حققت معها الشرطة في هذه التهمة، فقد تواجد معه سبعة أشخاص آخرين  قالت الشرطة إنه يجري التحقيق معهم بسبب «نشر الشائعات».

فوت تنبيه الطبيب الشاب بخطر الفيروس أسبوعين كاملين على السلطات الصينية للحد من انتشاره؛ ووجد ليانغ نفسه يدفع الثمن بتأنيب وسجن واتهامات، وشاءت الصدفة أن يدفع حياتَه ثمنًا لإصابته ليتحول عند المواطنين العاديين إلى بطل. لكن حتى موته ظل «سرًا حربيًا» تحاول السلطات الصينية تأجيل نشره، بعدما طلبت من وسائل الإعلام الرسمية تغيير تقاريرها الأولى بأن الطبيب لا يزال يُعالج، حتى سنحت الفرصة للإعلان.

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
بالأرقام.. حصاد خسائر الصين الاقتصادية من فيروس كورونا

بعد موت الطبيب الشاب، لم تسمح السلطات لسكان المدن الصينية بإظهار مشاعر الحزن أو الغضب، بعدما مسحت كافة التعليقات الناقدة على موقع التواصل الاجتماعي المحلي «ويبو»، ووضعت قيودًا على كتابة كلمات بعينها.

امتد الحظر إلى عمدة يوهان الصينية، حين سُئل عن مشاعره فأجاب الرجل – الذي كان يبحث عن الأعذار – إنه يحتاج إلى تصريح للإفصاح عن المعلومات الهامة التي يحق لجميع الشعب الصيني الحصول عليها.

وبعد انتشار قصة الطبيب الشاب والفيروس داخل وخارج البلاد، وانكشاف عجز السلطات الصينية عن السيطرة على المرض حتى الآن، حاولت الأخيرة ترميم صورتها عبر إعلان هيئة مكافحة الفساد في الصين إنها ستفتح تحقيقًا في عدد من القضايا من بينها «قضية الطبيب وين ليانج»، فيما أقرت المحكمة العليا في الصين بأن «المبلغين» عن المرض عوملوا بطريقة غير لائقة. وأعلنت أيضًا إقالة اثنين من كبار مسؤولي الصحة بمقاطعة يوهان الصينية، ودفع تعويض مادي لأسرة الطبيب الشاب.

«تُحظر» كأنك لم تكن.. رجل الدبابة المجهول الذي اختفى إلى الأبد

في الخامس من يونيو (حزيران) كُل عام تستعيد ذاكرة النضال سيرة «رجل الدبابة» الصيني، ومشهد الشخص المجهول الذي وقف وحيدًا يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا داكنًا يمسك بكيسين في كل يد أمام دبابات جيش التحرير الصيني خلال أحداث تيانانمين  عام 1989، متمسكًا بالديمقراطية التي سُحق زملاؤه من أجلها في ميدان تيانانمين.

وبعد محاولة قائد الدبابة تفاديه بالميل يسارًا، تحرك الرجل المجهول ليظل منتصبًا أمامها، غير عابئ بالتحذيرات أو صافارت الإنذار، مدافعًا عن حلم الآلاف من زملائه الذين سقطوا قتلى برصاص رجال الأمن الصينين في بكين، قبل أن يتقدم تجاهه رجلان من  الأمن ويمسكا به، ليختفي عن الأنظار. ويظل الشخص الذي تحول لرمز عالمي للنضال مجهول الهوية، شاهد على شجاعته شارع السلام الأبدي الموازي لساحة تيانانمين، ودبابات الجيش الصيني.

مشهد صمود «رجل الدبابة» بساحة تيانانمين

كان الرجل ضمن مئات الآلاف الذين نزلوا للميادين الرئيسة طوال ستة أسابيع  للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية في مظاهرات سلمية، وصفت آنذاك بأنها الأكبر من نوعها ضد الحكم الشيوعي، منذ قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

وأمام صمود المحتجين وتمسكهم بمطالبهم أصدر جيش التحرير الصيني تعليماته بفتح النار عليهم، ودهسهم بالدبابات، ليتساقط المحتجون ويصل عدد القتلى في هذه الواقعة إلى 3 آلاف بحسب شهود صحافيين أجانب، بينما ذكرت السلطات الصينة أن الوفيات المحصورة  200 عامل أمني ومدنيين.

وقد حازت صور الرجل المجهد مجدًا كبيرًا باحتفاء العالم به أجمع، وأصبح أيقونة للنضال، بينما حظرتها الصين، وأحالت كُل ناشر أو مروج لها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مصير مشابه لرجل الدبابة الذي اختفي في قبضة الأمن، ولم يعرف أحد عنه شيئًا. كما حجبت كُل كلمات البحث المرتبطة بواقعة «مذبحة تيانانمين»، وفرضت قيودًا على الدخول لموقع «جوجل» حال رغبة أي شخص استقاء معلومات عن هذه الحادثة.

كحال قصص المناضلين أو المتمسكين برواية مخالفة لما تعتقده السلطات الصينية، فهي تظل ممنوعة من النشر، غير مسموح لها بالتداول، غير أن شخصًا واحدًا هو من نجح في نشر قصة رجل الدبابة المجهول، وهو المصور شارلي كول، بعدما أخفى مقطع الفيديو والصور في حمام تابع للفندق للحيلولة دون عثور قوات الأمن الصينية التي اقتحمت غرفته بحثًا عن أية مواد تصويرية للتظاهرات.

وظلت قصة هذا الرجل تطارد المسؤولين الرسميين في زياراتهم الخارجية أو مقابلاتهم مع الصحف الدولية متى ذهبوا. ومن بين هذه الملاحقات مقابلة تلفزيونية مع جيانج زيمين، الرجل الثاني في الصين، حين أخرجت له   الصحافية المشهورة في التلفزيون الأمريكي باربرا وولترز فجأة صورة «رجل الدبابة»، وباغتته بسؤال «ما الذي وقع لهذا الشاب؟» فحاول جيانج المراوغة مشيرًا إلى أن الدبابة لم تدهسه، ثم أكد أنه لا يعرف مصيره.

مقطع المقابلة التلفزيونية بين المسؤول الصيني والصحافية الأمريكية التي واجهته بصورة «رجل الدبابة»

وظلت صورة الرجل حاضرة دومًا في ميادين الاحتجاج بدول العالم كافة، تروي قصته كبطل مجهول، فيما أصبح محظورًا ومنسيًا داخل بلاده، حين ترد سيرته يتهامسون حوله، خشية أن تنتهي مصائر من يتحدث عنه بنهاية مشابهة للرجل الشجاع.

ليو شياوبو.. الأستاذ الجامعي حائز نوبل الذي سُجن ونُكِّل به ومات متمسكًا بمبادئه

هو المناضل الصيني ليو شياوبو، الذي بدأ مسيرته عبر لعب دور رئيس في الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في ميدان تيانانمين عام 1989. نجا شياوبو من مصير آلاف من زملائه الذين سقطوا برصاص أفراد الجيش الصيني، ودهسوا تحت الدبابات، وانتهى به الحال سجينًا في مركز تأديبي بين عامي 1996 و1999 بعد فصله من وظيفته أستاذًا جامعيًا يُدرس الأدب.

بعد الإفراج عنه ظل شياوبو متمسكًا بالمبادئ الداعي لها، مدافعًا عن حقوق زملائه القابعين في سجون النظام الشيوعي الصيني، ليتكرر حبسه في عام 2009 بتهمة «التحريض على تقويض سلطة الدولة» عقب مشاركته في كتابة وثيقة سميت «ميثاق 08» تزامنًا مع الذكرى الستين لإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المناضل الصيني الراحل ليو شياوبو

طالبت الوثيقة آنذاك بـ«دولة حرة وديمقراطية ودستورية» في الصين، وبمزيد من الحريات والإصلاحات الديمقراطية في البلاد، بما فيها إنهاء حكم الحزب الواحد.

صدر بحق شياوبو على إثر هذه القضية حكم بالسجن 11 سنة، ظل خلالها الأستاذ الجامعي قابعًا في زنزانته، التي تعرض خلالها للإصابة بأمراض متنوعة كان أشدها فتكًا بجسده سرطان الكبد، حتى أطلقت السلطات الصينية سراحه في عام 2017 بناء على عفو صحي.

كانت مسيرة شياوبو للنضال من داخل بلاده واستمراره في الدفاع عن القيم ما أدى لحبسه والابتعاد عن زوجته التي أحبها بعمق، دافعًا لاختياره من جانب لجنة نوبل النرويجية لمنحه جائزة نوبل للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) 2010 «لنضاله الطويل وغير العنيف من أجل حقوق الإنسان الأساسية في الصين»، وفقًا للجنة.

لم يستمر المناضل الصيني خارج زنزانته سوى شهور معدودة حتى توفي مريضًا عمر يناهز 61 عامًا في مستشفى بمدينة شينيانج في إقليم لياونينج، لتواصل السلطات الصينية التنكيل بزوجته، وتمنعها من السفر، وتضعها تحت المراقبة، وتحظر عليها الحديث.

في بيان الأمم المتحدة الذي نعت به المناضل الصيني قالت إن «حركة حقوق الإنسان في الصين وفي جميع أنحاء العالم فقدت بطلا ملتزما بالمبادئ، كرس حياته للدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيزها سلميا وبثبات، وسجن بسبب التزامه بمعتقداته».

ولخصت الهيئة الأممية مسيرة المناضل الصيني في مفردات وصفته بأنه «كان رمز الشجاعة المدنية والكرامة الإنسانية – والشاعر والمفكر الذي أراد، وسعى جاهدًا، من أجل مستقبل أفضل لبلده. الرجل الذي على الرغم من كل ما عاناه واصل تبني سياسة السلام. كان وسيظل مصدر إلهام، ومثالًا يحتذى به لجميع المدافعين عن حقوق الإنسان».

دولي

منذ سنة واحدة
لي بينغ.. «جزار بكين» الذي قتل آلاف من معارضيه في ليلة واحدة!

المصادر

تحميل المزيد